الاستعمار الجديد

jawab
خلاصة
209 – كانت خلاصة ماتقدّم من تخريب وتغريب أن نشأت في كل قطر عربي طبقة قومية الانتماء إقليمية الولاء ، مادية الباطن اسلامية الظاهر ، فردية البواعث جمعية الغايات ، رأسمالية النشاط اجتماعية الأرباح ، تتعلق بها وتتغذى عليها شخوص من الفلاسفة والمفكرين والكتاب والأساتذة والتلاميذ . . في مقابل أن تخدم غايتها وتروج بضاعتها بما يغرزونه من مذاهب وأفكار وآراء . وهي طبقة نشأت مع الاستعمار وأحاطت به في عزلته واستعلائه على الشعب واحتقاره للجماهير ، لتؤدي بالنيابة عنه ، ولحسابه ، نقض الحضارة العربية من بناء شخصية الإنسان العربي ، ليسكت ، ثم يقبل ، ثم يرضى بالتعايش مع الاستعمار في الوطن العربي المجزأ تبعاً لدرجات التخريب والتغريب وتأثيرها في إضعاف هيكل شخصيته .
الاستعمار الجديد
210 – كانت أولى ضربات الاستعمار الجديد تمكين الصهاينة ، بالدعم المستور أو المنكور ، وليس بالعدوان الظاهر القاهر ، من اغتصاب فلسطين وإقامة دولة صهيونية عليها ( اسرائيل ) سنة 1948 وهي السنة التي يؤرخ بها لبداية تحول الاستعمار القديم إلى استعمار جديد . وهي السنة التي حلّت فيها الامبريالية الأمريكية محل الاستعمار الأوروبي . وهي السنة التي أصبح فيها علم الدعاية واغتصاب العقول علماً معترفاً به ذا أصول وفروع ، وهي السنة التي اكتمل فيه علم ” السبرنيطيقا ” ( التأثير غير المباشر ) بعد أن نجحت تجاربه الأولى نجاحاً فائقاً خلال الحرب الأوروبية الثانية . ومنذئذ ، ستبقى القوات المسلحة الامريكية ” جاهزة ” للتدخل عند الفشل ، ولكن في حدود ضيقة لايسمح بتجاوزها الخوف من اشتعال حرب ثالثة مع قوة دولية موازية ومعادية وقادرة هي الكتلة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي ، شريك الولايات المتحدة الامريكية في الحرب الأوروبية الثانية ، وفي الانتصار ، وفي النفوذ الكوني . وفي هذه الحدود ضربت الولايات المتحدة الامريكية عن طريق حارسة مصالحها إسرائيل ضربتها عام 1967 وأوقعت بمصر وسورية والأردن هزيمة مزلزلة .
211 – في الأمة العربية ، وفي غير الأمة العربية من الأمم والشعوب الحية ، كلما انهزم الشعب ، بدأت قوى الحياة فيه تتجمع للمقاومة . ويكون أول سؤال تطرحه المقاومة الحية هو : لماذا الهزيمة ؟ ومن قبل 1967 ، ومن قبل 1948  ، بل ومنذ دوهم العالم كلّه بالاستعمار الأجنبي ، طرح هذا السؤال وأختلفت الإجابات عنه . ونحن نعرف من تاريخ الشرق ( كان يطلق في القرن الماضي على كل ما أحتله الأوروبيون ) كيف كانت إجابة المسلمين كافة عن هذا السؤال . نعرفها من تاريخ حركات الاصلاح الديني : الوهابية والمهدية والسنوسية والقادرية . . الخ . ونعرفه من تاريخ حركة التجديد الاسلامي التي بدأها الغزالي ونماها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وابن باديس وحسن البنا . . الخ . كانت كلها تدفع بالإسلام الغزو الأجنبي وتدافع بالإسلام عن ” الوطن القومي ” فيقول جمال الدين الأفغاني في ” العروة الوثقى ” : ” أنا لا أطلب أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصاً واحداً ، فإنّ هذا ربما يكون عسيراً ، ولكني أرجو أن يكون سلكان جميعهم القرآن ووجهة وحدتهم الدين ، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع فإنّ حياته بحياته وبقاءه ببقائه ” . وحينما يذهب إلى روسيا ثم يعود يترك تلاميذه من قادة حركة التجديد الإسلامي : عبد الرشيد إبراهيم ، وعلي ماردن ، ويوسف اكتشورا ، وأحمد اغا اوغلو ، وعبد الله اناباي ، وشاكر محمدية ومائة آخرين ، ليؤسسوا حزب ” اتفاق المسلمين ” ( 1905 ) لقيادة معارك التحرر الوطني من الاحتلال الروسي . ( لم تسمح روسيا القيصرية بعقد مؤتمره التأسيسي ، فاستأجر المؤسسون سفينة بضائع حملتهم على نهر الفولجا وقبل أن تصل إلى حيث تفرغ البضائع كان من حملتهم قد فرغوا من تأسيس الحزب ) . ويذهب داعية الجامعة الإسلامية عبد الرحمن الكواكبي إلى اعتبار جبهة ” الجامعة الإسلامية ” رابطة دفاع وطني ضد تسلط الأتراك المسلمين . وما أن تبدأ محاولة اغتصاب فلسطين حتى يندفع ” الإخوان المسلمون ” من مصر ويقاتلوا قتالاً باسلاً دفاعاً عن فلسطين العربية ، ويستدركوا ما فات في وثائقهم فيضيفوا ” الوحدة العربية ” قبل الوحدة الإسلامية ، وفي الإتجاه إليها ، هدفاً من اهداف جماعتهم ( فقرة 104 ) . وفي المشرق العربي ، حيث التحرر العربي يواجه السيطرة التركية لم يلبث الوعي القومي أن يفلت من مرحلة التضاد الظاهري الذي خلقه تظاهر المسيطرين الترك بلإسلام ، فيجمع ابتداء من عام 1943 بين القومية والإسلام في علاقة ” استقلال وتكامل ” في سبيل البعث . . ( 1960 ) . ثم مايزال الوعي القومي على حقيقه العلاقة بين العروبة والاسلام ينمو من خلال التجربة ومن خلال العلم إلى ما تخوض فيه من حديث قريب مما يخوض فيه كثيرون من أبناء هذه الأمة العربية المسلمة ، بعضهم يجتهد في الإسلام وبعضهم يجتهد في العروبة ، وغاية كل اجتهاد أن يرد على حملة التخريب والتغريب التي شنّها على الأمة العربية الاستعمار الظاهر وطبقته العميلة . وقد بلغ الاجتهاد في الإسلام حدّاً احتضن فيه ، بالإضافة إلى هدف التحرر ، وهدف الوحدة ، هدف الاشتراكية ، وطالعتنا من صفوف العلماء بالدين ، و ” الإخوان المسلمين ” كتب وكتابلت ومواقف تساند حركة التقدم العربي بما تعرفه من الآيات والأحاديث وسوابق التراث . . .
