الامبريالية الحضارية

jawab

الامبريالية الحضارية

169 – حينما تحولت الدعاية إلى ” قوة سياسية ” في القرن العشرين تملكها بل احتكرها الأقوى ، واستخدمها لتثبيت قوته أو لينمّيها . والقرن العشرون هو قرن بلوغ الاستعمار ذروته الامبريالية وقرن مقاومة الاستعمار في الوقت ذاته ، فاستخدمت القوى الامبريالية السلاح الجديد لاحكام قبضتها على الشعوب وذلك عن طريق إضعاف مقدرتها على التحرر . وهكذا نشأ تعبير ” الامبريالية الحضارية ” الذي استعمله عالم الاجتماع الامريكي فيكتور بالدريج الاستاذ في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الامريكية في كتابه علم الاجتماع : دراسة نقدية في القوة والصراع والتغيير ( 1975 ) . يذهب هذا العالم الأمريكي إلى أن كل حضارة لها قيمها الخاصة وهي تساند هذه القيم حين تهاجم قيم المجتمعات الأخرى . إن هذا الهجوم قد يصل إلى أقصى مداه فيتحول إلى ” امبريالية حضارية ” أي محاولة من مجتمع ما لفرض قيمه على مجتمع آخر كما فرض كل من الأغريق والرومان حضارتهم بقوة السلاح على البلاد الشاسعة التي غزوها ففرضوا عليها حكامهم ودياناتهم ونظمهم الاقتصادية ، وكما فعلت أوروبا ابتداء من القرن الخامس عشر في المستعمرات فحاولت أن تفرض عليها الحضارة الأوروبية ، ولكنها لم تفعل بتلك المحاولة شيئاً أكثر من إشاعة الاضطراب في حضارات تلك المستعمرات. ويقول : ” إن غزو الامبراطوريات الأوروبية للهند وأفريقيا وجنوب شرق آسيا قد كان مستتراً بستر شفّافة من البواعث المعقولة ، ولكنه في حقيقته لم يكن إلا اغتصاباً اقتصادياً وقحاً واسع النطاق . إن كثيراً ممن ينتقدون حرب فيتنام ، مثلاً ، لم يثقوا قط فيما كانت تعلنه فرنسا والولايات المتحدة الامريكية من أن غايتهما إنقاذ الفيتناميين من الخطر الشيوعي . بالعكس . إن كثيراً من الناس يعتقدون أن تلك الغاية كانت انقاذهم من أجل استغلالهم بمعرفة رجال الاعمال . من هذه الزاوية فإن اقحام الديموقراطية الامريكية والقيم الاقتصادية لم يكن إلاّ حالة تقليدية من الامبريالية الحضارية . أن تلك الأمة الخاضعة وأهلها من المدنيين الذين لاحول لهم ولاقوة قد فرضت عليهم قيم حضارية من قبل قوى دولية لها مصالح تقتضي حمايتها هذا التغيير . . . ” .

