أول دسـتور

sahifa

أول دسـتور
 
28 – تقول الصحيفة : ” بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من محمد النبي – صلى الله عليه وسلم – بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ( اسم المدينة في الجاهلية ) ومن تبعهم ، فلحق بهم ، فجاهد معهم ، انهم أمة واحدة من دون الناس . المهاجرون من قريش على ربعتهم ( أمرهم ) يتعاقلون بينهم ( يشتركون في المسؤولية ) وهم يفدون عانيهم ( أسيرهم ) بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو عوف على ربعتهم ، يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ( وذكر مثل هذا بالنسبة إلى بني ساعدة ، وبني جشم ، وبني النجار ، وبني عمرو بن عوف ، وبني النبيت ، وبني الأوس ) ثم قال
 “وإن المؤمنين لايتركون مفرجاً ( مثقلاً بالدين ) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل . ولايحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ( من أسلم على يديه ) ، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظلم ( طلب بدون حق ) ، أو أثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين . وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم . ولا يقتل مؤمن في كافر ، ولاينصر كافر على مؤمن ، وأن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس . وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم . وأن سلم المؤمنين واحدة ، لايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله ، إلا على سواء وعدل بينهم . وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً ، وان المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله ( يعني أن دماءهم متكافئة ويثأر بعضهم لبعض ) . وان المتقين على أحسن هدى وأقومه ، وأنه لايجير مشرك مالاً لقريش ، ولانفساً ، ولايحول دونه على مؤمن . وانه من اعتبط ( قتل بدون ذنب ) مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به ، إلا أن يرضى ولي المقتول وان المؤمنين عليه كافة ، ولايحل لهم إلا قيام عليه ، وأنه لايحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر ، أن ينصر محدثاً ولايؤويه ، وانه من نصره أو آواه ، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولايؤخذ منه صرف ( توبة ) ولاعدل ( فدية ) ، وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردَه إلى الله وإلى محمد ” .
29 – ” وأناليهود يتفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين . وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين . لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم فإنه لايوتغ ( يهلك ) إلا نفسه وأهل بيته . وان ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ( وذكر مثل هذا بالنسبة الى يهود بني الحارث ، وبني ساعدة ، وبني جشم ، وبني الأوس ، وبني ثعلبة ، وبني جفنة ) وان جفنة بطن من ثعلبة . وان بطانة يهود كأنفسهم ، وان البر دون الاثم ، وان موالي ثعلبة كأنفسهم ، وأنه لايخرج منهم أحد إلا بإذن محمد . وأنه لاينحجز على ثأر جرح ، وأنه من فتك فبنفسه ، إلا من ظلم ، وان الله على أبر هذا ( شاهد على صدقه ) .
30 – وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصر على من حارب اهل هذه الصحيفة ، وان بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الاثم . وانه لن يأثم امرؤ بحليفه ، وان النصر للمظلوم … وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة . وان الجار كالنفس غير مضاَر ولا آثم وانه لاتجار حرمة إلا بإذن أهلها . وأنه ماكان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردَه إلى الله عز وجلَ ، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وان الله على اتقى مافي هذه الصحيفة وأبَره ، وانه لاتجار قريش ولامن نصرها ، وان بينهم النصر على من دهم يثرب . وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه ، واتهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم . وان ليهود الأوس مواليهم وأنفسهم مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البَر الحسن من أهل هذه الصحيفة . وان البر دون الاثم ، لايكسب كاسب الا على نفسه .
31 – ” وان الله على أصدق مافي هذه الصحيفة وأبرَه ، وانه لايحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم . وانه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة الا من ظلم او اثم . وان الله جار لمن برَ واتَقى ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ” .
32 – إن هذه الوثيقة ليست قرآناً ولكنها وضعت في ظل القرآن . وهي ليست عقداً في المعاملات ولكنها نظام للحياة . إنها ” دستور ” بكل المعنى الحديث لكلمة دستور . ولعلها أن تكون أول دستور وضعي عرفته البشرية . وإنا لنعرف من تاريخ القوانين الموضوعة الالواح الاثنى عشر في روما ( عام 450 قبل الميلاد ) وقبلها بقرنين أو أقل قليلاً ( 620 قبل الميلاد ) وضع دراكون قانونه في أثينا ، وقبله بنحو خمسة عشر عاماً ( 2000قبل الميلاد ) كان قانون حمورابي ، ولكنها جميعاً كانت بالمفهوم الحديث للشرائع قوانين ولم تكن دساتير . إذ كانت تنظم المعاملات بين الناس ولم تكن ” نظاماً ” للحياة . ثم نلاحظ – أولاً – أنها وثيقة نظام مجتمع من المسلمين ومن غير المسلمين على أسس الحياة المشتركة بينهم جميعاً . و – ثانياً – أن مصدر قوتها الملزمة واستمرارها هو قبولها واستمرار قبولها ممن تنظم حياتهم . و – وثالثاً – أنها تنظم تلك الحياة المشتركة في منطقة جغرافية واحدة هي المدينة . و – رابعاً – انها تنظم المعاملات فيما بين المومنين ( فقرة (28 ) ثم فيما بين اليهود ( فقرة 29 ) ثم فيما بين المؤمنين واليهود وتسميهم معاً ” أهل الصحيفة ” فتشركهم في المدينة بدون تفرقة ، ثم تلزمهم بالدفاع عن المدينة بدون تفرقة ( فقرة 30 ) . و – خامساً – وأخيراً فإنها تقيم على المدينة حاكماً هو النبي صلى الله عليه وسلم ارتضاه اهل الصحيفة ليرعى الالتزام بها ويفرض احكامها ، بقوة أهل المدينة جميعاً ، على من يخرج على دستورها .
