الامـبراطـوريـة

makhtout

الامـبراطـوريـة
62 -نحتاج إلى أكبر قدر من بساطة التعبير عن موضوع معقد لنعرف كيف أن دولة الخلافة كانت امبراطورية فنعرف أنها لم تكن إسلامية ثم نعرف ونتأكد من أنها غير ممكنة القيام في هذا العصر . حينئذ نكون قد طهَرنا عقول بعضنا من فكرة ماتزال تعيش فيه ، تعبر عن وجودها من حين إلى حين ، تحت شعار الوحدة الاسلامية  مما يسهل علينا المتابعة أن نتابع تطور ” الدولة ” في علاقتها بتطور المجتمعات . وأن نركز انتباهنا على عنصر ” الأرض ” بالذات وتطور علاقة الدولة به . ثم أن نتذكر أن كل ذلك التاريخ الذي أمتد مئات القرون كان يجري في ظل قاعدة شرعية مستقرة . شرعية لدى كل المجتمعات ، مستقرة فيما بينها جميعاً كقاعدة لعلاقة الدولة بالأرض . تلك القاعدة هي ما يعرف باسم ” حق الفتح ” . وهو حق لم يتفق المجتمع البشري على إنهاء شرعيته إلا عام 1919 حين وضع عهد عصبة الأمم على أثر الحرب الأوروبية الأولى . أما قبل ذلك ، وعلى مدى التاريخ فقد كان الاستيلاء بالقوة على أية أرض يكسب الفاتحين حق ملكيتها وضمها إلى ممتلكاتهم .
وهو حق يعرفه الغالب ، ويعترف به المغلوب ، ويقره الذين لم يكونوا طرفاً غالباً أو مغلوباً
63 – في ظل هذا الحق بدأ تاريخ المجتمعات أسراً وعشائر وقبائل متقاتلة على الاستيلاء على مواقع المراعي والصيد ومواطن الأرض الخصبة في أودية الأنهار ، حيث موارد المياه دائمة لاتنضب ، وحيث ثمار الأرض موثوقة النمو لاتغيب ، بدأ استقرار الجماعات القبلية التي أدركتها أولاً . استقرت شعوباً ، وبدأت في تكوين حضارتها فتكونت مجموعات متناثرة من ” الممالك ” في كل مكان صلح للزراعة بفعل ماء نهر أو ماء مطر .
نموذجها مصر ومابين النهرين . في الأولى قامت الحضارة الفرعونية وفي الثانية قامت الحضارة البابلية . غير أن استقرار بعض الشعوب على الأرض الخصبة لم يكن يعني – عند المجتمعات القبلية التي لم تستقر بعد- أنها قد تحصنت دون ” الفتح ” بمن استقر عليها . بالعكس . كانت تلك بداية حروب أوسع نطاقاً وأكثر شراسة من الحروب القبلية . كان عصر غزو القبائل للممالك وعصر مطاردتها أيضاً . حتى انك لترى اينما وجهت البصر قبيلة مقاتلة تعتدي على حدود قبيلة أخرى اقل منها استعداداً للقتال ثم تستقر في أرضها مؤسسة ” دولة ” الى أن تزيحها قبيلة أخرى كما قال أحد المؤرخين . هكذا يحدثنا التاريخ عن تعرض مصر ومابين النهرين لغزوات القبائل الأكادية ( 2000 ق.م ) والهكسوس ( 1750 ق.م ) والحامورية ( 1200 ق.م ) والآشورية ( 800 ق.م ) والميدية ( 700 ق.م ) .. الخ . كما يحدثنا عن قبائل الهون التي اجتاحت ” العالم ” تقريباً ( 355 م ) ودفعت أمامها مجموعة من القبائل التي كانت تتجول في أوروبا : التورنجية ، والبرغندية ،
والانكليزية ، والسكسونية ، والقوط ، والوندال ، والألمان .. الخ . فتقع تلك القبائل على جسم الامبراطورية الرومانية وتمزقها تمزيقاً … بينما يكون فرع آخر من قبائل الهون قد مزَق جسد الصين وفارس .
