الانتماء المتعـدد

makhtout

الانتماء المتعـدد
 
فهل يكون ذلك لأن كلاً من الاسلام والعروبة علاقة انتماء الى مضمون واحد أو مضامين متشابهة ، مما قد يؤدي الى الخلط بينهما فيلزم تحديد العلاقة بينهما منعا للخلط ؟ … أبداً أيضاً . إن الاسلام علاقة انتماء إلى دين ( عقيدة ) . هكذا جاء رسالة ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله )   {الصف : 9 } . وهكذا ارتضاه الله لنا حين اكتمل . ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) { المائدة :3 } . ثم وصانا بالابقاء على علاقة الانتماء الى الدين هذه والمحافظة عليها   (شرع لكم من الدين ماوَصى به نوحاولذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أن أقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه ) { الشورى : 13 } . أما العروبة فعلاقة انتماء إلى أمة بشطري تكوينها : الشعب والأرض ، وما أثمرشطراها على مدى التاريخ من حضارة : إنها انتماء إلى وضع تاريخي بينما الدين وضع إلهي .
وقد تلتقي القبائل والشعوب والامم في علاقة انتماء إلى دين واحد . ألم تر كيف تحدث القرآن عن الرسل والانبياء واقوامهم ثم وحد بينهم في الدين فكانوا مسلمين . ( ماكان ابراهيم يهودياً ولانصرانياً ولكن كان حنيفا ً مسلماً  ) { آل عمران : 67 } . ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب : يابنيَ إ ن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) { البقرة : 132 } . ( قولوا آمنَا بالله وماأنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) { البقرة : 136 } . ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله  آمنا به واشهد بأنا مسلمون ) { آل عمران : 52 } . إذ ( إن الدين عند الله الاسلام ) { آل عمران : 19 } مع انه ، سبحانه ، قد شاء أن تتعدد الأمم . ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين ) { هود : 118 } . ثم ألم تر أن الله يقول عن كتاب المسلمين ( أأعجمي وعربي ؟ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) { فصلت : 44 } . وحدة الكتاب هنا لم تلغ تمايز الناس عجما ً وعرباً وإن التقوا عليه هدى وشفاء . وقال الله تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) { الحجرات : 13 } . فأقر التمايز بين المجتمعات من حيث طور التكوين الاجتماعي .إذ القبيلة هي الوحدة الاجتماعية التي تلتقي ، فتتميز على وحدة النسب العرقي ، حقاً أو وهماً ، ولاتنتسب إلى أرض تخصها من دون الناس ولو كانت مقيمة عليها أما الشعب فجماعة أكثر تطوراً باستقرارها على أرض تخصها من دون الناس تنتسب اليها وتتوه فيها الانساب العرقية فلا يعتد بها في التمييز . كذلك قيل ان القبائل هم الحجازيون ، أما الشعوب فحيث يتميز الناس بنسبتهم إلى الأرض فيما يلي الحجاز جنوباً من سبأ وحضرموت وما يليهم شمالاً من الروم ، وشرقاً من الفرس . المهم أن القرآن قد أشار إلى التمايز بين القبائل والشعوب والأمم ولكنه لم يجعل لهذا التمايز أثراً نافياً لوحدة العقيدة .
وقد يتعدد الانتماء الديني( العقائدي ) في الأمة الواحدةبدون أن يمس التعدد وحدة الأمة . وفي القرآن عشرات الآيات التي تنظم العلاقة الاجتماعية بين المنتمين الى أديان متعددة في الأمة الواحدة وتوصي برعايتها .
( قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولانشرك به شيئا ولايتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) { آل عمران : 64 } . فلنتأمل . ان الاسلام لايدعوا اهل الكتاب في المجتمع الواحد الى التخلي عن دينهم والانتماء اليه . لايدعوهم اليه بل يدعوهم معه . ليعيشوا معاً على كلمة ” سواء ” .. ليست كلمة المسلمين وليست كلمة أهل الكتاب ، بل كلمة سواء بينهم جميعاً على ماهو مشترك في الاديان السماوية ( ألا نعبد إلا الله ولانشرك به شيئاً ) . أما فيما بينهم فلا سيطرة ولاهيمنة ولا استعلاء ولا قهر . لا من جانب المسلمين ولا من جانب أهل الكتاب . ( ولايتخذ بعضنا بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) . وأهل الكتاب ، كما هو معروف ، هم النصارى واليهود . إنهم ليسوا مسلمين ، ولكن هذا لايعني انهم ليسوا مواطنين صالحين بل ( من اهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واولئك من الصالحين ) { آل عمران : 113 ، 114 } . إنهم يحققون بعملهم خلاصة ماجاء للاسلام يأمر به المسلمين ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، واولئك هم المفلحون ) { آل عمران : 104 } .