إننا هنا في مواجهة طور جديد من المجتمعات لم تعرفه القبائل العربية في وسط الجزيرة من قبل . هناك تكوَن لأول مرة في تلك البقاع ” شعب ” تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين ولكن يتوحد الناي فيه ، مع اختلاف الدين ، في علاقة انتماء جديدة . علاقة انتماء إلى أرض مشتركة . علاقة انتماء إلى ” وطن ” . فترقى العلاقة الجديدة بالناس جميعاً ( أهل الصحيفة وأهل المدينة ) إلى مافوق الطور القبلي . وهناك استقر الناس في وطنهم ، على أرضهم ، ولم يعودوا إلى العلاقات القبلية مرة أخرى قطَ . وهناك سيكون جزاء محاولة نقض العلاقة الجديدة بالوطن والعودة إلى العلاقات القبلية النفي من أرض الوطن . ولقد استحق الجزاء بنو قينقاع وبنو النضير . واستحقه بنو قريظة . جزاء خيانتهم جميعاً في معارك الدفاع المشترك عن الوطن المشترك ” المدينة ” .
وهناك سيتحدث القرآن عن المؤمنين ، لاجملة ً ، بل حسب انتمائهم . فاما مؤمنون ينتمون إلىقبائل (الأعراب) ، وإما مؤمنون ينتمون إلى شعب ” أهل المدينة ” . ( ماكان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) { التوبة : 120 } . وهناك سيتحدث القرآن عن المنافقين ، لاجملة ، بل حسب انتمائهم . فاما منافقون ينتمون إلى قبائل ” الأعراب ” وإما منافقون ينتمون إلى  شعب ” أهل المدينة ” . ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) { التوبة : 101 } . وأن تلك لثورة حضارية لامثيل لها فيما سبقها من حضارات وثورات ، لالمجرد أنها كانت سلمية وهي ثورية ، ةلالمجرد أنها ارتقت طفرة بمجتمعات قبلية عريقة في العصبية ، إلى شعب قبل في صحيفته ( دستوره ) أن تقطع العلاقات والروابط القبلية في بني عوف ، وبني ساعدة ، وبني جشم ، وبني النجار ، وبني أوس ، فيصبح المؤمنون من تلك القبائل مع المؤمنين ، ويخضعون معهم لنظام معاملات واحد ، ويبقى الشطر الثاني منهم جميعاً ، ينظمون معاملاتهم على ماكانوا . ليست العلاقات القبلية هي وحدها التي قطعت لتفسح مكاناً حضارياًلعلاقة الانتماء الشعبي إلى الوطن ، بل قطعت العلاقات العشائرية ، والأسرية ، والزوجية ، والأبوة ، والبنوَة ، والأخوة . فوق هذا وذاك ، وأكثر منه دلالة على الطفرة الحضارية ، إن تلك العلاقات الجديدة قد شملت العلاقة الدينية في الوطن كما شمل شعب المدينة المسلمين وغير المسلمين ، بدون ان يعوق ذلك تجاوز العلاقة الدينية العلاقة الوطنية إلى الناس جميعاً . ففي الوقت الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسوس شعب المدينة بما جاء في الصحيفة ، كان يبعث عبد الله بن حذافة السهمي برسالة ‘لى كسرى امبراطور فارس ، وحاطب بن أبي بلتعة إلى القوقس عظيم القبط في مصر ، ودحية الكلبي إلى هرقل امبراطور الروم ، وعمروبن امية الضمَري إلى النجاشي ملك الحبشة يدعوهم جميعاً إلى الاسلام . الاسلام الذي تطورت به القبائل إلى شعب وتعايشت فيه الأديان ، وسوى بين الناس على أساس ماأرتضوه من دستور في المدينة .
وإنا لندرك أبعاد تلك الثورة الحضارية إذا مالاحظنا أنَ جزءاً كبيراً من البشر في أفريقيا وأستراليا وجنوب شرق آسيا مايزالون حتى اليوم يعيشون في الطور القبلي بالرغم من محاولات تطوير القبائل إلى شعوب عن طريق حصرهم على أرض واحدة وحصارهم داخل حدود دولة واحدة .
33 – وهناك بدأت الأمة العربية جنيناً في رحم اول مجتمع ( شعب ) أوجدته ثورة الاسلام الحضارية ، ولدت فيه ، ونمت معه ، واكتملت أمة عربية به ، فقد فتح المسلمون مكة عام 630 م وقضوا على القبائل المرتدة في عهد أبي بكر ، ثم ماان جاء عام 633 حتى كانت كل القبائل والشعوب في الجزيرة العربية قد توحدوا في شعب واحد ، وفتحت دمشق عام 635 م ، وبيت القدس عام 638 م وما بقي من الشام قبل نهاية عام 640 م ، وقبل أن ينتهي عام 643 كان قد تم فتح مصر وفارس . وفتحت برقة 670 م وامتد الفتح حتى شمل المغرب العربي كله 698م ، ومن هناك تم فتح اسبانيا ( الأندلس ) عام 671 م .
34 – وإنا لنعلم أن الفتح الاسلامي قد امتد شرقاً وجنوباً إلى أبعد من فارس ، وانه قد شمل قبرص ورودس ( 652-655 م ) وكورسيكا ( 809 م ) وسردينيا ( 810 م ) وكريت ( 810 م ) وصقلية ( 832 م ) ومالطة ( 870 م ) …الخ . غير أننا نكتفي بماسبق لأنه يلزم ، ويكفي ، لمعرفة كيف كوَن الاسلام الامة العربية وهو يفتح تلك الاقطار منطلقا من المدينة إلى كل الاتجاهات . إلا أنَ هذا لايغني عن معرفة مايلزمنا من مد إسلامي جاء من خارج الأرض العربية متجهاً اليها .