وكان كل هذا مصدر قوة هائلة لحركة التحرر العربي . وكان مزيد منه لابد أن يؤدي إلى اجابة حاسمة ونهائية عن السؤال : لماذا كانت الهزيمة 1967  ، وما العمل ؟
ولكن . .
212 -ولكن قد حقق الاستعمار الامريكي اهدافه من حرب 1967 في اتفاقيات كامب دفيد ( 1979 ) ، واصبحت مهمته التالية ” استقرار الوضع نهائياً ” ، ولن يكون ذلك إلا بتدمير ” الإنسان العربي ” وليس بتخريبه فقط . لابد من تفريغ هذه الأمة من مصدر قوتها الحضاري . لاتكفي التجزئة . لابد من التفتيت . لقد قطعت التجزئة الاقليمية حبل الاعتصام القومي . واثبتت هزيمة 1967 أن حبل الوطنية الاقليمية أوهى من أن يعتصم به . فلاذ كل مذعور من الضياع بما يعصمه من علائق أدنى : الطائفية . ولم يكن غريباً أن تبدأ طائفة في لبنان الحرب الأهلية لتقسيم لبنان بعد أقل من شهرين من توقيع اتفاق فض الاشتباك الثاني بين حاكم مصر والصهاينه ( أول أيلول / سبتمبر 1975 ) وأن تبدأ بعدها محاولة انفصال طائفي بربري في المغرب ، وفي السودان ، وفي مصر . . . ولم لا ؟ !
منذ 1948 والصراع العربي الصهيوني دائر حول نقطة مركزية : لمن تكون أرض فلسطين ؟ وليس ثمة أيّ خلاف بين العرب والصهاينة حول هذه النقطة . يقول العرب ان فلسطين أرض مغتصبة من الشعب العربي . فلسطين ليست محتلة أرضاً وبشراً كما كان الوضع قبل 1948 ، بل فلسطين الأرض اغتصبت وأخليت من الشعب العربي إلا القليل واستوطنها الصهاينة الغاصبون ، وأقاموا عليها دولة أسموها اسرائيل . إن واقع أمرها قريب الشبه بالواقع الاسترالي والامريكي بعد ابادة البشر إلا القليل وإقامة مجتمعات ودول من المهاجرين عليها  ينحصر الفرق في أن الشعب العربي لم يبد ولكنه يحيط بأرضه المغتصبة إحاطة كثيفة يريد استردادها .
هذا هو الواقع من وجهة نظر عربية . ولاتختلف الرؤية الصهيونية لهذا الواقع عن الرؤية العربية إلا في التقويم فعندهم فلسطين أرض اغتصبها العرب من الشعب اليهودي منذ الفتح الإسلامي . فلسطين لم تكن محتلة أرضاً وبشراً قبل 1948 ، بل فلسطين الأرض اغتصبت منذ أربعة عشر قرناً واخليت من الشعب اليهودي إلا القليل ، واستوطنها العرب الغاصبون وضموها إلى دولة سموها دولة الخلافة إلى أن احتلها الانكليز . ان واقعها كان قريب الشبه بالواقع الاسترالي والامريكي بعد إبادة البشر واقامة مجتمعات ودول من المهاجرين إليها . ينحصر الفرق في أن الشعب اليهودي لم يبد ولكنه تشتت في أقطار الارض إلى أن قادته الحركة الصهيونية إلى فلسطين لاستردادها خالية من البشر فاستردها واقام عليها دولته اسرائيل .
بصيغة أخرى يرى العرب أن فلسطين قد تعربت أرضاً وبشراً منذ الفتح الإسلامي ، وهم لايستطيعون تفسير أو تبرير هذا التعريب إلا بقوانين تطور المجتمعات من القبائل إلى الشعوب إلى الأمم ، وتطور الحضارة من قبلية إلى شعبوية إلى قومية ، ودور الإسلام في البناء الحضاري العربي ، أي لايستطيعون تفسيره أو تبريره إلا بردّه إلى أصوله القومية ، حينئذ تكون فلسطين جزءاً من الأمة العربية ويكون تحريرها داخلاً في نطاق حركة التحرر القومي العربي .
وبصيغة اخرى يرى الصهاينة أن الفتح الإسلامي ليس إلا غزواً وعدواناً غير مشروع ، مجرداً من الفاعلية الحضارية ، بل هو مثل كل الغزو العدواني معطل للتطور الحضاري ، وبالتالي فإن من حق اليهود أن يقاتلوا الغزاة ويطردوهم من الأرض ويستردوها ليستأنفوا مسيرتهم الحضارية . وهكذا أسموا حرب 1948 حرب التحرير . .