والقرآن يتحدث عن المسلمين وأهل الكتاب الذين ينتمون إلى أمة واحدة أو شعب واحد . من أجل هذا نظم علاقات التعايش فيما بينهم اجتماعيا مع أنهم مختلفون دينا . إنهم ينتجون معا ويستهلكون معا ويتزاورون ويستضيف بعضهم بعضا ، فقال : ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ) { المائدة : 5 } . وقد تنشأ فيما بينهم أوشاج المودة فيود المسلم لو تزوج من كتابية تكون سترا له ، ويأتمنها على نفسه وماله وتربية أولاده ، فأحل الزواج بها ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) . وأمر بحفظ أعراضهن الى حد ان قرن بين الزنا بالكتابية وتعبير الكفر حتى لو كانت راضية فأتم الآية بقوله ( محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ، ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) { المائدة : 5 } . وفي هذه الحياة الاجتماعية المشتركة ، مع اختلاف الدين ، لايستبعد أن يتحاور المسلمون وأهل الكتاب حول أيهم أصح انتماء الى عقيدته وأية عقيدة هي الحق ، فحرص القرآن على ألا يسمح المسلم لهذا الحوار بأن يصلإلى حد المساس بوحدة انتمائهم إلى مجتمع واحد . قال فأمر
( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) { العنكبوت : 46 } . فإن أوفى المسلم بما أمر وأحال بعض أهل الكتاب الحوار إلى خصومة أو عداوة فإن القرآن يوصي المسلمين بألا يحيلوا العداوة إلى شقاق وتمزق ، مقَراً بأن العداوة بين الناس في المجتمع الواحد لاتقطع علاقة الانتماء المشتركة إلى هذا المجتمع . بل إن القرآن يذهب إلى حد تنبيه المسلمين إلى أن قد تنتهي العداوة إلى مودة كما نبههم في آية أخرى إلى أن قد يكون القتال الذي يكرهونه خير كثير . كذلك العداوة . قال : ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ، والله قدير والله غفور رحيم ) { الممتحنة : 7 } .
لم يأذن الله للمسلمين بقتال غير المسلمين ممن ينتمون معهم إلى مجتمع واحد إلا في حالتين : الأولى ، محاولة غير المسلمين إكراه المسلمين بالقتال على الردة عن دينهم ، والثانية ، قيام غير المسلمين بإخراج المسلمين من ديارهم . قال تعالى : ( لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ، إن الله يحب القسطين . إنَما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولَوهم ، ومن يتولَهم فأولئك هم الظالمون ) { الممتحنة : 8 ،9 } .
فما البرَ الذي أحب الله من المسلمين أن يبرَوا به ابناء امتهم من غير المسلمين ؟ … إنه من ( آتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) { البقرة : 177 }. وما القسط الذي أحب الله من المسلمين أن يقسطوه إلى أبناء أمتهم من غير المسلمين ؟ إنه العدل : ( فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لايظلمون ) { يونس : 47 } . ولا يقوم العدل إلا على أساس المساواة بين الناس .
إذن فهذه حياة اجتماعية كاملة ينظم الاسلام علاقات الناس فيها على أساس من انتمائهم إلى مجتمع واحد بما يحفظ للمجتمع أمته ووحدته ، ويساوي بين المنتمين إليه بدون مساس بتعدد علاقات الانتماء الديني بين أفراده.