35 – ففي القرن السادس الميلادي انطلقت مجموعات قبلية تركية من شمال وسط آسيا حيث إقليم بحيرة بيكال نحو الغرب . كانت كل مجموعة تحت قيادة ” خان ” . ومازالوا يتقدمون مقاتلين حتى استولوا على فارس بقيادة طغرل بك ، وأرسلوا وفداً إلى الخليفة العباسي القائم بأمر الله يبلغونه أنهم مسلمون ، فاتصل بهم واتصلوا به ( 1055 م ) . بعد هذا التاريخ بقرنين تقريباً ، أي في مستهل القرن الثالث عشر ، اكتسحت العالم المعروف حينئذ ، موجة مغولية تتارية أخرى بقيادة جنكيز خان ، فاستولت على الصين وفارس وتركستان وأرمينيا والهند حتى لاهور ، وروسيا والمجر وبولندا حتى سيليزيا ( 1241 م ) . واجتاحت العراق وسورية وفلسطين ولم تنكسر موجاتهم القبلية الغازية المخربة إلا عام 1260 حين هزمهم جيش عربي بقيادة حاكم مصر ، الظاهر بيبرس ، في معركة عين جالوت . وكانت تلك نهايتهم . غير أن آثارهم لم تنته . فقد دفعت موجاتهم الكاسحة إحدى القبائل التركية ، عرفت فيما بعد بالأتراك العثمانيين من تركستان فاستولوا على آسيا الصغرى ( تركيا الحالية ) ثم عبروا مضيق الدردنيل إلى مقدونيا والصرب وبلغاريا وفتحوا القسطنطينية ثم انثنوا إلى الأرض العربية وغزوها واستولوا على الحكم في الامبراطورية الاسلامية التي عرفت منذ ذلك الحين ( 1506 – 1918 م ) بالامبراطورية العثمانية .
36 – يكفي ماسبق ويزيد فنقول : عندما توقف المد الاسلامي كان قد ضم اليه مجتمعات مختلفة في درجة تكوينها الاجتماعي ، وبالتالي كان أثره الحضاري في كل منها مختلفاً طانت منها مجتمعات تجاوزت الطور القبلي والشعوبي وكونت حضارتها القومية . مثالها فارس وأسبانيا .
فقد كانت فارس موحدة شعباً منذ أن حكمها أردشير ( 226 م ) حكماً مركزياً بيروقراطيا كثير الفروع واعاد اليها الديانة القومية ( الزرادشتية ) وقاد الشعب الفارسي لاسترداد الاقاليم التي كان الاسكندر الأكبر قد استولى عليها ، وكانت ماتزال تحت حكم الملوك الأكمينيين . وقد استردها فعلاً ووحد الفرس ارضا وشعباً من نهر جيجون في الشمال إلى العراق في الغرب . وفي عهد خسرو الأول 0 531 – 579 م ) المعروف باسم كسرى أنو شروان كان الشعب الفارسي يتمتع بنظام دقيق للرَي والسدود ، ويمتلك جيشاً نظامياً ومجموعة من القوانين العامة وكانت الحضارة الفارسية قد قاربت أوج ازدهارها . ثم جاء الاسلام وفتح فارس في عهد يزدجر الثالث عام ( 634 م) بعد أربعة قرون من استقرار الشعب الفارسي على أرضه وتفاعله معها تفاعلاً حراً أنتج حضارته الخاصة .
وفي اسبانيا كان الشعب الاسباني يوم الفتح الاسلامي عام ( 711 م) قد قضى نحو ثلاثة قرون من الاستقرار على أرضه والتفاعل معها منذ حكم الملك تيودوريك الثاني ( 456 م ) تفاعلاً حراً أنتج حضارته الخاصة .
أما فيما يعرف الآن باسم الوطن العربي فإن الاسلام ، بعد ان طور سكان الجزيرة العربية من قبائل إلى شعب عربي انطلق إلى ما يجاوره فالتقى واختلط بمجتمعات كانت قد تجاوزت الطور القبلي واستقرت شعوباً وإن كانت السيطرة الفارسية والرومانية قد عوَقت تطورها فلم تنشأفي أي منها حضارة قومية ( كانت الحضارة الآشورية قد توقفت عن النمو منذ الغزو الفارسي ، وكانت الحضارة الفرعونية قد توقفت عن النمو منذ الغزو الروماني ) هذه الشعوب أكمل الاسلام تكوينها أمة واحدة : رفع عنها العبودية الفارسية والرومانية أولاً . ثم الغى فيما بينها الحدود ، ثانياً . ثم قدَم لها لغة مشتركة ثالثاً . ثم نظم الحياة فيها طبقاً لقواعد عامة واحدة ( القواعد الاسلامية ) رابعاً . ثم تركها تتفاعل تفاعلاً حراً مع الأرض المشتركة قروناً متصلة لم توجد خلالها سدود أو قيود على حرية الانتقال والمتاجرة والعمل والتعليم والتعلم . ثم جمها معاً لتدافع عن الأرض المشتركة في عين جالوت ، ثم على مدى قرن من الحروب المستمرة ضد الغزو الصليبي . ونحسب أن في ذاك القرن كانت الشعوب قد انصهرت في نيران المعارك فاكتملت الأمة تكويناً .
وهكذا صنع التاريخ الاسلامي من تلك الشعوب أمة واحدة هي الأمة العربية ، وصنعت الأمة العربية في ظله حضارتها العربية .
37 – بهذا تميزت الأمة العربية عن الأمم والشعوب الأخرى المسلمة . تميزت باللغة العربية ( لغة القرآن )
لغة قومية مشتركة واندثرت اللغات الشعوبية . هذا بينما لم تأخذ الأمة الفارسية من لغة القرآن إلا حروفها .