ومن هنا كانت قضية الصراع حول أرض فلسطين ” لمن تكون ؟ ” قضية المسلمين في جميع أنحاء الأرض . لأنه صراع يتصل بمشروعية الفتح الإسلامي وحق المسلمين في العيش في سلام على الأرض التي أسلموا فيها أو حملهم الإسلام لإليها منذ 14 قرناً . ولكنها من ناحية أخرى كانت قضية كل الشعوبيين الذين بقوا من سلالة الذين كانوا يقيمون في تلك الأرض قبل الفتح الإسلامي ، مثل الأشوريين في الشام ، والاقباط في مصر ، والبربر في المغرب . وكان انتباه كل الأطرف مشدوداً لمعرفة ما الذي سينتهي إليه الصراع . ولم يكن الصراع لينتهي بالانتصار في الحروب ، ولكن بإقرار أحد طرفي الصراع بحق الطرف الآخر في أرض فلسطين . إن أقر اليهود بأنها أرض عربية ينتهي الصراع وتبدأ مشكلة السكان وماذا يفعل العرب باليهود منهم . وإن انتهت بإقرار العرب بحق الصهاينة ، فقد اقروا في الوقت ذاته بحق كل بقايا الشعوب التي فتحها الإسلام بحقهم في تحرير أوطانهم من الغزو الإسلامي وتحريرها واستردادها كما فعل الصهاينة . . وكان كل طرف يحضر نفسه لمواجهة الموقف حين يثبت لمن الحق . وإذا بهم يشهدون في أول أيلول / سبتمبر 1975 أكبر دولة عربية إسلامية ، تقرر فجأة الاعتراف باسرائيل . الاعتراف بأن بقايا الشعب الذي كان في فلسطين يوم الفتح الإسلامي من حقّه أن يسترد أرضه ، وما يعنيه من الإقرار ضمناً بأن الفتح اإسلامي كان غزواً عدوانياً غير مشروع . . فدخل المسلون مرحلة الخطر الحالّ عليهم وعلى دينهم وأرضهم . .
وكان المفروض والمتوقع من أي شخصية مسامة سوية تكثيف الجهود والتحامها على المستويات المادية والبشرية ، والفكرية والدعائية والقتالية ، دفاعاً عن العروبة باسم الاسلام .
213 -ومن ناحية أخرى كان القوميون يدركون ، منذ بداية وعيهم القومي ، أن فلسطين جزء كأي جزء من أمة عربية مكتملة التكوين ، وأن اغتصاب فلسطين هو اغتصاب واقع على جزء من الوطن العربي لابد أن يسترد بصرف النظر عن هوية أو جنس أو دين أو لغة أو لون المغتصبين .
وما كانوا يستطيعون تبرير هذا الموقف أو تفسيره إلا بردّه إلى وحدة التكوين القومي الحضاري الذي انشأ به الإسلام أمتهم بعد أن كانت قبائل وشعوباً ، فإذا بهم يشهدون في أول أيلول / سبتمبر 1975 اكبر دولة عربية إسلامية تقرر فجأة الاعتراف باسرائيل . الاعتراف بأن القبائل والشعوب ماتزال باقية كما كانت في مراحلها المتخلفة ، وأن أمتهم العربية لاوجود لها أو لاتستحق الوجود .
فدخل القوميون مرحلة الخطر الحال على أمتهم .
وكان المفروض والمتوقع من أي شخصية عربية سوية تكثيف الجهود والتحامها على المستويات المادية والبشرية ، الفكرية والدعائية والقتالية ، دفاعاً عن الإسلام باسم العروبة .
214 – كان هذا هو المفروض والمتوقع والممكن . ولو تحقق لكان قميناً إن عاجلاً وإن آجلاً بأن يحشد الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج تحت راية قومية واحدة ، رمزاً لوحدة وطنها العربي وحضارتها الإسلامية ، ولاستجاب لدعوته كلّ عربي سويّ الشخصية لأنه حينئذ لايستجيب إلا لنزوعه التلقائي على السجية  ولاشتعلت الأرض العربية ثورةً تحرق حدود التجزئة ، وتطهّر فلسطين وتهزم الإمبريالية الأمريكية ، ولأسهم فيها كل عربي سويّ الشخصية ، لأنه حينئذ يثور دفاعاً عن ذاته .
ولاشك عندنا في ان الإمبريالية الأمريكية ، بما هو في حوزتها من إحصاءات ومعلومات ، وبما لديها من علماء وباحثين ودارسين ، وبما هي متقدمة فيه من علوم تاريخ الحضارات ، والحضارت المقارنة ، علم الحضارات التطبيقي ، وبما تملكه من تفوق في أدوات الإعلام والدعاية وغزو العقول ، كانت تتوقع هذا المفروض المتوقع ، وتعدّ العدّة حتى لايكون ممكناً . فسلطت وبطرق مباشرة وغير مباشرة ، على الشعب العربي جماعة سبق أن ضربتهم التجزئة وغرّبتهم ، فكانوا أوهن شخصية من أن يتمرّدوا على مايراد منهم أو ان يرفضوا ، وكوّنت منهم ، سواء عرفوا أو لم يعرفوا ، فرقة هدامة ، غايتها ، سواء قصدت أو لم تقصد ، الإجهاز على الأمة العربية ، بالاسلوب نفسه الذي عرفناه من قبل ، وقوانينه الخمسة المسمّاة قوانين القهر الدعائي ( فقرة 173 ) .