3 -ثم أن الاسلام علاقة انتماء تنشأ بالتمييز ، فالادراك ، فللايمان . تقف فيه مهمة الرسول عند ابلاغ الرسالة : ( ماعلى ارسول إلا البلاغ ) { المائدة : 99 } . . ( وماعلى الرسول إلا البلاغ المبين ) {العنكبوت:18 } . وما ينبغي لرسول أن يذهب إلى أبعد من هذا . ( ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) { النساء : 80 } . ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا ) { الشورى : 48 } . ( فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمسيطر ) { الغاشية : 21 ، 22} . ( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) { النحل : 125 } . وفي كل الحالات حرم الاسلام إكراه غير المسلمين على الانتماء إليه إكراهاً مادياً أو معنوياً وناط الايمان بحرية الاختيار . ( لاإكراه في الدين قد تبين ارشد من الغي ) { البقرة : 256 } . ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) { يونس : 99 } .
كان هذا ، ولم يزل ، سبيل الاسلام إلى الايمان الذي يفترض سلامة العقل ورشده ، وأمثلته كثيرة في القرآن : ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج . والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) { ق : 6، 7 } . ( قل أرأيتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ؟ قل أرأيتم ان حعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ) { القصص : 71، 72 } ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وماأنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء ةالأرض لآيات لقوم يعقلون ) { البقرة : 164 } . ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) { الأنبياء : 22 } . ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) { البقرة : 242 } … الخ .
ثم ليؤمن من يريد وليكفر من يريد . ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) {الكهف :29}
وقد وضع الله في كل إنسان العقل مقدرة على الايمان أو الكفر وله الخيار . ( إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً . إناهديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ) { الانسان : 2 ،3 } . ثم يأتي يوم الحساب فيلقى كل إنسان جزاء ما اختار وعمل . ( ولاتجزون إلا ماكنتم تعملون ) { يس : 54 } .  (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) { غافر : 17 } . ( كل امرىء بما كسب رهين ) { الطور : 21 } .
وهكذا يستطيع إي انسان مميز غير مكره أن يختار الاسلام ديناً ، أو أن يختار ديناً غيره أو أن يكفر بكل الاديان على مسؤوليته في الدنيا والآخرة .
أما العروبة فعلاقة انتماء إلى وضع تاريخي تدرك العربي منذ مولده وتصاحبه حتى وفاته ولو لم يكن مميزاً ، ولو لم يدركها ، ولو كفربها . لايستطيع أي انسان أن ينتمي إلى العروبة أو أن ينسلخ منها ، ولو أراد . إذ الانتماء إلى العروبة وليد تطور تاريخي سبقه ولحقه ، فكان عربياً بغير ارادته، أو سبقه ولم يلحقه فلم يكن عربياً ولو أراد ، لاحيلة له في الحالتين . وهل أختار أحد والديه ؟ وهل أختار أحد وطنه ؟ بل هل اختار أحد ” شخصيته ” ؟
4 – ثم أن الاسلام علاقة انتماء الى دين خالد في الزمان بحكم انه خاتم الرسالات والاديان . ( ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) { الأحزاب : 40 } . وخالد في المكان بحكم أنه رسالة إلى كل البشر . ( قل يأيها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً ) { الأعراف : 158 } . ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) { سبأ : 28 } . أما العروبة فعلاقة انتماء مقصورة على شعب معين من بين الشعوب ومكان معين من الأرض ، علاقة انتماء الى أمة تكونت خلال مرحلة تاريخية طويلة كاستجابة موضوعية لحتمية تقدم الشعوب بعد أن استنفذت العلاقة الأسرية ثم العشائرية ثم القبلية ثم الشعوبية كل طاقاتها على تحقيق التقدم . فهي لم تواكب الزمان بداية . وحين تستنفذ الأمة العربية كل طاقاتها على تحقيق التقدم سيتقدم البشر الى علاقات انتماء تتجاوزها تكويناً وطاقة . فهي ليست خالدة في الزمان .
5 – لامجال ، إذن للخلط بين علاقة الانتماء إلى العروبة وعلاقة الانتماء إلى الاسلام لافي الأشخاص ، ولا في المضمون ، ولا في حدود الانتماء من الزمان أو المكان . وما تزال علاقة الانتماء إلى الأسرة ، أو الى القرية ، أو الى المهنة ، أو الى الحزب قائمة بجوار علاقة الانتماء إلى الدولة أو الوطن أو الشعب بدون خلط أو اختلاط . فلا يقوم لدى الشعب العربي سبب للخلط بين العروبة والاسلام . ومع ذلك ، أو بالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة إلى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s