وقد حدث بعد قرنين من الفتح الاسلامي وعلى مدى نحو قرن كامل ، حينما تولت الأسرة السامانية ( 874 -999 م) الحكم في فارس أن عادت اللغة الفارسية إلى سابق وضعها كلغة قومية . أما الأمة الاسبانية فبعد فتح إسلامي استمر قروناً عدة لم تحتفظ لغتها القومية الا بمفردات محدودة من لغة القرآن . وتميزت الأمة العربية بوحدة الأرض التي أمتدت من حدود فارس وحدود تركيا وحدود اسبانيا ( الأندلس ) ، وحصرتها الصحراء والبحار من الجهات الأخرى ، حتى عندما كانت تلك الأرض ومعها فارس وتركيا واسبانيا تحت حكم الخلافة فقد كانت الأرض العربية ، منذ فتح مكة والجزيرة مقسمة إلى ولايات أو أقاليم على كل منها أمير ، ثم بعد ذلك وال أو سلطان يعينه – ولو اسميا – الخليفة ، ولم يحدث أبداً منذ الفتح الاسلامي حتى الاستعمار الاوروبي ان قامت بين تلك الولايات حدود أو سدود أو قيود . هذا في حين أن اسبانيا تحت الحكم الأموي قد استقلت بحدودها منذ ( 756 م) ، وأن فارس قد استقلت منذ أن استقل بها محمود ابن سبكتكين الغزنوي  (998 -1030 م ) .
ولقد تصارع الخلفاء والحكام والامراء والولاة دهرا على السلطة في الأرض العربية التي أصبحت القاهرة ، بعد دمشق وبغداد ، عاصمة الخلافة فيها سواء كان الخليفة عباسيا قادما من الشرق أو فاطميا قادما من الغرب ولكن لم يحدث أبدا أن خليفة أو حاكما أو أميرا أو واليا قسَم الأرض أو البشر أو أراد تقسيمها ، بل كان طموح كل منهم ، حتى الفاشلين ، أن يكونوا حكاماً على تلك الأرض الواحدة . وفي هذه  الأرض الواحدة انصهرت الشعوب ، حتى من خلال الصراع ، وتفاعلت فصنعت من أرضها ، وبلغتها ، انماطاً من الفكر والمذاهب والفن والعلم والتقاليد وعناصر الحياة الأخرى ما كان حضارة عربية خالصة حتى عندما كان الاسلام يطبع حضارتها وحضارات الأمم والشعوب الأخرى بطابع اسلامي مميز .
38 – ولن نلبث أن نرى أثر هذا حين تتفكك دولة الخلافة العثمانية . فيسفر العالم الاسلامي عن تلك الأمم التي دخلها الاسلام وهي أمم مكتملة التكوين ، فإذا بها هي هي ، كما كانت ، أمما متميزة بشعبها وأرضها ولغتها وحضارتها القومية الخاصة وإن كان الاسلام قد أضاف اليها حروف اللغة ، كما فعل في فارس وهذَب حضارتها القومية . ولكنه يسفر عن تلك الشعوب التي كان لكل منها لغة خاصة وثقافة خاصة عندما دخلها الاسلام لأول مرة ، فإذا بها شعب واحد يعيش على أرض خاصة ومشتركة ، ولغة واحدة وثقافة واحدة ، إذا بها قد اكتملت في خلال القرون التي قضتها معاً في ظل الاسلام أمة عربية واحدة .
اما المجتمعات القبلية من العثمانيين التي لم تستقر شعباً في تركيا الحديثة إلابعد أن كانت الامة العربية قد اكتملت تكوينا ، أو كادت ، فإنها ستأخذ من لغة القرآن حروفه ، ثم يضيق وعيها القبلي بعمق وثراء ورحابة الفكر الاسلامي العربي فتختار واحداً من المذاهب لتفرضه إسلاماً ( المذهب الحنفي ) فيبقى تراثها الاسلامي مذهبياً حنفياً . وعلى مدى قرنين ، قبل أن تكتمل أمة ” طورانية ” في أواخر القرن التاسع عشر ، كان نموها القومي يتم خلال تفاعل قوي ومؤثر تأثيراً مباشراً مع الحضارة الأوروبية الناهضة بقيمها الفردية وأفكارها الفردية وفلسفتها المادية . فما أن تكتمل أمة حتى تغالب حضارتها القومية الهجينة ماأضافه الاسلام اليها من عناصر حضارية ، فتتخلى عن مذهبها وتستبدل بالحروف العربية حروفا لاتينية وتنزع نزوعا شوفينيا ( مثل كل الحركات القومية الاوروبية في القرن التاسع عشر ) لتحويل الدولة المشتركة بين الترك والعرب إلى دولة تركية تفرض سيطرتها على الأمة العربية ، فتستجيب الأمة العربية للتحدي ، وتبدأ الحركة القومية العربية الحديثة مستهدفة دولة الوحدة العربية .
39 – تلك هي العلاقة التاريخية ” الخاصة ” بين الاسلام والأمة العربية . وهي علاقة جدلية ، انتهت إلى خلق جديد . فكانت الأمة العربية ثمرة تفاعل الاسلام مع تلك الشعوب والمجتمعات والجماعات ، وتفاعلها فيما بينها في ظل الاسلام وحمايته ، تفاعلاً انتهى إلى أن تكون شعباً عربياً واحداً بدلاً من شعوب متفرقة ، ووطناً عربياً واحداً بدلاً من اقاليم متعددة . واستمدت اسمها من تلك النواة التي بدأ بها التكوين القومي في الجزيرة العربية ، وحملت راية الاسلام إلى باقي الوطن العربي ، وقادت حركة التفاعل الخلاق الذي انتهى إلى أن تكون ، كما نحن ، أمة عربية . وما كان هذا ليحدث لولا التقاء أمرين في مرحلة تاريخية واحدة : الاسلام كثورة حضارية قادرة على التطوير والخلق ، والشعوب لم تكتمل أمماً ، فهي قابلة لأن تتطور ويخلق من جديد . ولم يكن أي الأمرين بمفرده بقادر على أن يخلق ” الأمة العربية ” وهكذا أسهم الاسلام في تكوين الأمة العربية . ولكنها عندما تكونت كانت وجوداً ذا خصائص متميزة عن العناصر التي التحمت معاً فكونتها . فهي ” أمة عربية ” وليست جماعة مسلمة من ناحية . وهي ” أمة عربية ” وليست امتداداً نامياً لأي شعب من الشعوب التي كانت من قبل ، ولاحتى لتلك النواة التي بدأت بها مرحلة التكوين القومي منذ ثلاثة عشر قرناً في قلب الجزيرة العربية .