فهم أولاً بدون استثناء يتمتعون في محيطهم الاجتماعي العربي ” بمراكز اجتماعية دينية ( فمنهم الائوة ، والمشايخ ، والمتخرجون من المعاهد الدينية وقادة الجماعات الاسلامية ، وأساتذة الشريعة في الجامعات ، وموظفوا الإفتاء في الدول ) ؛ أو علمية ( فمنهم الكاترة ، والأساتذة في الجامعات ، والكتّاب والمثقفون ) ؛ أو مالية ( فمنهم كل أصحاب الملايين من الرأسماليين ورجال الأعمال وأصحاب البنوك ومن قاربهم ثراء من ” النفطيين ” ) ؛ أو عشائرية ( فمنهم أمراء ورؤساء طوائف ، وقادة أقليات ) . . أي أن كلاً منهم ذو مركز يضفي عليه مقدرةً خاصة على التأثير في صياغة آراء وتحديد اتجاهات مواطنيهم إما عن طريق التوجيه أو عن طريق التقليد ” ، وليس من بينهم – على امتداد الوطن العربي – شخص عربي واحد يمكن أن يقال إنه  “عادي ” . . فهم ” لوبي ” نموذجي
 غاية هذا ” اللوبي ” ( الفرقة ) ، نقض البناء الحضاري العربي . ولما كان الذين يحركونهم مباشرة ، أو بطريق غير مباشر ، يعلمون علم اليقين من دراسة الحضارة العربية أنها قومية إسلامية ، فقد انشطرت الفرقة إلى فريقين . فريق لنقض المضمون الحضاري القومي الذي يتجسد في وحدة الوطن العربي ، وفريق لنقض المضمون الحضاري الإسلامي الذي يعبر عنه بالدين . ولكن هذا الانشطار لم يلغ وحدتهم كأداة ، ووحدة غايتهم كوظيفة . دلالة هذا أن كلاً منهم يبرر وجود الفريق الآخر ويدعمه ويغذيه . فالاجتهاد في الاسلام مباح ومرغوب . كان كذلك دائماً ، وما يزال كذلك ، سواء كان ثمة دعوة إلى العلمانية أو لم تكن . فيركز الفريق الأول على ما يسميه التيار العلماني ، ويجسم خطره ، ويسند إليه الكفر البواح ويحرض عليه المسلمين ليبرر وجود فريق علماني ويدعمه ويغذّيه . والفكر العلماني ( الفردي الليبرالي الرأسمالي ) كان موجوداً منذ وجود الاستعمار ، وقد تأثر به دعاة الإصلاح الديني والاجتماعي ممن اتصلوا بأوروبا وأعجبوا بنهضتها حتى قبل الاستعمار ومثالهم رفاعة الطهطاوي ؛ بل ان حركة التجديد الاسلامي كانت رداً على الموجة العلمانية الأوروبية تأثرت بها بما تنطوي عليه من اقرار بأن ” التقليد ” السلفي كان حائلاً بين المسلمين وبين مباراة الأوروبيين في التقدم ، ولكن الفريق الثاني من اللوبي يركز على ما يسمّيه التيار الإسلامي ، ويجسم خطره ويسند إليه الجمود الرجعي ، ويحرض عليه المتطلعين إلى التقدم ، ليبرر وجود فريق ديني ويدعمه ويغذيه . وهما ، الفريقان ، يتبادلان ” الاعتراف ” ليكون وجودهما مشروعاً . فمع أن كل دعاة العلمانية يعرفون أن ليس في الاسلام كهانة ولا رجال دين ولا مؤسسة دينية ، إلا أنهم يتحدثون عن الفريق الآخر بصفتهم ” رجال الدين ” ، وبهذه الصفة يميزون أنفسهم عنهم ويميزونهم ، ويمدونهم بأسباب الكهانة ويعترفون لهم بها ، فإذا بالكهنة يتخذون من الدعوة العلمانية وفريقها مبرراً ليحتكروا لأنفسهم الإسلام عنواناً وعقيدة وشريعة وتفسيراً وفقهاً واجتهاداً بحجة أنهم يردون عن الأمة مخاطر فريق العلمانيين . وهما معاً يثيران معركة فيما بينهما محرّكها من منهما أكثر مقدرةً على نقض التكوين الحضاري للأمة العربية . فباسم الإسلام يناهض فريق منهم القومية حتى يندسّ في العقول ، انه لاتوجد قومية ، فلا توجد أمة عربية ، فلا يوجد وطن عربي ، فلا يهم الإسلام من الصراع العربي الصهيوني إلا تحرير ” بيت المقدس ” أولى القبلتين وثالث الحرمين فيختصر الصراع على الوطن إلى صراع على مبنى . وباسم التقدم يناهض الفريق الآخر الإسلام نظاماً ، ليفسح مجالاً لقبول الناس نظاماً فردياً في ذات جوهره ، لتنفرط الأمة العربية أفراداً ، لكل واحد منهم انتماؤه إلى ذاته ، وولاؤه إلى مصلحته .
وليس ما يقوم به أي فريق منهما دعوة إسلامية أو علمانية ، بل هي ” دعاية ” صريحة ” لاعلاقة لها بالاجتهاد الفكري في شؤون الدين أو في شؤون الدنيا .
215 – فكل فريق منهما  يركز على مقولة بسيطة : مبدأ أو شعار ” يبثه ويكرر بثه بدون تشتيت انتباه الجماهير إلى فرعياته أو تطبيقاته أو آثاره حتى يصبح لصيقاً بالعقل الواعي أو بالعقل الباطن ، بحيث أن مجرد ذكره يضع المتأثر به في وضع نفسي وعصبيّ وفسيولوجي معيّن يجعله قابلاً للتصرف المستهدف ” ( قانون القهر الدعائي الأول – فقرة 159 ) .