في المقابل يحدثنا التاريخ عن القادة ” العظام ” من مصر وما بين النهرين والصين والهند وروما ووادي الدانوب ، فنلاحظ أن ” عظمتهم ” قد قامت على أساس واحد هو انتصاراتهم الساحقة ” خارج حدودهم ” ، أي وهم يطاردون القبائل المغيرة الى مراكز تجمعاتها ، ويضمون تلك المراكز الى الأرض التي انطلقوا منها .
64 – لم تكن الأرض ، أية أرض ، تخص إلا من استولى عليها . وهي لاتخصه إلا إلى المدى الذي يستطيع أن يدافع عنها . فاندثر من الممالك وتكونت ” دول ” بالغة الاتساع هي ” الامبراطوريات ” . منها الامبراطورية الهيلينية التي بدأت بغزو الاسكندر الأكبر آسيا الصغرى ( 334 ق.م ) ثم غرب آسيا وفارس والهند ومصر . وحين مات عام 323 ق. م . سئل لمن يترك ملكه فردد شعار العصر كله : ” لمن هو أعظمكم قوة ” .ومنها الامبراطورية الرومانية التي كانت مؤلفة من نحو مائة شعب منذ أن تحولت من مملكة الى امبراطورية على يد أغسطس ( 27 – 14 ق .م ) وشملت كل أوروبا تقريباً وغرب آسيا وشمال أفريقيا، واستمرت 500 سنة . ثم مزقتها القبائل لتعود تحت حكم البابوات فعلياً والأباطرة اسمياً منذ شارلمان ( 805 م ) حتى قضى عليها نابليون عام 1806 ليكون قائداً لامبراطورية جديدة . ومنها  الامبراطورية الفارسية التي شملت كل الأرض من أول اليونان حتى الهند وبقيت إلى أن ظهر الاسلام . ومنها امبراطورية الصين تحت حكم أسرة الهان التي استمرت 400 سنة ( 202 ق.م  – 221 م ) ثم مزقتها القبائل الغازية لتعود امبراطورية مرة أخرى تحت حكم اسرة التانج وتبقى 300 سنة ( 618 – 609 ) . ثم مزقتها جحافل المغول ليقيم فيها أحد قادتهم ، قوبلاي خان ، امبراطورية جديدة . ولقد بقيت الامبراطورية الصينية تحت أسرة مانشو تأخذ الجزية من منغوليا ومنشوريا وتركستان وبورما ونيبال وكوريا حتى أواخر القرن الثامن عشر . وآخرها الامبراطورية العثمانية . بدأت عام 1324 وأنتهت عام 1919 .
باختصار ، عندما تكون الأرض متاحة لمن يستطيع أن يستولي عليها يترتب على ذلك عدة نتائج محتومة هي ذاتها الخصائص المحتومة للدولة المسماة ” الامبراطورية ” . فأولاً لاتكون لها حدود ثابتة بل تتبع حدودها أقدام جيوشها فتقف حيث تقف وتمتد حيث تتقدم وتمتد حيث تتقدم وتنحسر حيث تتقهقر ، إذ هي دولة ” مكرهة ” على القتال ضد ماتتعرض له الحدود من هجمات وغزوات غير منقطعة . وفي كل مرة توقفت فيه امبراطورية عن القتال أواسترخت وضعفت ، فتك بها وتمزقت أو فقدت بعض أرضها وانكمشت . فكان محتوماً على الدولة ” الامبراطورية ” أن تكون مقاتلة غزواً أو دفاعاً . وثانياً ، إن هذا الغزو والدفاع لم يكن يسمح لدولة الامبراطورية أن تختار شعبها بل كان عليها ، إن غزت ، إما أن تبيد الشعوب أو تضمها ، وإن انهزمت أن تفقد شعوباً ضمتها من قبل . وثالثاً ، كان محتوماً عليها بفعل أنها مقاتلة دائماً على حدود متسعة وأعداء مختلفين أن تكون تحت قيادة مركزية واحدة تعبَيء الجيوش وتسيَرها الى حيث المخاطر التي تهدد الحدود ، أو إلى حيث الحدود المفتوحة لغزو جديد . وكان اختيار القيادة يتم على أساس الكفاءة الشخصية أو يفوض ميراثاً ، ولكن لابد من استشارة القادة فيه . ورابعاً ، كانت مهمة القيادة المركزية ( الامبراطور ) اساساً هي إدارة اعباء النشاط القتالي على الحدود غزواً أو دفاعاً ، أو قيادته بالفعل ، فأوكلت إلى ممثلين لها أمر إدارة الأقاليم أو الولايات أو الامارات مكتفية بإلزامهم بأن يجمعوا الأموال اللازمة للادارة المركزية وتعبئة الجيوش للقتال . فكانت كل إمارة أو ولاية أو إقليم مستقلاً استقلالاً ذاتياً ، مما أدى في كثير من الحالات ، إلى تمرد الحكام الاقليميين على القيادة المركزية فأضاف إلى أعباء الحروب الخارجية أعباء الحروب الداخلية .
