أمثلة من التناقض والنقض

jawab
أمثلة من التناقض والنقض
 
208 -تقول دراسة وضعتها ” لجنة المجتمعات الأوروبية ” في بلجيكا عن الشباب الأوروبي ( 1985 ) أن علاقة الشاب بأسرته تنتهي عند سن السادسة عشرة ، وأنه يعتبر نشاطه الجنسي منذ بدايته مع سن المراهقة من شؤونه الخاصة التي لايجوز لأحد أن يتدخل فيها ، وأنه ابتداء من مرحلة الشباب لايهمه الا الخوف من البطالة وأن الشباب عديمو الاهتمام بما يدور في مجتمعاتهم . ويقول جيرالد باكمان  الاستاذ في معهد الدراسات الاجتماعية في جامعة ميتشجان بالولايات المتحدة الامريكية في كتابه نظرة الشباب إلى المشكلات الوطنية (1971 ) إن الشباب لايعيرون المشكلات الوطنية أي اهتمام ، وحين يثار اهتمامهم لايجدون ما يقولون ، وإن كانوا مهتمين إلى أقصى درجة بحرب فييتنام يريدون أن تنتهي حتى لا يتعرضوا لمخاطر الموت فيها ، ولكن ليس لديهم أية فكرة عن كيفية إنهائها . وقد وصل عدم اهتمامهم بالشؤون الوطنية أن ثلث الطلاب في الجامعات ميدان البحث ، لم يعرف أي منهم اسم عضو مجلس الشيوخ في ولايته . وتقول نشرات هيئة الأمم المتحدة أنقد انعقد في مرسيليا ( فرنسا ) ما بين 24 و27 تشرين الأول / اكتوبر 1983 مؤتمر دولي لدراسة ظاهرة ” ابناء الشوارع ” . وابناء الشوارع هؤلاء ليسوا أبناء الريف في العالم الثالث الذين تسمح لهم التقاليد بأن يعيشوا أيامهم جائلين شاردين خارج الدور والمنازل ثم يعودون ، وليسوا يتامى أو ضالّين أو لقطاء ، ولو كانوا كذلك لهان الأمر ، ولكنهم دخلوا عالمهم من أبواب اليتم أو الضلال أو التخلي أو الشرود ثم تكيفوا مع البيئة التي تشكلها الشوارع والأزقة والأبنية المهجورة بما يسودها من قواعد التشرد وتقاليده وآدابه أيضاً ، وهي قريبة الشبه بما يذكره لنا التاريخ عن حياة الانسان البدائي قبل أن تعرف البشرية ضوابط السلوك الاجتماعية والدينية والخلقية والتشريعية . انه عالم اغتراب عدائي من مجتمع الآخرين ، اتخذ من الشوارع حدوداً عازلة بينه وبين مجتمع آخر يرفضه ويقاوم بأساليب ” شوارعية ” حقاً العودة إلى الاندماج فيه . لقد بلغ نمو عالم أبناء الشوارع في بعض مدن فرنسا حداً حمل السلطة الفرنسية على أن تعترف بوجوده ، وتتعامل معه وتسمح له بقدر من الاستقلال في تنظيم وإدارة شؤون رعاياه وأن يشكلوا من أنفسهم جماعة قيادية ، قريبة الشبه بالحكومة ، مقرها مدينة ” بيسين ” قريباً من مرسيليا ، تباشر سلطاتها بالتشاور مع ممثلي السلطة الرسمية .
أما في الولايات المتحدة الامريكية حيث تقاس كل الظواهر الاجتماعية بمقاييس مالية فتقول مارغريت جوردون في كتابها عن مشكلات الشباب ( 1979 ) أن 16 بالمائة من صغار البشر في نيويورك ينتمون إلى هذا العالم القائم خارج حدود المجتمع وقوانينه . وتنقل عن ستانلي فريدلاندر ما قاله عن دراسة ميدانية في ثلاثين مدينة أمريكية ، ما قلب رأساً على عقب كل ما يعرفه عالمنا من علاقة بين البطالة والجريمة . كان المستقر من المعرفة أن البطالة من أسباب الجنوح إلى الإجرام ، أما في الولايات المتحدة الامريكية فقد أصبح الإجرام أحد أسباب البطالة . ففي عالم أبناء الشوارع وجدت ” المنظمات الإجرامية ” أو ” الجريمة المنظمة ” جيشاً متزايد العدد من الذين يعرضون قوة عملهم في مقابل أجور أكثر ارتفاعاً من الأجور المتاحة في العمل المشروع ، بالاضافة إلى متعة الاعتداء على المجتمع الذي يرفضونه . وقد بلغت جملة ميزانيات منظمات الاجرام في الولايات المتحدة الأمريكية ، كما تقول مارغريت جوردون ، 25 مليار دولار سنوياً .