فريق يرفع شعار ” الشريعة الاسلامية ” ويركز على أن الهدف الوحيد الأوحد الذي يجب أن تتجه إليه الجهود هو تطبيقها وفوراً ، ولكنه لايقول ماالذي يقصده على وجه التحديد بالشريعة الإسلامية ، هل هي شرع الله كما جاءت به الآيات المحكمات في القرآن ، أم هي المذاهب الفقهية ؟ وإذا كانت المذاهب الفقهية ، فهل هي مذاهب القرون الأولى بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ، أم هي مذاهب تقوم على أصول من القرآن حتى لو اجتهد فيها المعاصرون ؟ وإذا كانت المذاهب الفقهية السلفية فأي مذهب يعنيه بالشريعة الاسلامية ؟ وإذا اختار مذهباً ، وفي كل المذاهب آراء مختلفة وراجحة ومرجوحة ، فأي رأي يريد له أن يكون هو الشريعة الاسلامية؟ فإن كانت الشريعة الإسلامية هي انتقاء مايلائم مصالح المسلمين في هذا العصر ، فمن الذي ينتقي ويختار ؟ وإذا كان هو الذي  ينتقى ويختار فما الذي انتقاه واختاره ؟ وإذا كان قد انتقى ، فما هي قواعد الشريعة الاسلامية التي يرى أنها ملاءمة لتنظيم وتحقيق مصالح المسلمين في هذا العصر ولم يكن لها سابقة في المذاهب؟ . . . . لو كان داعية لأجاب وكتب ونشر الصيغة التي يراها لعلاقات البشر في هذا العصر بما يحقق مصالح المسلمين ، كما فعل بعض الدعاة في الوطن العربي وخارج الوطن العربي . ولكنه ليس داعية ، إنه جهاز دعاية لاأكثر ولا أقل ، فيكتفي بالشعار ، المبدأ .
216 – أما فريق العلمانيين من ” اللوبي ” الموّحد فهو يرفع شعاراً أصبح ” مودة ” هو ” حقوق الإنسان ” . وقصة حقوق الإنسان هذه من أغرب قصص الفكر الليبرالي ومؤلفات عصر التنوير الأوروبي . لعلنا نقصها يوماً بالتفصيل . يكفينا الآن أن نعرف أن ” حقوق الإنسان ” عنوان أو شعار أو مبدأ مجرّد . وهي على مستواها هذا تعتبر نموذجاً مثالياً لإغواء العقول واغتصابها . وأين الإنسان الذي لايستهويه أن تكون له حقوق مقدسة سلبقة على مجتمعه ، وأسمى من أي نظام فيه ؟ ان العنوان وحده يكفيه ويرضيه ويغريه . أما ماهي هذه الحقوق ؟ وما هو مصدرها ؟ وكيف تتحقق في الواقع ؟ وفي أي مجتمع ؟ وفي أي زمان ؟ فلا أحد يقول ولا أحد يسأل إلا بعد أن تصبح ” حقوق الإنسان – الشعار ” لصيقة بالعقول الواعية وغير الواعية . حينئذ قد يعرف الضحية أن اغتصاب عقله أو تدمير حضارته يستحق الاستسلام ، لأنه ممارسة لحرية الرأي وحرية التعبير ” دون تقيد بقيمه الحضارية ” فيستسلم . أما إذا سأل : ماهي هذه الحقوق ، فإن العدّ لاينتهي . فمنذ صدور ديتور ولاية فرجينيا الامريكية ( 12 حزيران / يونيو 1776 ) ثم صدور إعلان استقلال الولايات المتحدة الامريكية الذي صاغه جيفرسون ( 4 تموز / يوليو 1776 ) ثم إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية ( 27 آب / اغسطس 1789 ) ثم إعلان حقوق الشعب العامل الذي أصدرته الثورة الروسية (16 كانون الثاني / يناير 1918 ) حتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته هيئة الأمم المتحدة ( 10 كانون الأول / ديسمبر 1948 ) ، وحتى الآن ، صدر نحو خمسين إعلاناً وميثاقاً واتفاقاً دولياً حول حقوق الإنسان ، وقد يمتد العدّ راجعاً ليشمل العهد الكبير ( 1215 ) وبيان الحقوق ( 1627 ) وقائمة الحقوق (1668 ) التي صدرت في انكلترا واستقت منها اعلانات حقوق الانسان الامريكية كثيراً من مبادئها المعلنة . ولابد أن يمتد العد إلى ماتزال هيئة الأمم المتحدة مشغولة بصياغته من حقوق . ولن يفتقد هواة العد والاحصاء في أغلب الدول دستوراً أو وثيقة تعتبر بالنسبة إلى مصدريها بياناً أو إعلاناً لحقوق الإنسان . وحين يصل العدّ إلى دول امريكا الجنوبية حيث إعلانات حقوق الإنسان أكثر شمولاً وأكثر صرامة ، سيجد أن تلك الدول قد تقدمت منذ عام 1948 في جميع المجالات ، ولو تقدماً بطيئاً ، إلا في مجال احترام حقوق الإنسان فإنها تتخلف سنة بعد سنة كما قال جروس اسبيل الاستاذ في جامعة مونتفيديو ( أورغواي ) فيما نشرته منظمة يونسكو عام 1978 .