هكذا كانت الامبراطوريات نموذج ” الدولة ” في العصر الذي سبق دولة الخلافة وعاصرها . ولم يكن في استطاعة المسلمين أن يقيموا في الجزيرة العربية ” مملكة ” بل كان لابد لهم من أن يقاتلوا عند الحدود الشمالية للجزيرة حتى لاتذهب الجزيرة ضحية الامبراطورية الفارسية أو الامبراطورية الرومانية كما ذهبت ممالك جنوب الجزيرة العربية . ولم يكن في استطاعة دولة الخلافة أن تتوقف عن الفتح عند حدود الجزيرة العربية ، ولقد حاول عمر أن يحول دون فتح مايلي العراق شرقاً بعد فتح المدائن ، ولكن هذا لم يكن متوقفاً على الطرف العربي الاسلامي وحده .
ولم يكن من ” قوانين ” وجود الامبراطوريات ومنها الفارسية والرومانية ، الكف عن القتال قبل أن تصفَى “القوة الجديدة النامية ” ، فلم يكف العرب المسلمون عن الفتح طالما كانوا قادرين . وحين عجزت الامبراطورية العثمانية توقفت ثم بدأ الدفاع ثم الاقتطاع ، إلى أن قسم مابقي فيها من شرائح شرائح على مائدة المنتصرين في الحرب الاوروبية الأولى عام 1919 . اقتسموه ثم اتفقوا في عهد عصبة الأمم على إنهاء مشروعية ” الفتح ” .
65 – لم تكن دولة الخلافة بكل خصائصها ، إذن ، اختياراً اسلامياً . نريد أن نقول إنها ليست نظاماً للدولة مقصوراً على المسلمين ، وليس الاسلام مصدر نظامها . ولكنها نموذج ” دولة ” ساد الأرض جميعاً عشرات القرون قبل ظهور الاسلام ومئات السنين بعد ظهوره فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون على نموذج الدولة في عصرها أو ألاَ تكون . وقد كانت .
66 – هذا النموذج انقضى عصره ولم يعد قابلاً للتكرار . ذلك لأن الحروب القبلية ، والقبلية الشعوبية ، التي اسفرت عن ” الامبراطوريات ” استمرت في شكل حروب ” امبراطورية ” قروناً طويلة . وفي قلب كل امبراطورية تجاوز عمرها تلك الحروب فلم تتمزق ، بقيت مساحة كبيرة أو صغيرة من الأرض بعيدة عن تخريب الحروب التي كانت تدور على الحدود ، فتوفرت للشعب أو الشعوب التي تقيم فيها مرحلة تاريخية طويلة نسبياً من الاستقرار دخلت به ، وفي حماية الدولة الامبراطورية ، مرحلة تكوينها القومي ، أو أتمته ، فأصبحت أمة بما تعنيه الأمة من اختصاص شعب معين بأرض معينة . ومن ناحية أخرى فإن المطاردة القبلية والامبراطورية دفعت مجموعات من القبائل الى حيث قاتلوا عن مواقعهم وظهورهم إلى البحر ، فكان لابد لهم من الانتصار ، فالاستقرار ، فبدأوا في تكوينهم القومي واصبحوا فيما بعد أمماً . هكذا تكونت الأمة العربية والأمة التركية في قلب دولة الخلافة . وتكونت الأمة الايرانية في قلب الامبراطورية الفارسية ، وتكونت الأمة الايطالية في قلب الامبراطورية الرومانية . وتكونت أمم أوروبا جميعاً من تجمعات قبلية استقرت على الأرض بعد غزوها .