170 – يعتمد هذا النشاط الاستعماري بشكل أساسي على البيانات التي يجمعها دارسوا الحضارات في فرع من العلوم انشأه المستعمرون وأسموه ” علم الاجناس التطبيقي ” ، وأنشأوا له معاهد متخصصة ، منها ” الجامعة الاستعمارية ” في بروكسل ( بلجيكا ) و ” المدرسة الاستعمارية ” في باريس ( فرنسا ) وجامعة كورنيل في نيويورك ( الولايات المتحدة الامريكية ) التابعة لوزارة الخارجية ، وأدخلوا مادة تدرس في قسم خاص في جامعات اكسفورد وكمبردج ولندن ( انكلترا ) ، وذلك لتخريج وتدريب اخصائيين يوفدون إلى أطراف الأرض يعاونهم من أبناء الأرض المستهدفة نخبة مختارة من الدارسين في مراكز البحوث ، وأساتذة الجامعات تمّ إعدادهم للتعاون ، تحت شعار البحث الاجتماعي أو العلمي بالمنح الدراسية ، والبعثات ، والمؤتمرات ، والندوات والمكافآت المغرية ، والنشر الواسع ، وبكل أجر مغر مادياً أو معنوياً . فينتشرون في ” حملات مشتركة ” في المدن والقرى لجمع البيانات ، واستنطاق البشر ، وتجميع الأجوبة ، ورصد الملاحظات فيما يسمى بالمسح الميداني أو المنهج الاحصائي أو الكشفي . ولما كانت الحضارة كنسق معرفي عقائدي مركب يتضمن المعتقدات والفنون والآداب والشرائع والعادات وأية سمة يكتسبها الانسان من انتمائه إلى مجتمع معين كما يقول تيلر ، فإن أنوف علماء علم الاجناس التطبيقي لاتترك مجالاً من مجالات الحياة الخاصة أو العامة بدون أن تندس فيه ، من أول أنواع المأكولات وأسلوب أكلها ومواعيده إلى المعتقدات الدينية والسياسية . ويذهب كل هذا إلى طالبيه ومموليه حيث يدرس بمناهج علمية غاية في التقدم والتعقيد ، ثم تقدم خلاصته إلى مراكز قيادة النشاط الاستعماري متضمنة أجوبة علمية مدروسة عن السؤال : كيف يتم التعامل مع شعب معيّن على الوجه الذي يضعف مقاومته للامبريالية . ولقد استشرى هذا الأسلوب الكشفي الاستعماري في بلاد العالم الثالث ، ومن مادته تزود أجهزة اغتصاب العقول . . وما على الذين يريدون أن يروه رأي العين إلا أن يلتفتوا إلى كل أولئك الكاترة والباحثين ورفاقهم من الأجانب الذين انتشروا في مدن وقرى وريف الوطن العربي منذ بضع سنين لجمع البيانات والمعلومات واستنطاق أهلنا ، حتى من الفلاحين والفلاحات ، وتوجيه اسئلة شفوية ، أو حتى مكتوبة ، وتجميع الاجابات بحجة إجراء دراسات اجتماعية من غير طلب من الدولة وفي غيبة رقابتها ، ثم ليسألوا : لحساب من كل هذا البحث ، ومن الذي يدفع تكلفته وإلى من يذهب في نهاية الأمر ، ولماذا ؟ .

لقد أفزع الاستغلال الاستعماري لهذا الاسلوب الكشفي حتى بعض العلماء في أوروبا . فأصدرت ” جمعية علم الاجناس التطبيقي ” في انكلترا عام 1951 ميثاق شرف علمي نشرته في كتاب تنبه فيه العلماء والباحثين والدارسين إلى التناقض بين الأمانة العلمية وبين تسخير ما تسفر عنه تلك الأبحاث في الدعاية لخدمة أهداف سياسية عدوانية ضد الشعوب .

وكان أكثر الناس فزعاً ، بطبيعة الحال ، دول العالم الثالث .

171 – يقول فرانسيس بال عميد المعهد الفرنسي للصحافة والأستاذ في جامعة باريس ، في دراسة كتبها للجمعية الفرنسية للقانون الدولي نشرت في مجلتها عام 1978 ، إنه منذ زمن طويل ودول العالم الثالث تشعر بالخطر المسلط على شعوبها من خلال وسائل الدعاية والاعلام التي تملكها وتوجهها القوى الاستعمارية بقصد الحفاظ على الهيمنة الامبريالية . وكان على رأس قائمة المخاطر تشويه حقيقة مجتمعات العالم الثالث وتفكيك مكوناتها الحضارية التاريخية وإعادة بناء ثقافتها وأفكارها وتقاليدها وقيمها لتكون على ما يتفق مع مصالح دول الغرب ، مستغلة عدم التكافؤ بين مقدرتها الاقتصادية والتكنولوجية على غزو عقول شعوب العالم الثالث وبين التخلف الاقتصادي والتكنولوجي الذي يحول بين دول تلك الشعوب وبين الدفاع الدعائي لتحصين عقول الشعوب أو لتحريرها .

