أمـــة الاســـلام

makhtout
أمـــة الاســـلام
22 – الاسلام ، إذن ، ليس مجرد دين . انه على اليقين ليس دين أية أسرة أو أية عشيرة أو أية قبيلة أو أي شعب أو أية أمة . إنه دين الناس كافة فهو ليس دين أية جماعة من الناس خاصة ، ولو كانوا جماعة من المسلمين . هذه السمة الخاصة بالاسلام هي التى أنشأت مابين الاسلام خاصة والأمة العربية خاصة علاقة خاصة لامثيل لها – فيما نعرف من تاريخ الأمم والأديان – بين أي دين وأية أمة . وإنا لنأخذ من هذه العلاقة الخاصة مايوفر لنا الحق في أن نقول ان الأمة العربية ، دون الأمم جميعاً ، هي ” أمة الاسلام ” . لانعني بهذا التعبير أن الاسلام دين الأمة العربية خاصة ، بل نعني به أن الأمة العربية هي الأمة التي أوجدها الاسلام ولم تكن موجودة من قبله ، وإنها تتميز بهذا عن بقية الأمم ولو كانت أمماً مسلمة .
كيف ؟
نذكر قبل الجواب بأننا نستعمل كلمة ” أمة ” فيما يلي من حديث بمعناها القومي الحديث للدلالة على ” مجتمع
ذي حضارة متميزة ، من شعب معين مستقر على أرض خاصة ومشتركة ، تكوَن نتيجة تطور تاريخي مشترك ” . فالأمة كما نعنيها طور من التكوين الاجتماعي أرقى من الطور القبلي والطور الشعوبي كليهما . قد نرى فيما بعد كيف كان ذلك ولكن يكفينا الآن الا يفهم أحد غير مانعنيه .
23 – خلال احقاب طويلة من الهجرة والصراع سابقة على ظهور الاسلام كانت قد استقرت مجتمعات قبلية متجاورة في رقعة من الأرض التي يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط وجبال طوروس ، ومن الشرق إيران والخليج العربي ، ومن الجنوب المحيط الهندي ، فهضبة الحبشة ، فالصحراء الأفريقية الكبرى ، ومن الغرب المحيط الأطلسي . كان كل من تلك المجتمعات القبلية متميزاً عن غيره بما ورثه من العهد القبلي ، أي بالأصل الخاص واللغة الخاصة والحياة الاقتصادية الخاصة ، وتراث خاص من الثقافة والعقائد والتقاليد ، والشعور بالانتماء القبلي . وحينما استقر كل منها في مكانه أصبح ” شعباً ” ودخل كل منها – منفرداً – مرحلة التكوين القومي . التفاعل الحر بين الشعب والأرض المعينة لفترة تاريخية تنشىء من التفاعل حضارة قومية فتكتمل الأمة وجوداً . ولو طال الاستقرار بتلك الجماعات الشعوبية لتطورت أمماً متميزة . غير أن الاستقرار لم يطل بأية جماعة منها حتى تكون أمة . ولم يطل بها جميعاً حتى تتكون أمماً متجاورة . فقد اجتاحتها موجات متعاقبة كاسحة من الغزو الخارجي إما من وسط أفريقيا ، أو من أوروبا ، أو من آسيا . كما أن موجات الهجرة الداخلية ، السلمية والمقاتلة ، لم تنقطع عابرة بها ومستقرة فيها . وكانت فترات الغزو تعطل نموها وتعوق تكوينها القومي بما تعيد من تكوينها البشري : إضافة من الغزاة أو نقصاً بالابادة أو الطرد ، وبما تسببه من انقطاع في اختصاص كل شعب بأرض معينة اضافة بضم أرض جديدة أو نقصاً بالطرد من الأرض ، وبما أدى إليه كل هذا من عدم توفر التفاعل الحر بين الشعب والأرض مرحلة تاريخية كافية لتنأ وتكتمل حضارة قومية . فما أن ينحسر الغزاة أو يستقروا لينشط التكوين القومي حتى تدهمها – كلها أو بعضها – موجة غازية أخرى . وأستمر هذا الوضع : فترات متتابعة من الاستقرار فالاضطراب فالغزو فالاحتلال فالاستقرار ….الخ ، تحبس نمو تلك الشعوب والجماعات دون اكتمال الوجود القومي ، حتى ظهر الاسلام .
