اغتصاب العقول

jawab
الـفـصل الـثـالـث
 
الـجـواب
 
اغتصاب العقول
166 – كان جوزيف غوبلز ، وزير الدعاية في ألمانيا النازّية ، يحرّض المواطنين الألمان على فتح نوافذ المساكن والأماكن حتى آخر مداها ، ورفع أصوات المذياع حتى أقصى درجاته لكي تستطيع الافكار التي يبثها  عن طريق الاذاعة الوصول إلى أذن كل ألماني واختراقها ، سواء أكان راغباً في الاستماع أم راغباً عنه . من الممكن تصور أن كثيراً من الناس في ألمانيا لم يكونوا يرون فيما يحرض عليه غوبلز إلا نوعاً من الازعاج الذي يؤذي السمع ويقلق الراحة . أما سيرجي تشاخوتين ، الكاتب التقدمي الألماني ، فقد كان يرى غير ما يراه الكثير من مواطنيه . فذهب يتابع ما يذاع ويرصده ويجمعه ويدرسه . ذلك لأنه التفت منذ البداية إلى أن غوبلز يصنع شيئا غير مسبوق في تاريخ البشرية بذلك الجهاز العبقري حديث النشأة : المذياع . كان يصنع ويصطنع ويصوغ مبادىء وأفكار وقيم أمة كاملة لتماثل مبادئه وأفكاره وقيمه ، ليضع أقدام الملايين من أبنائها على الطريق الذي حدّده حزبه ، لتندفع عليه متقدمة إلى الغاية التي أرادها . كل هذا بدون أن يعنى أقل عناية بالحوار المباشر مع أي فرد ، أو مجموعة من الأفراد ، من أولئك الملايين وبدون أن يقيم وزناً ، أي وزن ، لما يتفرد به كل منهم من مبادىء وأفكار وآمال بحكم تفرّد كل واحد منهم بملكاته الخاصة وبموقفه الاجتماعي الخاص ، وبدون أن يتوقف لحظة ليسألهم أو ليسأل أياً منهم عما يريدون . كان قد أراد ” لهم ” واختار ، وكانت مهمته أن يحملهم على أن يريدوا لأنفسهم ويختاروا ما أراده هو نفسه واختاره .
ولقد صاحب سيرجي تشاخوتين تلك التجربة التاريخية المثيرة ورأى كيف أفلح غوبلز وأعوانه في صياغة أو إعادة صياغة ، أفكار أمة كثيفة العدد ، عريقة التاريخ ، متقدمة الحضارة ، متفوقة العلم ، على ما يريد الحزب النازيّ لتندفع كتلة واحدة تحت قيادة أدولف هتلر على طريق الحرب التي انتهت بهزيمتها ودمارها وانتحار قائدها ، ويبدو أن غوبلز كان يدرك أن مسؤوليته عما أصاب الأمة الألمانية أكبر من مسؤولية قائدها ، فلم يكفه قتل نفسه ، بل قتل أطفاله الخمسة ثم قتلت زوجه نفسها قبل أن يقتل هو نفسه يوم أيار / مايو 1945 .
167 – في عام 1938 ، أي قبل أن تبدأ الحرب الأوروبية الثانية ( 1939 – 1945 ) ويشهد أهوالها كان سيرجي تشاخوتين قد أنشأ مما رصد وتابع وجمع ودرس كتاباً ( نشر عام 1939 خارج ألمانيا ) أعطاه عنواناً ذا دلالة مقزّزة : اغتصاب الجماهير ولايخفى ما في كلمة اغتصاب من دلالة الهتك القسري لحرمة العقل والتلويث لطهارة الفكر ، والاستغلال البهيمي لملكات الناس .
168 – لم يكن غوبلز يملك من وسائل القهر الدعائي إلا الصحف والمذياع ومع ذلك نجح في أن يقنع ثمانين مليوناً من الألمان بأن ألمانيا فوق الجميع ، وبأن الجنس الآري أرقى أجناس الأرض وبأن أوروبا الشرقية هي المجال الحيوي لدولة الرايخ الثالث ( الاسم الرسمي لألمانيا النازية ) وبأن أدولف هتلر قائد ملهم لايخطىء ، وبأن انتصار ألمانيا هو عين اليقين . وورث الغرب المنتصر بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية كل ثمار عبقرية الشعب الألماني المنهزم تحت قيادة النازية وكان من بين ماورثه علم صياغة عقول الجماهير وقوانينه الاساسية الذي أسمى علم ” الدعاية ” أو ” الاعلام ” . فلم يلبث أن تعمقت جذوره وامتدت فروعه وأينع وأزدهر وأثمر وأنشئت من أجله الجامعات والمعاهد المتخصصة وتفرغ لدراسته وتدريسه مئات الالوف من خلاصة الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس ، والمفكرين ، والكتّاب ، وأصبحت له في كل دولة وزارة أو إدارة ونظام أو منظمات . وزوده التقدم العلمي بأدوات بالغة الكلفة وبأسلحة خرافية المضاء . وزوده التقدم الفني بكل ذي جاذبية من أسباب الاغراء والاغواء ، فألغى المسافات ، ووحد اللغات واختصر الأزمنة حتى أحال الأرض إلى قرية على حد تعبير الماريشال ماك لوهان فيما كتبه عن ” الاعلام ” في كتابه قرية الأرض . وبدأت ظاهرة عالمية ليس للبشر بها عهد . ظاهرة مطاردة عقول البشر ، أيّان كانوا ، لاغتصابها بالكتب والنشرات والملصقات والمحاضرات والصحف والمجلات والاذاعة والتلفزيون ، ووسائل نقلها خرافية السرعة السلكية وغير السلكية ووسائطها العجيبة من الاقمار الصناعية . وحلت الجماعات والجمعيات والأحزاب التي تلبس ملابس وطنية محل بعثات التبشير التي انتشرت في الأرض خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بدون أن تخفي ملابسها الكهنوتية . وبلغ الأمر حداً قال فيه ج . درينكور في كتابه الدعاية قوة سياسية جديدة إن سيادة الدعاية في هذا العصر حقيقة واقعة . إنها مميز لحضارة جديدة . ان المؤرخين سيقولون في المستقبل ان القرن العشرين كان قرن الدعاية
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s