اتجاهات الشباب العربي

jawab
اتجاهات الشباب العربي
194 – في عام 1953 تكونت في القاهرة ” جماعة البحوث الحضارية المقارنة ” بقصد القيام بدراسة مقارنة عن اتجاهات الشباب في كل من مصر ولبنان والعراق وسورية والأردن والولايات المتحدة الأمريكية . وكانت تضم مجموعة ممتازة من العلماء والخبراء والباحثين وأساتذة علم الاجتماع وعلم النفس المتخصصين ، من بينهم 13 من مصر ، و9 من لبنان و 3 من العراق و3 من سورية و14 من الولايات المتحدة الأمريكية . وضمت إليها من غير أعضائها هيئة استشارية من تسعة خبراء ثلاثة من مصر ، واثنين من لبنان ، وواحداً من العراق ، وثلاثة من الولايات المتحدة الأمريكية ، ثم ألحقت بها جماعة من المساعدين من كل دولة من الدول ميدان البحث .
بدأ جمع البيانات الرئيسية للبحث عام 1955 بتسهيلات كريمة من الحكومات والجامعات ومعاهد التعليم والاخصائيين في تلك الدول . واستعملت في جمعها وتحليلها واستنباط النتائج منها أرقى مناهج البحث الميداني والتحليل العلمي . وبعد جهد متصل استمر نحو ست سنوات نشرت الدراسة ونتائجها في القاهرة عام 1962 تحت إشراف د . محمد عثمان نجاتي ، عضو الجماعة وأستاذ علم النفس في جامعة القاهرة حينئذ ، كما سلمت نسخة منه إلى الفريق الأمريكي .
جاء في مقدمة الدراسة المنشورة عن منهجها الذي اسموه ” النهج الحضاري المقارن ” : ” إن مشكلة استقلال الحالات التي يتناولها البحث الحضاري المقارن من المشكلات الهامة التي يجب أن يحتاط لها في تصميم البحوث الحضارية المقارنة . وهناك رأيان متطرفان في هذا الصدد رأي يذهب إلى أنه إذا كان هناك مجتمعان مستمدان من أصل واحد ، أو إذا أخذ أحدهما عن الآخر بكثرة ، فلا يجب اعتبارهما حالتين مختلفتين بل حالة واحدة . ورأي آخر يذهب إلى أنه مادام المجتمعان مستقلّين سياسياً فإنهما يعتبران مستقلين كأي فردين في مجتمع واحد . إن هذه المشكلة كما يقول هوايتنج مشكلة معقدة ولم تحل بعد حلاً كاملاً . وفيما يتعلق بالبلاد العربية التي تناولها البحث الحالي فإن كل شخص وثيق الصلة بهذه البلاد لابد أن يلاحظ أن الروابط التاريخية والجغرافية واللغوية والدينية بينها وثيقة جداً . ولكن بالرغم من هذه الروابط فإن هذه البلاد ليست متشابهة في جميع ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفي المشكلات السيكولوجية والاجتماعية التي تصادف الشباب في كل منها . فلا شك أن الاستقلال السياسي لهذه البلاد وتعرضها لبعض المؤثرات الداخلية والخارجية المختلفة قد أوجد فروقاً في بعض المتغيرات التي يقوم البحث بدراستها . ومثل هذه الفروق توجد عادة بين أفراد المجتمع الواحد . ولذلك فإننا نميل في هذا البحث إلى اعتبار هذه البلاد العربية المختلفة سياسياً وحدات حضارية مستقلة يمكن أن تعقد المقارنة بينها ” .
واضح من هذا التقديم أن ” جماعة البحوث الحضارية المقارنة ” في اتجاهات الشباب لم تقطع برأي فيما إذا كانت الاقطار العربية الخمسة التي اختارتها تنتمي إلى أصل حضاري واحد ، بحكم ماهو ملحوظ من أن الروابط التاريخية والجغرافية واللغوية والدينية بينها وثيقة جداً ، أم أنّ كلاً منها يعتبر وحدة حضارية مستقلة عن الأخريات بحكم استقلالها السياسي وما ترتب عليه من فروق في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وفي المشكلات السيكولوجية والاجتماعية التي تصادف الشباب في كل منها .
لم تقطع برأي ولكنها ” مالت ” إلى اعتبار الاقطار العربية وحدات مستقلة .