بدأت الأمة الانكليزية في التكوين بعد أن غزتها قبائل السكسون القادمون من اقليم نهر الالب ، وقبائل الانكليز القادمون من سلزوج ، وقبائل القوط القادمون من جتلنده ، وهناك استمرت الحروب القبلية أكثر من قرن إلى أن انتصر الغزاة على البريطانيين ( السكان الأصليين ) عام 577 ، واسموا الأرض ” انجلند ” .
وبدأت الأمة الفرنسية في التكوين بعد أن غزاها ” الفرنجة ” أو الفرانك بقيادة كلوفيس عام 480 م فهزم القوط الغربيين والبرغندين ووحدهما في مملكة واحدة استقرت وأخذت اسمها من ” الفرنك ” فكانت فرنسا . وكان اولئك القوط الغربيون قد فتحوا اسبانيا بقيادة ثيودريك الثاني فاستقر الأمر فيها وبدأ الشعب الاسباني مرحلة تكوينه القومي ..
وهكذا مازالت القبائل تستقر لتصبح شعوباً مستقرة أو أمما متكونة قادرة على أن تدفع عنها غارات ما تبقى من قبائل هزيلة جائلة . فلما أصبح لكل شعب أو أمة أرض ، كان لابد لحق ” الفتح ” أن يخلي مكانه لحق ” تقرير المصير ” . ومؤداه أن من حق كل شعب أو أمة أن يستقل عن غيره من الشعوب والأمم الأخرى ” بالارض ” التي يقيم عليها .. فنكون قد وصلنا الى القرن العشرين .
ونعجب أنه مايزال في القرن العشرين من يجدون فراغاً من الهموم ليحلموا بعودة دولة الخلافة ، ويزعمون أنها نموذج الدولة الاسلامية . وهو حلم غير قابل للتحقق في هذا العصر لأنه ليس عصر الامبراطوريات وحق الفتح بل عصر ” الدول ” ثابتة الحدود ، وحق تقرير المصير .فلا يكون على من يريد أن يعيد دولة الخلافة أن يفعل اقل من غزو الكرة الأرضية كلها ، وتلك عودة إلى نموذج الدولة الموهومة التي تكلمنا عنها من قبل . من يريد فليحاول ، فهذا شأنه . ولكن لما كان الاسلام من شأننا جميعاً فنرجو أن يعفي ” مشروعه الامبراطوري ” من نسبته إلى الاسلام حتى لاينسب فشله إلى الاسلام على الأقل .
67 – ولقد فشلت من قبل دولة الخلافة فانقضت ، أفلا يعقلون ؟ لم تفشل لأن الخلفاء من بني عثمان كانوا أقل معرفة بالدين الاسلامي كما يزعم البعض ، فإن أحداً منهم لم يكن ” مفتياً ” تفسد أحوال الرعية إن أخطأ في الاجتهاد وفسدت فتواه . ومن قبلهم تولَى الخلافة من جهروا بالمنكر من الكفر مثل الأموي وليد الثاني ( 743 – 744 م ) ، ولم تسقط دولة الخلافة أو تنقض . وما نحسبهم أقل معرفة بالدين من البرامكة أو السلاجقة أو المماليك الذين ازدهرت في أيام توليهم السلطة الفعلية دولة الخلافة وأينعت . ولانحسبهم أقل حرصاً على الدين وأحكامه من الفاطميين الذين شوهوا مناسكه بكل البدع المزوَقة التي نعرفها . على أي حال لم تنجب أسرة العثمانيين مثل الحاكم بأمر الله الفاطمي بل إن العثمانيين هم الذين اخترعوا منصب ” المفتي ” ليحصنوا احكام الدين ضد مخاطر الاجتهاد في شعب لايعرف لغة القرآن . وأول من صاغ احكام الشريعة ( المذهب الحنفي ) في مواد مرقمة كما يفعلون في التشريع الحديث واصدروه فيما يعرف ” بالمجلة ” حتى لايترك الأمر لمطلق اجتهاد القضاة والمفتين . وفي عهدهم وليس في عهد غيرهم ، عزل خلفاء ، من بينهم عبد الحميد الثاني استناداً – ولو شكلياً – إلى فتوى بعدم صلاحيتهم لتولي الأمر . وأبطل العلماء قرارين باضطهاد المسيحيين لمخالفتهما لأحكام الدين الاسلامي ، فلم ينفذا . القرار الأول أصدره السلطان سليم الأول عام 1517 والقرار الثاني أصدره ابراهيم الأول عام 1645 . ولم تفشل دولة الخلافة لأن الخلفاء من بني عثمان كانوا فاسقين ، فإن قائمة أسماء الفاسقين ممن تولوا الخلافة أطول بكثير من قائمة أسماء كل الخلفاء العثمانيين . ليس هذا دفاعاً عن الخلفاء من بني عثمان ، فإنَا نعرف من أمرهم مايعرفون ، وإنما هو رفع لخطأ شائع يردَ انهيار الدولة الى سبب وحيد يتعلق بأشخاص حكامها . والحق أنه طالما كانت دولة الخلافة في عنفوان شبابها كانت قادرة على الحياة بالرغم ممن تولى الخلافة فيها من الجهلة والفاسقين والأطفال أو الشيوخ العاجزين . فلما هزمت ووهنت قوَتها ، آن لها أن تموت بالرغم من كل تمنيات المسلمين .