40 – وهكذا لم يكن الاسلام ديناً فحسب ، بل كان ثورة اجتماعية ذات مضامين حضارية . أنشأت بينه وبين الأمة العربية علاقة عضوية تاريخية خاصة . ذلك أن الاسلام ، كثورة اجتماعية قد لعب دوراً أساسياً في تكوين الأمة العربية فما ينكر الوجود القومي للأمة العربية إلا من ينكر على الاسلام مضمونه الثوري الحضاري الذي أسهم في تكوين الأمة العربية . وما ينكر أن الأمة العربية ” أمة الاسلام ” – إذ قد أسهم في وجودها ولم تكن موجودة من قبله – إلا الذين يفرغون العروبة من حضارتها . والحق انه حيث نبحث عن حضارة اسلامية خالصة من الآثار الشعوبية لانجدها إلا في الحضارة العربية . وحيث نبحث عن حضارة عربية خالصة من الآثار القبلية لانجدها إلا في الحضارة الاسلامية . كذلك أصر الأكثر علماً بالتاريخ على التوحيد بين كلمة  “مسلم ” وكلمة ” عربي ” في الدلالة على الحركة الحضارية يوم أن كان العرب ينتصرون للاسلام فينتصر الاسلام لهم .
41 – وما تزال الأمة العربية تحمل ظواهر حضارية مميزة هي ذاتها ظواهر مميزة للحضارة الاسلامية ، إن تكن اللغة إحدى العناصر التي تؤثر تأثيراً في المضمون الفكري والفني والعلمي للحضارة ، وتطوع الآداب والعادات والتقاليد بما تتسع له من معان أو تضيق ، فإن العربية هي لغة القرآن ، كتاب الاسلام ، وهي في الوقت ذاته لغة الأمة العربية . ولانزيد حتى لانعيد مايقوله كل علماء اللغة والفلسفة والفن والاجتماع ، من دور اللغة في صياغة الحضارات . ولكنا نجتهد فنقول إن في الأمة العربية ظواهر حضارية لايمكن فهمها إلا على أساس من معرفة العلاقة الحضارية الخاصة بين الاسلام والأمة العربية . ولسنا نقصد بالظواهر الحضارية تلك التي يصطنعها الناس عامدين ، ولكنا نقصد بها ماتؤديه الشعوب على السجية وتقوم به كالعادة المستقرة ، بدون تدبير . ولسنا نقصد بها تلك الظواهر التي يحتاج إدراكها إلى علم المتخصصين . فإنا لانخاطب بهذا الحديث غير العربي المسلم البسيط . نخاطبه بما نحسب أنه يحسه من نفسه ولو لم يجهر به ، ولايحتاج في إدراكه إلى علماء ومعلمين . أما الراسخون في علم الحضارات فإنهم يعرفون مانقول كما يعرفون أبناءهم . لاهم في حاجة إلى حديثنا البسيط ، ولانحن في حاجة إلى أن نتحدث إليهم عما هم به عالمون ، فنزعم أن العربي على السجية يضع ذاته موضع السيادة من عناصر الوجود جميعاً . انه في علاقته بالأشياء والظواهر ، وفي تأثيره فيها وتأثره بها ، وفي محاولاته ، الناجحة أو الفاشلة ، في تطويعها لارادته ، ينطلق من وضع مفترض لايفكر حتى في تبريره ، هو أنه ” كإنسان ” افضل من كل الموجودات وأكرم ، وأنه سيدها وقائدها . آية ذلك ان أيا من المذاهب الفكرية التي تضع الانسان موضع التبعية لعناصر الوجود المادية لم تستطع أن تقنع العقل العربي بأن ينزل عن مكان السيادة والقيادة ، بالرغم من كل ما تقدمه من فلسفات ونظريات . يعبرون عن ذلك في مرسل القول بأن العربي متميز بالأنفة والكبرياء والعزة والكرامة …الخ  . فمن أين جاءته كل هذه القيم ؟ .. نعني القيم الحضارية . من الاسلام . إنها ثمرة التربية الطويلة على المنهج الاسلامي . أربعة عشر قرناً والشعب العربي يتعلم جيلاً بعد جيل ، ويوماً بعد يوم ، أنه في نطاق التأثير المتبادل بين الانسان والطبيعة المادية يكون الانسان هو الفاعل الصانع المغيَر المطوَر ، وتكون الطبيعة المادية موضوع فعله . ويستعمل القرآن تعبير ” السخرة ” للدلالة على هذه العلاقة . وهو تعبير قوي الدلالة على أن الانسان هو صانع واقعه المادي والقادر والمسؤول عن تغييره ( الم تر أن الله سخر لكم مافي الأرض ) { الحج : 65 } . ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً ) { الملك : 15 } . ( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهار ) { إبراهيم : 32 } . ( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ) { النحل : 14 } . ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار ) { إبراهيم : 33 } . ( وسخر لكم مافي السموات ومافي الأرض جميعاً ) { الجاثية : 13 } . . الخ
ويقطع القرآن بأن شيئاً من الواقع لن يتغير إلا إذا تغير الناس . فالانسان القائد هو البداية : ( إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) { الرعد : 11 } . إن هذه القيمة الحضارية ماتزال هي وحدها القادرة على تفسير بعض الظواهر المسلكية التي تبدو مقصورة على العرب . التطلع والتشبث بأهداف يقول غيرهم عنها إنها غير واقعية ، قياساً على الظروف المادية المتاحة آنياً ، تصاعد المقدرة على الاستمرار في التحدَي إذا جاءت البداية منتصرة ، تحوَل الهزائم إلى نقد لاذع واتهام فظيع يتبادلونه . وانهم ليتَهم بعضهم بعضاً بالعمالة والخيانة حين تحلَ بهم الهزيمة ، ويحمَل بعضهم بعضاً مسؤوليتها ، حتى قبل أن يتهموا من هزمهم بالعدوان والبغي . ويعجب بعض الناس من هؤلاء العرب غير الواقعيين الذين قالوا عام 1967 ” لامفاوضة ” وهم غير قادرين على القتال ، ” ولاصلح ” وأرضهم محتلة ، ” ولا اعتراف ” وهم يعرفون من الهزيمة ذاتها مدى ثقل الوجود الذي ينكرون الاعتراف به . ويعجب بعض الناس من هؤلاء العرب الذين لايكفون عن طلب الوحدة بالرغم من كل مابين حكوماتهم من صراع ، وبالرغم من أنَ الوحدة هدف لن ترضى به قوى العالم القادرة . ويعجب بعض الناس من هؤلاء العرب الذين لايتركون فرصة دون أن يتهم بعضهم بعضاً وهم يعلنون أن غاية صراعهم أن يتوحدوا . ثم يعجب بعض الناس من هؤلاء العرب الذين ما ان ينطلقوا منتصرين حتى يحققوا المعجزات بما فيها معجزة الوحدة .