إنهم أبناء الاسر التي قال عنها فيكتور بالدريدج في كتابه علم الاجتماع المشار إليه من قبل ان جدار العفة فيها يتصدع تحت ثقل التقدم الرأسمالي الصناعي ، وان الإحصاءات المتحفظة تشير إلى أن 25 بالمائة من الزوجات لهن علاقات جنسية برجال غير أزواجهن ، وأن مابين 50 و 60 بالمائة من الرجال يمارسون الزنى ، وأن استطلاعات الرأي قد أثبتت أن هناك اتجاهاً عاماً نحو التسامح مع هذا ” النشاط ” ، ثم يرتب نتائج هذا ” النشاط” فيقول ، إن 25 بالمائة من حالات الزواج تنتهي بالطلاق سنوياً ، أما عن الأسر التي لاتنتهي بالطلاق فيقول فرديناند لوندبرج ، الامريكي ، في كتابه الثري والثري الفاحش ( 1968 ) ” ان قانون المنافسة الحرة بين الأفراد في المجتمع الأمريكي قد أدى إلى نشوء عقيدة مدمرة هي عبادة النجاح الفردي ، خرّبت الحياة الاسرية حتى للناجحين ” . وينقل عن كتاب كليفلاند أموري : من الذي قتل المجتمع ؟ قوله : ” إنه طبقاً للدراسات التي قام بها علماء النفس والاطباء والباحثون الاجتماعيون في { شؤون الأسرة } ، تستهلك الشركات الرأسمالية الجانب الأكبر من وقت وجهد وحماس العاملين فيها ، فيتحولون إلى نفايات في منازلهم عاجزين عن أن يكونوا ازواجا أو آباء . وحين لايؤدي هذا إلى الطلاق تبقى علاقة الزوجية قائمة اسمياً بين زوجين متآكلين لايهتم أحدهما بالآخر ، يعانيان كل أنواع المشاعر المريضة بما فيها الشعور المزمن بالوحدة ، والإحباط الجنسي ، وادمان المخدرات والخمور ” .
ويذكر فرديناند لوندبرج أن دراسة شاملة للزوجات في منطقة شيكاغو قد أثبتت انهن لاينظرن إلى شخصيات ازواجهن كأزواج بل ” كممولين ” لابد منهم لتكلفة الزواج والأبوة ، وأن قليلاً جداً منهن لديهن أية فكرة أو أي اهتمام بنوع العمل الذي يقوم به الأزواج ، وأن ثلث الزوجات في منطقة شيكاغو يعتبرن أن الزوج خارج تكوين الأسرة ، وأن الأسرة هي الأم وأولادها فقط ، أما الأب فهو العائل المالي من خارجها ، فهو لايقوم بوظيفة ” الوالد ” أصلا . . . الخ .
وليست هذه إلا امثلة اخترناها عامدين من آثار الحضارة ” المادية الفردية الرأسمالية ” في صياغة الشباب وتكوين الأسرة في الولايات المتحدة الامريكية . اخترنا الشباب مثلاً لأنه أصفى مراحل العمر للكشف عما يحمله الإنسان من حضارة قبل أن يكتسب ما قد يخالطها من مؤثرات خارجية ، هذا بإجماع الدارسين . واخترنا الأسرة لأن الأسرة هي حجر الأساس في التكوين الاجتماعي وأداة التواصل الحضاري بين الأجيال ( فقرة 175 ) . واخترنا الولايات المتحدة الامريكية لأنها تفتقد الوجود الاجتماعي أو الحضاري قبل نشأة النظام المادي الفردي الرأسمالي ، فليس وراء قيمها الحضارية السائدة تراث حضاري غير ما ولده هذا النظام . واخترنا كل هذا ، اخيراً ، حتى لايخفى على أحد التناقض بين تلك الحضارة الغربية وبين الحضارة العربية تناقضاً غير قابل للتوفيق أو للتلفيق أو للتزويق .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s