68 – كذلك لم تفشل دولة الخلافة العثمانية لأن دعاة القومية العربية ، أو العرب عامة ، قد تآمروا ضّدها وخربوها كيداً للوحدة الاسلامية واستكمالاً لدور الصليبيين . ذلك لأن دولة الخلافة قد دبت على طريق نهايتها وأوغلت فيه قبل أن يعرف عربي واحد كلمة القومية ، وقبل أن يحلم عربي واحد بالوحدة العربية ؛ قبل هذا بعشرات السنين . لقد بدأت أسباب أسباب انفراطها منذ أن بدأت تفرط في ولايتها على رعاياها وأرضها . كان ذلك يوم أخذت تبيع ” الامتيازات ” للدول الأخرى ، ثم تكره على بيعها ، ثم تغتصب منها اغتصاباً . لم يكن أحد قد عرف كلمة القومية أو حلم بالوحدة العربية حين باعت دولة الخلافة الامتيازات لفرنسا ( 1535 ) ثم لانكلترا ( 1579 ) ثم لهولندا ( 1598 ) ثم لروسيا ( 1700 ) ثم للسويد ( 1737 ) ثم لنابولي (1740) ثم للدانمرك ( 1756 ) ثم لبروسيا ( 1797 ) ثم لاسبانيا ( 1782) ثم للولايات المتحدة ( 1830 ) ثم لبلجيكا (1838 ) ثم للبرتغال ( 1848 ) ثم لليونان (1854 ) . والامتيازات تعني أن كلاً من تلك الدول كانت ذات سلطات مباشرة على رعاياها ، مستقلة عن سلطة دولة الخلافة في قلب دولة الخلافة وعلى أرضها . إنها تلك الامتيازات التي بدأت بذوراً ، ثم نبتت نفوذاً ثم أثمرت استعماراً . فقد كانت الجيوش الروسية تكتسح جند الخلافة متجهة إلى العاصمة الآستانة ( القسطنطينية ) عام 1768 فتخلت دولة الخلافة عن قبرص ورودس وكريت لتعزز قواتها على الحدود الشمالية . وقي عام 1829 هزمت جيوش دولة الخلافة في أدرنة ففقدت اليونان وأجزاء من القوقاز ، وسلطتها على بلاد البلقان .