والواقع أن فزع العالم الثالث من هذا الخطر الحديث قد عمّ فأصبح إدراكه جماعياً ولقد كان الوطن العربي مركز أول حشد لمقاومة هذا الخطر . ففي الجزائر انعقد المؤتمر الرابع لدول عدم الانحياز في أيلول / سبتمبر 1973 . وكان خطر الغزو الغربي لعقول الشعوب أحد الموضوعات الأساسية التي ناقشها المؤتمر وأوصى في إعلانه الختامي بتعاون الدول غير المنحازة في ميدان النشاط الاعلامي ” لوضع حد لمحاولة إهدار خصاءصهم الحضارية والثقافية ” . وفي تونس انعقد عام 1976 مؤتمر من خبراء الاعلام العرب والأفارقة استجابة لدعوة مؤتمر وزراء خارجية دول عدم الانحياز الذي انعقد عام 1975 . وقد جاء في قرارات المؤتمر أن دول عدم الانحياز تعاني من هيمنة الدول المتقدمة على وسائل الاتصال بالجماهير بحكم احتكارها لأغلب وسائل الاتصال في العالم واستغلالها هذه الهيمنة للتدخل في شؤون الدول الأخرى الداخلية بقصد تحقيق أهداف النزوع الامبريالي والاستعماري الجديدة . وفي تموز / يوليو 1976 انعقد في نيودلهي بالهند مؤتمر وزراء الاعلام في الدول غير المنحازة ، وفيه عبرت السيدة أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند حينئذ ، عمّا تقوم به الدول الاحتكارية من تزييف حقيقة العالم الثالث عن طريق الدعاية والاعلام بالكلام والأقلام والأفلام ثم قالت بمرارة:

” اننا نريد أن نستمع إلى مايقوله الافريقيون عن الأحداث في أفريقيا وأن نقدم التفسير الهندي لما يحدث في الهند”

وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1976 انعقد المؤتمر العام لمنظمة ” يونسكو ” في نيروبي ، وفيه عبر ممثلو دول العالم الثالث عن إدانتهم لهيمنة الدول المتقدمة على مقدرات الدول النامية ومصائر شعوبها عن طريق الاعلام بقصد إحلال الثقافة الغربية محل الثقافة الوطنية . ويشهد فرانسيس بال في كتابه ” الاعلام والمجتمع ” أن قد تألق في حلبة الدفاع عن عقول الجماهير في الدول النامية ، خلال هذا المؤتمر الوزير العربي مصطفى سعودي الذي كان يمثل تونس العربية .

172 – بل ان الفزع قد ارتدّ إلى مصدريه : فنرى رئيس جمهورية فرنسا ، يصدر في 4 تشرين الثاني / نوفمبر 1974 قراراً جمهورياً بتكليف وزير الداخلية بأن : ” يقترح على الحكومة في خلال مدة لاتزيد على ستة أشهر التدابير الكفيلة بضمان ألا يؤدي تقدم وسائل الاعلام في القطاع العام والمشترك والخاص إلى مايمس حرمة الحياة الخاصة ، والحريات الفردية العامة ” . وقد شكّل وزير الداخلية لجنة برئاسة نائب رئيس مجلس الدولة تتبعها مجموعات عمل متخصصة وقدمت تقريرها في 27 حزيران / يونيو 1975 . خلاصة التقرير – فيما يعنينا – أن خطر اغتصاب عقول الجماهير الفرنسية لم يقع بعد ، ولكن مقدماته تنبىء بأنه وشيك الوقوع ، مما يقتضي أن تتخذ الدولة إجراءات وقائية تحول دون وقوعه . واقترحت اللجنة ما شاءت من إجراءات ملأت كتاباً ، نشر مستقلاً عام 1976 .

فمن أية قوة إمبريالية كانت تخشى فرنسا على عقول شعبها ؟ من قوة أكبر من مناعتها القومية . من الولايات المتحدة الأمريكية قائدة الامبريالية العالمية ، وأكثر الدول تقدّماً علمياً ومالياً ومقدرة تكنولوجية على اغتصاب العقول . ثم انها الدولة التي اكتشفت قبل أية دولة أخرى أحدث واخطر وأخفى وسائل الغزو الحضاري .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s