ولقد ظن أنور السادات الرئيس السلبق لجمهورية مصر العربية ، يوماً ، ان مصر العربية لم يعد ينقصها ، في ظلّ حكمه ، إلا أن تصدر إعلاناً لحقوق الإنسان ، فاستفتى الشعب في هذا الظن يوم 20 نيسان / ابريل 1979 ، ثم أعلن أنّ الشعب العربي في مصر قد وافق بأغلبية تتجاوز 99 بالمائة على إصدار ” إعلان حقوق الإنسان المصري ” .ولم يصدر الإعلان قط . ربما لأن القضاء العالي في مصر كان له رأي ىخر . فقد كانت المحكمة العليا منعقدة لتقضي في دستورية بعض القوانين ( الدعوى رقم 1 لسنة 36 قضائية ) فقضت يوم 5 نيسان / ابريل 1975 ، بأن الميثاق ” الذي قدمه جمال عبد الناصر إلى المؤتمر الوطني للقوى الشعبية فأصدره يوم 30 يونيو 1962 هو بمثابة إعلان لحقوق الإنسان في مصر . . . “
إن واحداً من حقوق الانسان التي تبهر المثقفين والساسة ، ويضفون عليها القدسية ، ربما من أجله ، هو حق العمل الجماعي المنظم في صيغه المتعددة من أول الجمعيات الخيرية إلى النقابات المهنية إلى الأحزاب . لقد نصت المادة العشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقالت : ” لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية ” ومنذئذ أصبح عنواناً ثابتاً في برامج أغلب الأحزاب . ومن غرائب قصة حقوق الإنسان أن هذا الحق ذاته كان يعتبر في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية ” اعتداء” على حقوق الانسان المقدسة . إذ أن التزام الفرد المنتمي إلى جماعة بما تقرره الأغلبية هو إهدار لحريته الفردية المقدسة في أن يختار لنفسه ما يشاء . فأصدرت الثورة الفرنسية فيما بين 14 و17 حزيران / يونيو 1791 مجموعة من القوانين عرفت معاً باسم ” قانون شابليير ” تدين وتحرم تأسيس الجمعيات أو النقابات أو المنظمات الجماعية . . . الخ .
إن الطرح الليبرالي لشعار ” حقوق الإنسان ” مجرداً من مضمون محدد في زمان معين ومجتمع معروف ، قد استفز من قبل كثيراً من المفكرين في أوروبا ذاتها فأنكروا واستنكروا فكرة الحقوق المقدسة السابقة على وجود المجتمع ( اميل دوركهايم – جورج دافي – دي بونالد -جوزيفدي ميستير – هانس كيلس ) . . الخ : ( فلسفة الليبرالية تأليف اميل ميرو ( 1950 ) . أما في العالم الثالث الذي ننتمي إليه فيكفي أن نضرب مثلاً من المؤتمر الذي انعقد في كلبول عاصمة افغانستان ، مابين 12 و14 أيار / مايو 1964 لدراسة ” حقوق الانسان في الدول النامية ” حيث كاد الاجتماع أن ينعقد على أن المفهوم المجرد لحقوق الانسان يمثل على المستوى التطبيقي ترفاً قد تستطيع الدول المتقدمة تحقيقه ، أما الدول النامية فهي في حاجة إلى دولة ” راعية ” مسؤولة عن أن تحقق لرعاياها التنمية الكافية ليكون الإنسان إنساناً ، وهو لايكون إنساناً إذا أخضعه الفقر والمرض والجهل لما يخضع له البهائم من قوانين غريزية .
في يوم 22 تشرين الأول / اكتوبر 1984 نشرت جريدة الأهرام القاهرية مقالاً مضيئاً أنشأه الفيلسوف العربي ، شيخ الفلاسفة ، د . زكي نجيب محمود أطال الله بقاءه . كان المقال عن حرية التفكير . والتفكير عند الأستاذ الجليل هو : “عملية ذهنية ترسم خريطة ، أو خطة ، العمل المؤدي إلى تحقيق هدف ما ” . والتفكير الحر هو الذي لايتدخل أحد ذو سلطان في طريقة رسم الخريطة . واستنكر د . زكي نجيب محمود هذا التدخل وأسماه قتلاً لحرية التفكير ، ثم أراد أن يثبت الجريمة بأدلة علمية قائمة على ” أرض في صلابة الحديد ” كما قال . خلاصة تلك الأدلة أن الكلمة ليست هي الشيء الذي يعبر عنه ، بل هي رمز تنوب عن الشيء الذي اصطلح أصحابها على أن تنوب عنه .فتحول الفكرة إلى كلمة لايعني أن الكلمة قد حولت الفكرة إلى شيء ، إلى واقع .
ولكن إذا كانت الكلمة هي لاشيء ، فلماذا ، إذن ، لايقف المفكر عند حدود التفكير بل يتجاوزها – في بعض الأحيان – إلى التعبير ؟
إن المفكر لايكف ، الوقع أنه لايستطيع وهو يقظ أن يكف ، عن التفكير . أو بتعبير د . زكي نجيب محمود لايكف المفكر عن رسم خرائط وخطط عمل تؤدي إلى تحقيق أهداف معينة ، فيعبر عنها أي يعرضها على الغير . يصوغها مقالاً من لبكلمات مثلاً والغير هنا هم الناس . وهو لايعرضها على الناس تخلصاً منها كما لو كانت إفراز مخّه ولكنه يعرضها عليهم ليحدث فيهم أثراً هو إقناعهم بصحتها ، ثم ليحدث بهم أثراً هو تحويل  “الفكرة – الخطة ” إلى حركة ، وتحقيق الهدف في الواقع : واقعه وواقع الناس ، أي الواقع الاجتماعي المشترك. ولقد قال د . زكي نجيب محمود إن حرية الفكر لاتبدأ من فراغ ، وهذا حق . وقال إن هناك طرفين لكل موقف فكري ، الواقع والتفسير . وهذا حق أيضاً . ولكن عندما يضاف التعبير إلى التفكير يصبح لكل موقف فكري أطراف ثلاثة : الواقع – الفكر – الواقع . إذن ، فإن اكتمال العملية الذهنية المسماة تفكيراً بالتعبير عنها يحوّلها من اختبار للذات إلى اختبار للغير ، وهذا لايمكن أن يخفى على شيخ الفلاسفة . وبالتالي تتحول العملية الذهنية إلى نشاط اجتماعي وتتحول حرية التفكير من حرية فردية ذاتية لاتهم أحداً ، إلى حرية اجتماعية تهم عارض الفكرة ومتلقيها . وهكذا نرى أن الكلمة التي ليست هي ” الشيء ” الذي ترمز إليه هي دعوة موجهة إلى الناس إلى تحقيق هذا الشيء في مجتمعهم .