24 – وعنما ظهر الاسلام لم تكن أية جماعة من تلك الجماعات قد تكونت أمة . ولكنها كانت قد غادرت مرحلتي التكوين الأسري والعشائري . ثم لم تتسق تطوراً . كان أغلبها قد أصبح شعوباً متجاوزة الطور القبلي ولكن كان من بينها من لايزال في الطور القبلي لم يرق إلى مابعده . فهي ، جملة ، كانت إما شعوباً وإما قبائل . ولقد جاء في القرآن مايشير إلى هذه القسمة الثنائية للمجتمعات في الجزيرة العربية بين طورين اثنين من أطوار التكوين الاجتماعي : القبيلة والشعب . ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) { الحجرات : 13 } .
أما الذين كانوا ، عند ظهور الاسلام ، فقد تجاوزوا الطور القبلي واستقروا شعوباً فقد كان منهم الحميريون في جنوب الجزيرة العربية . كان منهم من يعتنقون الديانة اليهودية ، وكان من بينهم كثير من المسيحيين فلَما أن اسرف ملكهم ذو نواس في اضطهاد المسيحيين استفاث أولئك باقربائهم من الحميريين الذين كانوا قد عبروا البحر الاحمر إلى الحبشة وحولوها إلى مملكة مسيحية . فاستجاب الاحباش إلى دعوتهم واغاثوهم وهزموا ملوك الحميريين ( عام 552 م) واجلسوا على العرش أسرة حبشية متحالفة مع جستنيان ، الامبراطور الروماني. فرد الفرس بأن تحالفوا مع ملوك جمير المعزولين ، وطردوا الاحباش ، وأقاموا في اليمن حكماً فارسياً ( 575 م ) . فاستقر الناس ” شعباً ” وظلوا هكذا لم يتطوروا إلى أمة بفعل خضوعهم للسيطرة الفارسية ، إلى أن ظهر الاسلام .
وفي شمال الجزيرة العربية كانت القبائل العربية من بني غسان قد استقرت في الجزء الشمالي الغربي وما يحيط بتدمر في سورية ، منذ القرن الثالث الميلادي ، وأقاموا حكماً تحت سيادة الولة البيزنطية ، فتحولوا بالاستقرار على أرض معينة إلى ” شعب ” ، وظلوا هكذا لم يتطوروا إلى أمة بفعل خضوعهم للسيطرة البيزنطية ، إلى أن ظهر الاسلام .
أما في الجزء الشمالي الشرقي ، فإن القبائل العربية من بني لخم كانوا قد استقروا على الأرض الخصبة فيما كان يعرف باسم ” العراق العربي ” ؛ وأقاموا حكماً في ” الحيرة ” على نهر الفرات ، تحت السيطرة الفارسية ، فتحولوا بالاستقرار على الأرض إلى ”  شعب ” ، وظلوا هكذا لم يتطوروا إلى أمة بفعل سيطرة الامبراطورية الفارسية ، إلى أن ظهر الاسلام .
وكان الناس فيما بقي من سورية وفلسطين ثم مصر ،  وغرباً حتى شاطىء المحيط الاطلسي ، مستقرين شعوباً متجاورة على الأرض ، وعبيداً ( بمعنى الكلمة ) للرومان منذ قرون عديدة . ولقد بلغت عبوديتهم التي كرسها القانون الروماني أن كان للسادة الرومان في تلك الاقطار مدن خاصة بهم محرَمة على غيرهم من السكان ، تأكيداً لعزلة السادة عن العبيد . منها مدينة ” أنتيموبوليس ” التي بناها في مصر الامبراطور الروماني هادريان الذي حكم عام 130 م . فاستقرت تلك الجماعات شعوباً ، ولكن أياً منها لم يتطور إلى أمة بحكم سيطرة الامبراطورية الرومانية ، إلى أن ظهر الاسلام .