إن وراء كلَ هذا قيمة أكثر ثباتاً في وجدان العربي من كل ظواهرها السلبية . إن كل شيء مسخر له كإنسان وهو قادر على تغييره ومسؤول عن هذا التغيير ، وإن الخضوع للظروف المادية أو الاتكال عليها أو اتهامها يعني انه يتخلَى عن ثقته بذاته كإنسان وبمقدرته ومسؤوليته . تعبيراً عن هذه القيمة لايفهم العربي كيف تكون الوحدة هدفاً غير واقعي بحجة أنَ الظروف لاتسمح بها مادام هو يريدها . ولايفهم كيف تعني الهزيمة الاستسلام مادام هو لايريده . ولايفهم كيف يمكن أن ينهزم بدون أن يكون إنسان غيره قد خان . وتعبيراً عن هذه القيمة ماأن ينتصر العربي – في أي ميدان – حتى يتقبل النصر على أنه استحقاق ” طبيعي ” له ، فيندفع إلى مزيد من محاولات الانتصار …. وهكذا لم يحتج العرب إلى أكثر من نصف قرن ليحملوا الاسلام دعوة وحضارة إلى أكثر العالم المعروف لهم . ولم يحتج العرب إلى وقت يذكر ليقفزوا إلى المراكز الاولى في الفلسفة والرياضة والطب والفلك والصناعة …. وكلها نشاطات حضارية لم يكن لهم بها علم قبل أن يبدأوها . إن قيل إنها قيم عربية صدق القول . وإن قيل انها قيم اسلامية صدق القول ، إذ الحضارة الاسلامية في وطننا هي الحضارة العربية ، لاتختلفان .
42 -ونزعم أن العربي على السجية يضع ذاته موضع المساواة مع أي عربي آخر ، مهما تكن الفروق بينهما في الثقافة أو الثروة أو الجاه أو المقدرة . ان يكن في الوضع الأدنى يعبر عن تمسكه بالمساواة بنقد واتهام اسباب التفوق حيناً والسخرية منها في بعض الأحيان .ولايعترف العربي للعربي أبداً باستحقاقه التفوق إلا حين يأمن أن ليس في هذا الاعتراف مايمسَ قيمة المساواة بين الناس . من اين جاءت هذه القيمة الحضارية العربية
……. من الاسلام . لانقول لأن الاسلام يساوي بين الناس ولايمايز فيما بينهم تبعاً للاصول أو اللون أو الجنس ، وألا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ثم نقف ، بل نقول كيف ربى الاسلام الناس على المساواة حتى أصبح العربي على السجية يضع ذاته موضع المساواة مع أي عربي آخر ؟
نقول إن الشعب العربي هو اول شعب في تاريخ البشرية تعلم أن المساواة بين الناس لاتعني ” المثلية ” . لاتعني أن يكون كل واحد مثل أي واحد في العلم أو الفكر أو العمل أو الرزق ، بصرف النظر عما يكون بين الناس من تفاوت في المواهب والمقدرة الذاتية ، وإنما تعني المساواة أن تحكم العلاقات بين الناس ، كل الناس في المجتمع قواعد عامة ومجردة سابقة على نشأة تلك العلاقات . هكذا تعلَم الشعب العربي المساواة كما تعرفها البشرية الآن ولكن قبل أن يعرفها أي شعب بعشرة قرون على الأقل . وزاد فعرفها مقدسة لأنه تعلمها من كتاب الله المقدس . ولقد سبقت بعض الشعوب الشعب العربي إلى معرفة القوانين المكتوبة ، ولكنهاكانت كلها ، مجردة من فكرة المساواة . أولاً ، لأنها كانت ، كلها ، قوانين وضعها القادة والحاكمون لينظموا بها مسالك المقودين والمحكومين ولا يلتزمونها هم مسلكاً ، فلم تكن تساوي بين الحاكم والمحكوم . وثانياً ، لأنها كانت كلها تقر صراحة أو ضمناً عدم المساواة بين الناس . فجاء القرآن ليقول ( إنا انزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) { النساء : 105 } . ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) { المائدة : 48 } . ( وان احكم بينهم بما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم ) { المائدة : 49 } . ( ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون ) { المائدة : 44 } . ( ذلك حكم الله يحكم بينهم والله عليم حكيم ) { الممتحنة : 10 } .
