اعتراض جانبي

jawab

اعتراض جانبي
178 -لولا أن الحديث ينبىء بأن قد يطول أكثر مما ينبغي لكان مما ينبغي أن نتحدث حديثاً وافياً عن المفهوم الماركسي للانتماء حتى نرّد مقدماً على ما قد يثيره بعض الماركسيين من اعتراضات على أساس أن انتماء كل إنسان إنما يكون إلى طبقته ، وأن شخصية كل إنسان هي شخصية طبقته بحكم أن اسلوب انتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الانتماء الاجتماعي ” حتماً ” ، بدليل أن الشخصيات غير متجانسة في أي مجتمع طبقي . هذا الاعتراض مردود ووارد معاً . فقد عرفنا من قبل أن العلماء المتخصصين في دراسة الشخصية يستعملون في التعبير عنها لفظين متلازمين هما الوحدة والتفرد . يعنون بالوحدة جماع الشخص ، أي الشخص بكل مكوناته الفسيولوجية والعقلية والاجتماعية ، ويعنون بالتفرد ما يميز شخصاً عن آخر ( فقرة 177 ) . وحديثنا منصب على الهيكل الأساسي للشخصية فهو يتناول مكونات وحدة الشخصية المتجانسة بين كل الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد . وهو ما كان يعنيه عالم النفس السوفياتي ميخائيلوف بقوله إن الإنسان هو الخلاصة الكلية لخبرة النشاط التاريخي المعقد الذي انتهى إليه ويعيش داخله ، كما تضمنته لغة أمته لغز النفس ( 1980 ) . فالاعتراض مردود – أما عنصر التفرد في الشخصية فهو بناء مكتسب على هيكلها الأساسي من مصادر بيولوجية وفسيولوجية وفكرية واقتصادية وروحية أيضاً . فالاعتراض وارد ولكنه ليس داخلاً في نطاق الحديث . وسنقدم إلى من يخطر لهم الاعتراض المردود مثلاً من تجربة تاريخية طويلة ، رائعة ومروعة أيضاً ، جرت في الاتحاد السوفياتي ، تثبت أن التجانس الفكري والاقتصادي والسياسي في مجتمع اشتراكي ، لم يستطع أن يلغي عدم التجانس الحضاري بين أعضاء ، وقيادات الحزب الشيوعي السوفياتي نفسه ( فقرة 223 ) .
أما إذا كان ثمة من يريد أن يتخذ من الاعتراض فرصة ليعود إلى المقولة المادية المنهجية القديمة : إن اسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الانتماء الاجتماعي حتماً فيكفينا أن نحيله إلى ما حمله إلينا د . مراد وهبة على صفحات كتابه محاورات فلسفية في موسكو ( 1974 ) من خلاصة ما اكتشفه زائراً الاتحاد السوفياتي لمدة عام ( تشرين الأول / اكتوبر 1968 – تشرين الأول / اكتوبر 1969 ) . وهي خلاصة بالغة الثراء ينقلها ماركسي بالغ الأمانة . خلاصة الخلاصة أن الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس في الاتحاد السوفياتي يراجعون ” المادية الجدلية ” ( المنهج الماركسي ) في اتجاه التشكيك في صحة الحتمية المادية والإقرار بأنه : في نطاق التأثير المتبادل بين الأشياء والظواهر يكون الإنسان هو قائد مسيرة التطور الجدلي ( جدل الإنسان ) .
وأن هناك اتجاهاً يمثله الينكيف رئيس قسم المنطق في معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم في موسكو عرضه في كتاب صدر عام 1968 بعنوان عن الأصنام والمثل يقصر الجدل على الإنسان دون المادة ودون الفكر . وأن ثمة عالماً من أتباع مدرسته أنشأ كتاباً في هذا بعنوان ماهية الإنسان الفاعلة كمبدأ فلسفي ( 1968 ) .
وقد ظهر أثر هذا الاتجاه الذي نقله إلينا د . مراد وهبة فيما كتبه بعض علماء النفس في الاتحاد السوفياتي في السنين الأخيرة . ففي كتاب يحمل عنوان مشكلات النمو العقلي ( 1981 ) يبدأه مؤلفه أ . ن . ليونييف بقوله : ” حين يتأثر الكائن الحي على وجه أو على آخر بمؤثر خارجي فإنه يهضمه ويتمثله . ولايكفي من أجل هذا أن يبقى سلبياً متأثراً ، بل لابد له هو أن يفعل شيئاً في الوقت ذاته . هذا الفعل قد يأخذ شكل عملية داخلية أو حركة خارجية ولكن لابد من أن يحدث ” . . . ثم يأخذ هذه القاعدة مطبقاً إياها باستفاضة مصحوبة بخلاصات التجارب وجداولها إلى أن يصل إلى آخر الكتاب لينفي صحة ” وجهتي نظر ” في كيفية عمل الإنسان المؤثر بما هو خارجه . أولاهما ترى أن في الانسان وظائف عقلية ونشاطاً معرفياً يعمل ذاتياً بمجرد التأثر بظاهرة خارجية ( وجهة نظر مثالية ) ، وترى الثانية أن الإنسان لايفعل حين يتأثر إلا أن يعيد ما اكتسبه بالمران والتكرار من خبراته السابقة ( وجهة نظر مادية ) لينتهي إلى أن الإنسان يعي تجاربه وما يصل إليه من تجارب تاريخية ، ويهضمها ويتمثلها لا ليكررها ولكن ليستخدمها في تغيير ظروفه .
مثل هذا الاتجاه واضح الظهور أيضاً في كتاب ف . ت . ميخائيلوف لغز النفس ( 1980 ) فبعد عرض مطوّل لما قاله هيغل وما قاله رسل ، يتبنى تعريفاً طريفاً للإنسان ، ينقله عن عالم سوفياتي آخر اسمه أموسوف تشكيل الفكر والعقل ( 1965) ، فيقول إن الإنسان ” كائن منظم قادر على إدراك المؤثرات الخارجية واستخراج معلومات منها ، وإدخال معلومات في قوالب ذات مستويات مختلفة ، والتأثير في محيطه الخارجي طبقاً لخططه ذاته على مستويات متعددة . فالإنسان في النهاية هو ضابط ذاتي لخططه ” . ويضيف ميخائيلوف من عنده : ” حتى نستبعد أي مكان لسوء الفهم نقول إن الإنسان ضابط ذاتي طالما أن نشاطه مؤسس على خطة قائمة في داخل ذاته وليس خارجها على أي وجه ” . . . الخ . . . وبعد ؟
وبعد ، فلنعد إلى موضوع حديثنا
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s