أما ماتبقَى مما نعرفه الآن بالوطن العربي فكان عامراً بمجتمعات قبلية لم ترق بعد حتى إلى مستوى الشعوب ولم يكن تجمَع بعض القبائل حول الواحات الكبيرة أو الصغيرة أو عند ملتقى طرق القوافل التجارية أو في المناطق الجبلية الوعرة سواء في الجزيرة العربية أو في شمال العراق مما كان يعرف باسم ” ميزو بوتاما ” أو في مشارف صحراء أفريقيا الكبرى ذا أثر في تكوينها القبليَ . فقد كانوا يتجاورون إقامة أكثر دواما من القبائل الجائلة ، ولكن كقبائل متميزة ، كما كان الأمر في يثرب . ويتلاقون تجارة ، ولكن كقبائل متميزة ، كما كان الأمر في مكة . وكانوا في كل مرة لايكفون عن الحروب القبلية ، أو لايكادون يكفون ، إلى درجة أنهم – من أجل إتاحة فرصة لاتمام الصفقات التجارية بدون قتال – تواصوا بتحريم القتال في مناطق التبادل التجاري في أشهر معدودة من السنة ، ماأن تنتهي حتى يعودوا جميعاً ، بعد تلك الهدنة الاستثنائية ، الى القاعدة القبلية : التضامن بين أفراد القبيلة ظالمين أو مظلومين والعداء للقبائل الأخرى بسبب أو بدون سبب .
25 -من بين تلك القبائل العربية كانت قريش قبيلة في مكة . حملت اسم جدها ” فهر ” الذي كان تاجراً فلقب بقريش ، أي التاجر باللغة التي كانت سائدة في القرن الثالث الميلادي . ومن بني فهر كان قصيَ الذي توفي عام 480 م . ومن بني قصيَ كان هاشم الذي توفي عام 510 م . من بني هاشم اولئك كان محمد ابن عبد الله الذي اختاره الله ليبلغ رسالة الاسلام الى الناس جميعا 0 عام 610 م ) . ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) { الأنعام : 124 } .
26 – بعد مرحلة تكوين واعداد ومعاناة لنشر الدعوة في مكة بدأ انتشار الاسلام من المدينة يحمله المسلمون إلى الكافة . ومن المدينة بدأت مسيرة الثورة ” الحضارية الاسلامية ” . إن في هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة ( 24 ايلول / سبتمبر 622م ) من شجاعة اتخاذ القرار وحكمة التدبير ومهارة الأداء ما افاض في بيانه أغلب الذين تحدثوا عن الهجرة . وفي هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة من عمق الايمان وثراء التضحية ومغالبة النفس ماحفظ للمهاجرين ، على مدى التاريخ ، مااستحقوه من فضل القدوة . ولايزال المؤرخون ذاكريه . ثم أن الهجرة قد حققت للمؤمنين خلاص أنفسهم من اضطهاد قريش فأتاحت لهم الأمن على الدعوة وعلى أنفسهم . كل هذا متاح لمن يريد معرفة المزيد في كتب السيرة والتاريخ . ننتبه نحن إلى مايتصل منه بموضوع هذا الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام : التأثير الحضاري للاسلام في تطور التكوين الاجتماعي .
27 – يعلم كل المسلمين المحيطين بالسيرة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد آخى في المدينة بين المهاجرين والأنصار ( عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع الأنصاري ) وغيرهما . وبين المهاجرين بعضهم مع بعض ( بينه عليه السلام وبين عليَ ، وبين أبي بكر وعمر ، وبين طلحة والزبير ، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان ) وأن المؤاخاة كانت سبباً مشروعاً للمشاركة في المال والأرض وأسباب الحياة وحفظها . ولقد فعل الرسول ماهو اكثر من هذا أثراً في الوثيقة المسمَاة ” الصحيفة ” . سنورد نصها كاملاً فيما يلي ، ولكنَا ننبَه منذ الآن إلى أنها وثيقة تستحق كل الانتباه ، لأننا سنعود اليها في أكثر من موضع آت من هذا الحديث . ثم إنها – عندنا – شهادة ميلاد الأمة العربية .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s