لم تستطع دولة الخلافة أن تصنع شيئاً وهي ترى الاقطار العربية تسلب واحداً بعد الآخر .احتلت فرنسا الجزائر  (1830 ) وتونس ( 1881 ) ، واحتلت انكلترا جنوب الجزيرة العربية ( 1838 ) ، والاحساء  (1871 ) ، ومصر ( 1882 ) ، ومسقط ( 1892 ) والكويت ( 1899 ) ، واحتلت ايطاليا ليبيا ( 1912 ) أما ماتبقى من الأقطار العربية ولايات من دولة الخلافة ، فقد اقتسمه المستعمرون بعد انتصارهم على دولة الخلافة وحلفائها عام 1918 . القطر العربي الوحيد الذي استطاع أن يقاوم الاستعمار الاوروبي على مدى القرن التاسع عشر كله وحتى عام 1908 هو مراكش ، وذلك لأن مراكش هي القطر العربي الوحيد الذي لم يكن جزءاً من الدولة العثمانية . فأية وحدة اسلامية تلك التي يحلمون بالعودة إليها ؟
69 – أما متى تحررت تلك الأقطار العربية ؟ فلنتذكر ، ( إنَ الذكرى تنفع المؤمنين ) . تحررت بعد أن اندثرت دولة الخلافة وبدون دولة خلافة أو دولة وحدة إسلامية من أي نوع كانت . ولكنها ماتحررت إذ تحررت إلا في نطاق حركة التحرر العربي التي بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين . وما تحرر قطر منها إلا بمساندة ومساهمة القوى القومية العربية وجماهير الأمة العربية من الخليج إلى المحيط . فأية قومية تلك التي يناهضونها باسم الوحدة الاسلامية ؟
70 – أما لماذا بدأت الحركة القومية العربية في المشرق أولاً فلأنها لم تصطنع اصطناعاً . بدأت حيث توفر مبررها التاريخي ، فكان محتوماً أن تبدأ حيث توفر . ولو أنها بدأت في غير المشرق العربي لكانت جديرة بأن تتهم بالاصطناع الذي يعني انعدام المبرر . ذلك لأنه في مطلع القرن العشرين كانت كل أقطار الوطن العربي تحت سيطرة الاحتلال الأوروبي ماعدا أقطار المشرق فقد كانت ماتزال اجزاء من دولة الخلافة . ولم تلبث الحركة القومية التركية ( الطورانية ) ممثلة في قيادتها جمعية ” الاتحاد والترقي ” أن ألغت ( فعلياً ) دولة الخلافة من حيث هي دولة مشتركة بين أمتين ، العربية والتركية . وحوَلوها إلى دولة تركية تحكم العرب وتحاول سلبهم خصائص القومية ” بتتريكهم ” . ولقد كان الشوفينيون الاتراك مسلمين ، ولم تكن غايتهم من قهر العرب إعادتهم إلى الاسلام بعد أن ارتدَوا . بل كانت غايتهم السيطرة على ” أمة الاسلام ” التي علمتهم كيف يكونون أمة ، وكيف يكونون مسلمين . وحيث بدأ الهجوم بدأت المقاومة . وبدأ الدفاع عن القومية العربية حيث بدأ الهجوم على القومية العربية . كان المهاجمون تركاً فكان المقاومون عرباً . أما في المغرب العربي ومصر وحيث السيطرة الأوروبية فلم يحتج العرب إلى أن يميزوا أنفسهم عن أعدائهم بالعروبة أو بالانتماء القومي إلى الأمة العربية . ولو أنهم فعلوا لكان ذاك اصطناعاً حقاً . فقيل أنهم عرب ، وقيل أنهم مسلمون ، بدون تفرقة ، جرياً على ماكان يطلقه عليهم المستعمرون بدون تفريق .
ومع ذلك فإن الحركة العربية القومية التي بدأت في المشرق لم تلبث  أن امتدت إلى كل مكان متاح . فنرى من فصائلها المنظمة ” المنتدى العربي ” ( 1909 ) ، و ” الجمعية القحطانية ” ( 1903 ) و ” جمعية العهد” (1914) ، تنشأ في قلب العاصمة الآستانة . ونرى ” رابطة الوطن العربي ” ( 1904 ) ، و ” العربية الفتاة ” (1912 ) تنشآن في باريس وتنشطان في كل مكان . ونرى في العراق ” الجمعية الاصلاحية ” ( 1913 ) ، وفي القاهرة ” حزب اللامركزية ” ( 1912 ) ، … الخ .
هل كان القادة مسلمين أو غير مسلمين ؟ هذا سؤال لاننزلق إلى وحل الاجابة عليه . نحن نعرفهم جميعاً عرباً دافعوا عن  أمتهم واستشهد كثير منهم في سبيل الدفاع عنها . ونعرف منهم دفعة واحدة من الذين استشهدوا على أعواد المشانق السفاح التركي أحمد جمال ” باشا ” : عبد الحميد الزهراوي ، وعبد الكريم خليل ، ومحمد المحمصاني ، وسالم الجزائري ، وعبد القادر خرسا ، ونور الدين القاضي ، وسعيد عقل ، وجورجي حداد ، وعمر حمد ، وعبد الغني العريس ، وعارف الشهابي ، وأحمد طبارة ، ومحمد الشنطي ، وتوفيق البساط ، وأمين لطفي ، وشفيق المؤيد ، وعبد الوهاب الانكليزي ، ورفيق رزق سلوم .