نصل هنا إلى صلب الموضوع .
هل لأي إنسان حرية دعوة الناس إلى إحداث ” أي شيء ” ؟ . أجيب عنه إجابة أرجو أن ترضيه : نعم لأي إنسان حرية دعوة الناس إلى إحداث أي شيء في المجتمع . مصدر هذه الحرية ، أو الحق ، كما أفضل أن أسميها ، أنه شريك لهم ومعهم في واقع هذا المجتمع ومصيره . وهو المصدر ذاته الذي يخوّل كل إنسان آخر الحرية أو الحق في أن يدعو الناس إلى أفكار وخطط وأهداف تناقض أو تلغي ما دعا إليه الأول . وهكذا لا يملك أحد ، ولا السلطة ، حق التدخل في حرية التفكير مطلقاً ، ولا في حرية التعبير إلا في حالة واحدة : إلغاء المصدر المشترك لهذه الحرية . أعني المساس بوحدة المجتمع المشترك . المساس بوحدة المجتمع ، أو المساس باشتراك الناس فيه .
نضرب أمثلة للايضاح .
يولد الناس فيجدون أنفسهم منتمين ‘لى وطن معين لم يختاروه لأنفسهم . من هنا تصبح العلاقة بالوطن (الوطنية) علاقة المواطنين جميعاً بالوطن المشترك ، علاقة مشاركة تاريخية ، كما يقولون ، تعبيراً عن أنها ناتج تطور تاريخي طويل ، وليست من ‘نشاء إرادة منغردة وقتية . وهو ، أي الوطن ، مشترك بين أفراد كل جيل وفيما بين الأجيال المتعاقبة . وحدة الوطن المشترك هي ذاتها العامل الرئيسي ، أو أحد العوامل الرئيسية التي تحول الناس من أفراد إلى مجتمع . وقد لايتفق المواطنون في رسم خرائط أو خطط لما ينبغي أن يكون في المجتمع ، وفي هذا يمارسون حرية التفكير بلا حدود وحرية التعبير بلا قيود . وقد تنتهي حرية التفكير بأحدهم إلى رسم خطة هجرة ، وتنازل عن جنسيته . . الخ ولكن أحداً منهم لايملك حرية دعوة الناس إلى” أفكار – خطط ” عمل ، لتحقيق هدف التنازل عن جزء من الوطن ، أو تقسيمه ، أو قبول اغتصاب جزء منه أو قبول تجزئته .
مثل آخر . من العوامل الرئيسية التي تحوّل الأفراد إلى مجتمع ” النظام ” . المجتمع هو أفراد منظمون بقواعد سلوك عامة ومعلنة تتدرج صاعدة من اللائحة إلى القانون إلى الدستور . وقد لايتفق المواطنون في مدى مطابقة خطة العمل المعلنة في قواعد هذا النظام لأفكارهم . وفي هذا يمارسون حرية التفكير بلا حدود وحرية التعبير بلا قيود . وقد يصل الأمر بهم أو ببعضهم إلى حد الدعوة إلى تغيير النظام جملة . ولكنّ أحداً منهم لايملك حرية دعوة الناس إلى ” أفكار – خطط  “عمل لتحقيق الفوضى .
لست أتوقع إنكاراً لما تقدم ، وعلى من يشك في صحته أن يراجع أي قانون عقوبات في أية دولة ، فسيرى أن عقوبة الإعدام وما يقاربها قسوة مدّخرة جزاءً على محاولة المساس بالتحريض ، أو بالاتفاق ، او بالمساعدة ، او بالفعل ، بسلامة الوطن ووحدته ، أو بالمبادىء الأساسية التي يقوم عليها النظام في المجتمع ( تعاقب المادة 78 أ من قانون العقوبات المصري بالاعدام كل من تدخّل لمصلحة العدو ” لإضعاف روح الشعب المعنوية أو قوة المقاومة عنده ” ) . فنسأل : أليس الاقليمي إنساناً ، أليس المستغل إنساناً ، أليس الخائن إنساناً ، أليس الظالم إنساناً ، أليس الصهيوني إنساناً كما أن العربي إنساناً ؟ فلماذا لايقول حملة شعار ” حقوق الإنسان ” من هو الانسان الذي يعنونه ؟ وما هي الحقوق التي يقصدونها في الوطن العربي ؟ ثم ، أليس من حق الإنسان العربي أن يختار وطنه ويختار النظام الذي بعيش في ظلّه اختياراً حراً بدون إكراه ؟ إذن فدعوه يختره حراً ، فإنه سيختار الوحدة العربية دولة والإسلام نظاماً لأنه – وهذا من سوء حظ الليبراليين العرب – شعب عربي جميعاً ، مسلم الأغلبية ، فهل يقبلون ؟ إنهم لايقبلون ولا يرفضون لأنهم لايقولون ، لأنهم أصلاً ليسوا قائمين على دعوة ،  بل قائمين على دعاية . وإلا فليقل لنا واحد منهم ماهو على وجه التحديد الذي لايعجبه في الإسلام نظاماً ؟ ولماذا ؟ وماالذي يقترحه بدلاً منه ؟ وأرجو ألا يقول لنا أحد منهم : لااعتراض على الإسلام أو الشريعة الإسلامية لولا أن الذين يطبقونها بشر ، لأنه قد يسأل : أين الشريعة أو القانون أو المبدأ أو النظام . . . الذي لايطبقه بشر ، حتى لو كانت الليبرالية ؟
217 -وكل من فريقي ” اللوبي ” ينفذ على وجه صاخب ومنفعل القانون الثاني من قوانين القهر الدعائي . فليس همّ أي واحد منهما منصباً على إقناع الناس بشعاره وما ينطوي عليه من حلول لمشكلات الحياة ، بقدر ماهو منصب على تجسيم وإبراز القصور الفكري أو الفشل التطبيقي في ” المبدأ – الشعار ” الآخر . ليبقى ” شعاره – مبدأه ” بعيداً عن أي حوار جماهيري وتنصرف ملكات الجماهير في الحوار إلى ماهو ضده ، ويتحول هو إلى مقولة مسلّمة أو تبدو مسلّمة . وهما في هذا يثيران معركة نكراء لاهم لأحدهما إلا نقد الآخر .