في هذه الآيات البينات أحكام عدة ، منها أن محمداً بن عبد الله ، الصادق ، الأمين ، النبي ، الرسول ، القائد
مأمور مثل غيره من عامة المسلمين بالتزام الدستور القرآني . ليس مباحاً لأحد ، ولو كان الرسول نفسه ، أن يستعلي أو يستثنى أو يخرج عن القواعد العامة التي تحكم العلاقات بين الناس كافة . إنها مانعرفه الآن باسم
” المساواة أمام القانون ” التي تساوي بين الناس من حيث هم بشر وان افترقت أعمالهم . على هذا تربى العرب ونمت حضارتهم على أنهم ” سواسية كأسنان المشط ” كما يقولون . وأصبح العربي على السجية ، غير مكره ، يضع ذاته موضع المساواة مع أي عربي آخر ، ولايقبل الاعتراف لأحد بالتفوق عليه إلا إذا أمن ألا يكون في هذا الاعتراف مساس بالمساواة بينهما . وعندما يكون التفوق متضمناً الاستعلاء يتهم أسبابه ولو اتهمها بأنها جاءت لصاحبها ” صدفة ” . أما إذا كان التفوق قوة مفروضة عليه فهو يرتاب ويكره حكامه لمجرد أنهم حكام ، إلى أن يطمئن إلى أنهم حكَام لديه وليسوا حكاَماً عليه . فإن كانوا حكاماً لديه أحبهم بدون تحفظ وغفر لهم مايرتكبون من ذنوب . إن قيل إنها قيم عربية صدق القول . وإن قيل اتها قيم إسلامية صدق القول . إذ الحضارة العربية في وطننا هي الحضارة الاسلامية ، لاتختلفان .
43 – ونزعم أن العربي على السجية لايعترف أبداً بأمانة الاثراء إذا لم يكن ثمرة عمل ، أو ميراثاً . إن كل ثروة لايعرف العربي مصدرها عملاً أو ميراثاً يبادر إلى اتهام أسباب الحصول عليها . أدنى مايعبر عنه إنكاراً لاستحقاق صاحبها لها قوله انها ” ضربة حظ ” . لايعرف كيف يكون الحظ مولداً للثروة . ولايهمه أن يعرف . ولكن هو يريد أن يقطع صلة الاستحقاق بينها وبين صاحبها مادامت قد جاءت إليه من غير عمل أو ميراث . من أين جاءت هذه القيمة ؟ نعني القيمة الحضارية . من الاسلام .
إذ ، لو جنينا الثروة حصيلة العمل وما قد يكون فيها من تفاوت تبعاً لتفاوت ملكات التفكير والتدبير والمهارة بين البشر ، ثم جنينا الثروة تؤول بالميراث ، كيف تأتي الثروة من غير عمل أو ميراث ؟ … كيف يلد الجنيه جنيهاً و أكثر ؟ …. وكيف تتكاثر أرقام الثروة بدون تدخل من صاحبها ؟ نجيب : إنه الربا . وقد حرم الله الربا تحريماً قاطعاً :( ياأيها الذين آمنوا لاتأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ) { آل عمران : 130 } . فيقول المنافقون انه لم يحرم الربا إلا أن تكون ” الفائدة ” مركبة . فماذا يقول المنافقون في قوله تعالى : ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ، والله لايحب كل كفار أثيم ) { البقرة : 276 } . و ( الذين يأكلون الربا لايقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) { البقرة : 275 } . و ( ياايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) { البقرة : 278 ، 279 } . هكذا ربَى الاسلام الشعب العربي على أن كل ثروة من غير عمل أو ميراث قابلة للاتهام بأنها ربوية . وفي هذه الجزئية التقى بالتربية المسيحية في شعوب الشرق . فقد بقي الربا محرماً في المسيحية بالرغم من إباحة الكنيسة الكاثوليكية له منذ أن ” باع ” البابا انوسنت الرابع ” فتواه ” بإباحة الربا لينفق ثمنها على حروبه ضد الامبراطور فريدريك الثاني ، بعد أن كان قد اتهمه علناً باعتناق الاسلام خفية . وهكذا ظل الشعب العربي أربعة عشر قرناً يتعلم في مدرسة الاسلام الحضارية ، جيلاً بعد جيل ويوماً بعد يوم ، أن المال الذي يأتي بدون عمل أو ميراث ربا ، وأن المرابين اعداء الله ورسوله ، فكانت تلك القيمة الحضارية : لايعترف العربي على سجيته بأمانة الاثراء إذا لم تكن الثروة ثمرة عمل ، أو ميراثاً .
44 – ولقد أثرت هذه القيمة الحضارية بالذات في تاريخ الأمة العربية تأثيراً بالغ القوة ، وكانت عاملاً أساسياً في تشكيل الحياة العربية على مدى ثلاثة قرون من الزمان فلقد عايش الشعب العربي ، وعاش ، مرحلة النمو الرأسمالي حين بدأ تجارة يتبادل فيها الناسالبضائع والخدمات . وتاجر الشعب العربي على أوسع نطاق في البر والبحر ، وكانت الأرض العربية الطريق الوحيد بين أقصى الشرق وأقصى الغرب قبل أن يكتشف طريق رأس الرجاء الصالح . وحمل العرب إلى كل مكان ذهبوا إليه تجارة ، دعوة الاسلام .