فمن ذا الذي يجرؤ على أن يخوض في دماء شهداء الأمة العربية ليبحث عن الدين الذي كانوا اليه ينتمون ؟ .
71 – ثم ان كل فصائل الحركة العربية قد اجتمعوا في باريس ( 1913 ) يحاولون الدفاع عن الدولة المشتركة ، دولة الخلافة ، أو دولة الوحدة الاسلامية التي يحملون القومية العربية مسؤولية وفاتها ، كان الشوفينيون الأتراك قد أنهوها فعلاً ، متحالفين في ذلك مع سادتهم من المستعمرين فاجتمعت فصائل الحركة العربية في مؤتمر باريس تحاول الابقاء عليها . فنرى المؤتمر ينتهي إلى المطالبة بإصلاح الدولة وتحرير إدارتها من التسلط التركي والمساواة بين رعاياها من العرب والاتراك ولم يطالبوا باستقلال العرب عن الدولة المشتركة أو التي كانوا يريدون لها أن تبقى مشتركة لتكون أكثر مقدرة على مقاومة المد الاستعماري كما كانوا يعتقدون . فلما أن قامر الاتراك بمصير الاقطار العربية في رهان الحرب الأوروبية الأولى واختاروا جانب المهزومين راهن العرب على ثقتهم بالمنتصرين . ومع ذلك فقد بقيت تركيا مستقلة وسقطت بقية الأقطار العربية في قبضة المستعمرين . حينئذ بدأت حركة التحرر العربي تعبيء قواها القومية في سبيل التحرر والوحدة . فما الذي جنته الأفكار القومية والدعوة إلى الوحدة العربية على تلك الدولة التي كانت قد أنقضت قبل أن تبدأ الحركة القومية العربية بسنين ؟
72 – لا ، لم تفشل دولة الخلافة لأي سبب من تلك ” الأعراض ” التي كانت تنبيء بأن في دولة الخلافة ذاتها داءها الدفين : الشيخوخة . ولقد طالت فترة شيخوختها حتى تجاوزت عصرها . عصر الدولة ” الامبراطورية” طالت أكثر من أية امبراطورية عرفها التاريخ ، فما بين تولي أبي بكر ( عام 632 ) وسقوط عبد المجيد الثاني ( عام 1924 ) انقضت 1292 سنة . كانت خصائص الدولة ” الامبراطورية ” التي عرفناها قد أصبحت غير صالحة للحياة في عصر الدول القومية الناشئة . والقوى الرأسمالية النامية . والقوى الاستعمارية الضارية . ولقد حاول نابليون أن ينشيء دولة ” امبراطورية ” طبقاً لذلك النموذج الموشك على الانقراض فلم تكد تعيش امبراطوريته ربع قرن . هزمتها القوى القومية الناشئة في اسبانيا وألمانيا وروسيا ، وخذلتها القوى اللرأسمالية النامية في فرنسا ذاتها ، وسحقتها القوى الاستعمارية الضارية بقيادة بريطانيا . ولقد كانت دولة الخلافة هي آخر نموذج للدولة الامبراطورية . كانت قد نشأت حولها دول قومية ذات نظام رأسمالي سيطرت على أركان الأرض جميعاً . اسبانيا . والبرتغال . وهولندا . وانكلترا . وفرنسا . وألمانيا . وروسيا . وايطاليا فأغراها اتساع المستعمرات بأن تستعير اسم الدولة المنقرضة فأسمت نفسها امبراطوريات . ولكن وحدة الاسم لاتخفي اختلاف المسميات . كانت الدولة الامبراطورية المنقرضة دولة مشتركة بين كل الشعوب فيها . أما الامبراطورية الحديثة فدولة مستغلة لكل من تسيطر عليه من شعوب .
على أي حال انقرضت دولة الخلافة لأنها فشلت في أن تعيش في غير عصرها ، فهل ثمة من يحلم بالعودة إلى دولة فاشلة ؟

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s