218 – وفي هذه المعركة يحاصران انتباه الشعب ويحصرانه في ثنائية الشعار وضده ( الشريعة الإسلامية والعلمانية ) ولا يسمحان للناس بأن يلتفتوا إلى قضايا أو مبادىء أو شعارات أو مشكلات أو حتى آمال أخرى . مازال كل منهما يثير معركته ضد ” مبدأ – شعار ” دفاعاً عن ” مبدأ – شعار ” ، حتى كادا يلهيان الشعب عن الأرض المغتصبة ، والاستعمار المسيطر ، والديون الثقيلة ، والفقر المدقع ، والثراء الفاحش ، والفساد الإداري وعذاب الحياة اليومية الذي ينصب على رؤوس المعذبين في الأرض العربية . ذلك لأنهما ليسا أصحاب دعوة ، ولكنهما يقومان بالدعاية لحساب أصحابها ، فهما يلتزمان قانون الدعاية الثالث في الحصر الثنائي .
219 – وكل منهما لايكف عن اتهام الماضي وإدانته ويلتقط من بين أحداثه أحداتاً ، ومن بين مراحله مرحلة ، ومن بين أشخاصه أشخاصاً لبنسب إلى الماضي بكل أحداثه ومراحله وأشخاصه ، على مدى قرونه الطويلة ، الهزيمة والفشل والتخلف ، قياساً على مستقبل يصوغه من آماله وأحلامه التي لايعرف أحد كيف تتحقق ، وهي عند فريق آمال وأحلام أوروبية ولكن بدون أوروبا الأرض والبشر والتاريخ والحضارة . وهي عند فريق آمال وأحلام عصر الرسالة والخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، ويضيفون إليهم الأموي عمر بن عبد العزيز ، ولكن بدون خاتم الرسل ، وبدون مكة والمدينة والأعراب والردة والفتوح والفتنة ، وعصر ماقبل نشوء الأمم والدول ، وعلى وجه خاص عصر ما قبل نشوء النظام الرأسمالي الاستعماري الاستغلالي الذي هو مشكلة البشرية في هذا العصر . هذا بالرغم من أت كلاً من الفريقين يعرف تماماً أن لماضي لايعود ولايلغى ، وأنه غير قابل للاستعادة أو الإلغاء ، وأن مانحن عليه هو المحصلة النهائية لما لاحصر له من هزائم وانتصارات ، وما لاحصر له من التخلف والتقدم ، سواء أعجبنا مانحن عليه أم لم يعجبنا ، وأن البكاء على الأطلال لايغير الحال ، وتفاخر العبيد بالجدود لايحطم القيود ، وليس السلف الصالح مسؤولين عن تحقيق مالنا من مصالح . وقد يعلم الفريقان أن ذلك الماضي الذي يدينانه هو الذي خلقنا أمة أرقى تكويناً من كل القبائل والشعوب التي كان أسلافنا ينتمون إليها ، وحوّل الإسلام بنا وفينا من رسالة إلى حضارة . ولكنهما معاً يدينان الإنسان العربي القوي السوي الحضاري بما كان من امره يوم أن كان في براءة الطفل وعجزه . ذلك لأنهما غير قائمين على دعوة حضارية بل قائمين على دعاية ضد الحضارة العربية فهما يطبقان القانون الرابع من قوانين القهر الدعائي .
220 – وأخيراً فهما على التزام حديدي بالقانون الخامس من قوانين القهر الدعائي . فهما غير معنيين بالحديث عما بين الأفراد والجماعات من فروق روحية أو فكرية أو مادية أو اجتماعية ، وما تولده تلك الفروق من خلاف وتنافس وصراع وقهر ومذلة ، وآثار كل هذا في حياة الناس الواقعية . إنهم يخفون كل هذا ” الواقع ” في جوف كتلة هائلة من الأفراد النمطيين المجردين من واقعهم الاجتماعي ، يطلق عليهم فريق منهما لفظ ” الإنسان”
ويطلق عليهم الفريق الآخر لفظ ” المسلمون ” حتى لايلتفت فيتمرد واحد من بني ” الإنسان ” على ما يعانيه في حياته من قهر ومذلة وفقر بفعل واحد آخر من بني ” الانسان ” . وحتى لايلتفت فيتمرد واحد من ” المسلمين ” على ما يعانيه في حياته من قهر ومذلة وفقر بفعل واحد آخر من ” المسلمين ” ( كما التفت الإمام ابن تيمية فحرّض العرب المسلمين على قتال التتارالمسلمين دفاعاً عن وطنهم أو ديارهم كما كان يسمى الوطن ) . ذلك لأن فريقي ” اللوبي ” العربي لايقومان على دعوة إلى مايصلح الحياة من المساواة والحرية والتقدم ، بل يقومان على دعاية تغلق عقول الناس دون إدراك واقع حياتهم لتبقى مفتوحة لما يدسه فيها ” قادة الرأي ” من دعاية حتى يفرغوها من الحضارة العربية ليسهل على ” قادة الرأي ” حشوها بحضارتهم الغربية الغريبة ، اغتصاباً للعقول.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s