كذلك كان الفتح الاسلامي لعقول وأفئدة  عشرات الملايين في أقصى الشرق بعشرات الآلاف من التجار العرب : يبيعون ويشترون ويقايضون ويربحون ويخسرون وهم يدعون ويبشرون ويعلمون الناس ديناً يحرم الربا تحريماً قاطعاً ، فلا يرابون ولايتعاملون مع مرابين . حتى إذا بلغ النظام الرأسمالي أوجه حين تحول إلى نظام ربوي محض يسمونه ” الرأسمالية المالية ” وتحولت التجارة إلى ” مضاربة ” وتحولت الاجارة إلى استغلال ، وأبيح الغبن في العقود تحت ستار ” حرية الارادة ” …. توقف نمو النشاط العربي التجاري دون تلك المرحلة من نمو النظام الرأسمالي . لأن قيماً حضارية زرعها الاسلام في وجدان الشعب العربي حالت بينه وبين الربا ” والمضاربة ” والغرر والغبن والاستغلال . ولقد أتى على الأمة العربية حين من الدهر كان أعداء الاسلام يرجعون مايقولون عنه ” سبب تخلفها ” إلى أنها قد تعلمت من الاسلام ألا تقرض أو تقترض  “بفائدة ” ( أي أن ترابي ) وألا تضارب ( في البورصات ) ، وألا تعقد العقود الرابحة إذا أفسدها الغبن ، وإنها لاتريد أن تتخلى عما تعلمته ، وأنها بذلك قد حرمت نفسها من واحد من أهم أسباب التقدم ( الأوروبي ) . ولعل من بين الناس من يردد هذا القول حتى اليوم . وتجاهد كثير من الدول ، اليوم ، من اجل انتزاع الأمة العربية من جذورها الحضارية الاسلامية إلى حيث تكون شريكاً تابعاً في المؤسسة الربوية العالمية التي يسمونها ” الامبريالية ” وذلك عن طريق سد طرق الرزق الحلال بمؤسسات يسمونها البنوك تتاجر في المال
( النقد ) ولاتسمح لمن يريد أن ينشىء تجارة أو يفلح زراعة أويقيم صناعة أو يبني مساكن أو يفتح معاهد العلم أو يحقق رخاء …… الخ ، إلا بعد أن يشترك معها في تجارتها المحرَمة : الربا .
على أن الاسلام قد حمى الأمة العربية حين احتمت الأمة العربية بقيمها الحضارية التي غرسها الاسلام فيها .
فلم تمتد للنظام الرأسمالي داخلها جذور يصعب اقتلاعها ، ولم تكن شريكة في عصابة الرأسماليين العالميين .
وإنَا لنحمد الله في الحالتين . في الحالة الأولى ، لأن الأمة العربية مهيأة للأنتقال إلى النظام الاشتراكي ، الذي جاء دواء تاريخياً شافياً من أمراض الانسانية التي نشر النظام الرأسمالي جراثيمها في الأرض ، بدون حاجة إلى جهد جهيد تقتلع به جذور الرأسمالية . وفي الحالة الثانية ، لأن الأمة العربية لم تشارك في المذابح البشرية التي أقامها الاستعمار الرأسمالي لشعوب الأرض ليشق بين تلال الجماجم طرقاً إلى حيث الفوائد الربوية ويربي بها الناس على تمجيد القوة بدون حق ، فبقي تاريخ الأمة العربية فذاً في طهارته من العدوان على الشعوب الأخرى . ولم يحدث في تاريخ الفتح العربي أن سخَرت جيوشهم لانتزاع ثروات الشعوب والعودة بها إلى الجزيرة العربية بدلاً من زرع بذور الثورة الحضارية الاسلامية والبقاء معها حتى تنمو وتثمر
فنعرف من امر هذا العربي على السجية الذي لايعترف بأمانة الاثراء إذا لم تكن الثروة ثمرة عمل ، أو ميراثاً ، انه لايعترف للثروة بوظيفة الاستغلال ولا يعترف أبداً بأن القوة فوق الحق . وأنها لقيم حضارية . إن قيل عربية صدق القول . وإن قيل إسلامية صدق القول لأن الحضارة الاسلامية في وطننا هي الحضارة العربية ، لاتختلفان .
45 – نستطيع أن نضيف إلى ماسبق قيماً عربية كثيرة مثل : الشجاعة لاتخشى الموت لأن الأعمار بيد الله .
والنكوص عن المغامرة حفظاً للنفس من التهلكة ، والنجدة لوجوب الغوث ، والمشاركة الوجدانية للآخرين احتراماً للأخوة ، والعفو عند المقدرة بدون انكار لاستحقاق العقاب الذي قد يسمى تسامحاً ، وقد يسمى تفريطاً
وليس هو أيهما ؛ إنما هو تعبير عن قيمة حضارية غرسها الاسلام في الوجدان العربي حين تعلم العربي من الاسلام أن الحياة الدنيا ليست هي الفرصة الوحيدة لعقاب المذنبين … الخ . وهكذا كلما تتبعنا ثمرة حضارية يقال لها ” عربية ” نبحث عن فرعها ثم جذعها ثم جذرها ، نجد أنها من شجرة حضارية طيبة زرعها الاسلام ونَماها وحفظها حتى أثمرت . ولماذا لاتكون في الأرض العربية إلا شجرة الحضارة الاسلامية . لأن الأمة العربية لم تكن موجودة قبل الاسلام لاشعباً ولاوطناً ولاحضارة ، فلم تخالط القيم الاسلامية قيم قومية سابقة عليها ، وما هكذا كان شأن الاسلام في الأمم والشعوب الأخرى حيث كان الاسلام إضافة حضارية إلى حضارة قائمة ، فاختلطت القيم .
46 – الذين لايعرفون كل هذا قد يعرفون الأمة العربية وصفـاً ، ولكنهم يجهلون ” كيف ” تكَونت . أما الشعب العربي فيعرفها من نفسه حين تكون نفسه على السجيةبدون فعل أو افتعال ، فلا يقوم لدى الشعب العربي سبب ليتوهم أن عدم تشابه ، أو تعرض أو تناقض ، علاقة الانتماء إلى الاسلام وعلاقة الانتماء إلى العروبة بنفي العلاقة بين العروبة والاسلام حتى يستغنى بأحدهما عن الآخر . ومع ذلك ، أو بالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة إلى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s