على هذا الأساس ” المائل ” استمر جمع البيانات والبحث والدراسة والتحليل واستنباط النتائج الخاصة بكل قطر عربي على حدة بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية .وسجلت وثائق البحث في جداول كثيرة ومتننوعة أدق الفروق الفردية والتفصيلية بين اتجاهات الشباب من الذكور والنساء ، من المتعلمين والأميين ، من العاملين والعاطلين ، من سكان المدن وسكان الريف وسكان الصحارى من المسلمين والمسيحيين . . . باختصار لم تترك وجهاً للمقارنة إلاّ درسته . وكان المفروض ، اتساقاً مع الاختبار الثابت في المقدمة ، أن تتم مقارنة النتائج بين اتجاهات الشباب في ست دول . خمس عربيات وواحدة أمريكية . ولكن النتائج لم تقبل ميل الجماعة . النتائج الموضوعية لم تقبل الاختيار الذاتي . إذ انتهى البحث إلى أن يكون مقارنة ثنائية بين الأقطار الخمسة العربية من جانب والولايات المتحدة الأمريكية من جانب . وعللت الجماعة هذا في خاتمة بحثها تحت عنوان  “استنتاجات عامة ” بأن التشابه في اتجاهات الشباب في جميع الأسر العربية المسلمة والمسيحية في جميع البلاد العربية التي أجرى فيها البحث تشير إلى التشابه الحضاري في جميع هذه المجتمعات بالرغم من اختلاف درجة التأثر بالمدنية الغربية .
195 – وهكذا يثبت عن طريق دراسة تطور المجتمعات من أسر وعشائر ، إلى قبائل وشعوب وامم ، وعن طريق دراسة التطور التاريخي للمجتمعات منذ ظهور الإسلام في هذا الجزء من الأرض الذي نطلق عليه اسم الوطن العربي ، وعن طريق نموذج من التطور التاريخي لأكبر الأقطار العربية منذ عشرات القرون ( مصر )  ومن دراسة اتجاهات الشباب في عدة أقطار عربية منفصلة ، ومستقل بعضها عن بعض باعتبار أن الانتماء  الحضاري في بداية مرحلة الشباب يكون أكثر نقاء مما يخالطه خلال رحلة الحياة بعد ذلك ، بالإضافة إلى مالا حصر له من دراسات منصبّة على إثبات وحدة المميزات الحضارية في الشعب العربي وعلى رأسها اللغة والشعور بالانتماء إلى أمة واحدة شعباً ووطناً بالإضافة إلى الإجماع العالمي في كل دراسة تاريخية أو فلسفية أو فنية أو سياسية على وصفنا ككل بأننا عرب ، ووصف كل واحد منا بأنه عربي ، ووصف البلدان المتعددة في وطننا بأنها بلدان عربية ، ووصف كل قطر على حدة بأنه قطر عربي ( رؤيتنا من الخارج ) . .  كل هذا يثبت أننا أمة مكتملة التكوين . أصبحنا هكذا بفعل قوانين التطور ، لم يصنعنا أحد وما اصطنعنا انفسنا  فيثبت أولاً وقبل كل شيء أن حضارتنا حضارة قومية لاقبلية ولاشعوبية ولا عشائرية بدون إنكار أنها لم تصل إلى أن تكون حضارة قومية إلاّ بعد أن تطورت نامية من حضارات عشائرية متميزة ، إلى حضارات  قبلية متصارعة ، إلى حضارات شعوبية متجاورة ، فهي المحصلة الحضارية الأرقى لتفاعل كل تلك الحضارات على مدى قرون طويلة  . وقد عرفنا من قبل كيف كانت الثورة الحضارية الإسلامية هي محركة هذا التفاعل وحارسته وقائدته إلى تجاوز الطور القبلي إلى الطور الشعوبي إلى الطور القومي ( فقرة 22 وما بعدها ) ، فكانت حضارتنا القومية ذات مضمون إسلامي .
فإذا صح كل هذا ، وهو عندنا صحيح ، وكانت الحضارة هي صانعة الهيكل الأساسي للشخصية فيمكننا القول بأن الشخصية العربية السوية هي شخصية عربية إسلامية أياً كانت عقيدة صاحبها . مع التأكيد مرة أخرى وأخيرة على أنه لم يكتسب هذه الشخصية بإرادته ، بل انتقلت إليه عبر آلاف الاجيال قبل أن يصل إلى سن السادسة عشرة ، لاحيلة له في هذا ولا إرادة .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s