التخريب والتغريب

jawab
التخريب والتغريب
205 – منذ أن بدأ الاستعمار الرأسمالي للأمة العربية ، بدأ تخريب حضارتها القومية . وحضارتها القومية إسلامية كما عرفنا من قبل ( فقرة 11 وما بعدها ) . كان التخريب خفياً حينما كان الاستعمار ظاهراً ، وأصبح التخريب ظاهراً حينما أصبح الاستعمار خفياً . اختلف الاسلوب في الحالتين ولكنه كان في الحالتين منصباً على الحضارة العربية من حيث هي حضارة قومية ( التخريب الاقليمي ) ومن حيث هي حضارة إسلامية ( التخريب العلماني ) .
1 – الاقليمية
206 – الأصل في الاقليم أنه تعبير عن مكان . وقد ينطوي على بعض التميّز الطبوغرافي أو الجغرافي ولكنه على أي حال لايتضمن في ذاته مفهوماً حضارياً . بل لعل استعمال كلمة اقليم للدلالة على مكان أن يتضمن نفياً لاختصاص المكان الذي نعنيه بحضارة خاصة .
في حدود هذا المفهوم لاينكر أحد أن الوطن العربي يضم أكثر من إقليم ، وأن بعض الأقاليم تتميز عن البعض الآخر طوبوغرافياً وجغرافياً ، وبما تنطوي عليه من مصادر الثروة الاقتصادية . كما لاينكر أحد أن ذلك التمايز أو التنوع على الأصح قد يقتضي تنوعاً في أساليب الادارة والانتاج اللازمة لتنظيم الحياة في الأقاليم على أفضل ما يناسبها . وسواء في دولة الوحدة أو بدونها ، لن يستوي نجد والعراق إدارة وتنظيماً ، كما أن الصحراء الغربية لاتخضع لكل النظم الادارية التي تحكم القاهرة مع أنهما جزآن من قطر واحد .
هذا امر مسلّم في كل الدول التي يشمل وطنها أكثر من إقليم ، ولم يكن هذا قط مشكلة دستورية أو إدارية أو اقتصادية لا في الوطن العربي إبان وحدته السياسية ولا في الأوطان الأخرى التي لم تنكب بالتجزئة .
غير أن للاقليم في الوطن العربي دلالة خاصة : فعندما نتكلم عن الأقاليم من الوطن العربي نعني تلك الأجزاء من الوطن العربي الواحد التي أرسى الاستعمار حدودها وأقام عليها دولاً فأصبحت وحدات سياسية مستقلاً بعضها عن بعض .
فالأقاليم في الوطن العربي هي الأقطار في أجزائه . وبعض تلك الدول لاتقوم حتى على ” إقليم ” بمعناه الأصيل . فإن أهواء المستعمرين لم تكن تتفق دائماً مع تضاريس الطبيعة فجاءت خطوط التجزئة مستقيمات هندسية رسمت على الخرائط فوق مكاتب المستعمرين . بهذا فقد ” الأقليم ” في الوطن العربي مضمونه الأصيل ؛ ولكنه بهذا أيضاً كسب مضامين جديدة سياسية واجتماعية وفكرية لايستهان بقوة تأثيرها على كثير من العرب حتى بعض الوحدويين منهم .
 فقد حول المستعمرون ، وعملاؤهم ، والمستفيدون من ورائهم ، واليائسون من التحرر. . . حولوا دول التجزئة إلى مدارس ضخمة وحقول فسيحة للتخريب والتدريب السياسي والاجتماعي والفكري خلق كائنات حية من أشلاء أمة ممزقة . وحشد لها المستعمرون كل طاقاتهم المادية والاقتصادية والثقافية على وجه خاص . واصطنعوا لها عملاء وأساتذة ومعلمين وتلامذة ورصدوا حتى العروش مكافأة للمتفوقين منهم . وكانت غايتهم اختلاق مضمون حضاري ، غير عربي ، للاقليم وتنمية على حساب المضمون الحضاري للقومية العربية ليتحول الانتماء من الأمة إلى الشعب ، فيتحول الولاء من الوطن العربي إلى : مصر ، العراق ، سورية . . . الخ . ومع أن الولاء للوطن القومي يشملها إلاّ أن غاية المستعمرين كانت تجزئة الولاء حتى لاتتوحد قوى التحرير . وهكذا في مواجهة وحدة اللغة تحل اللغات الأوروبية محل اللغة العربية في بعض الأقاليم . وعندما يكون ذلك غير ممكن يدرس الشباب أرقى علومه بغير اللغة العربية .ثم إبراز اللهجات المحلية التي قد تختلف من قرية إلى قرية واتخاذ لهجة سكان العواصم أدوات للتعبير في الأدب والفن والصحافة والإعلام والإشادة بها ” كلغة ” أكثر واقعية ويسراً . وفي مواجهة وحدة الوطن القومي اختلاق نزاع على الحدود ” الوطنية ” بين دول التجزئة والزجّ بابناء الأمة الواحدة وأصحاب الوطن الواحد في معارك يدافع فيها كل منهم عما يتوهم أنه وطنه الخاص . وفي مواجهة وحدة التاريخ ، إعادة صياغة التاريخ العربي وتقسيم احداثه على الأقاليم ليبدو لكل دولة تاريخ خاص . ونبش الماضي البعيد ورفع تراب التاريخ عن العهود القبلية والشعوبية لاستخراج رفات أحداثها ومحاولة إلباسها ثوب التراث التاريخي الإقليمي المنفصل عن التراث القومي ، واختلاق أبطال قوميين لأمم موهومة ، تحت أسماء الأشورية والفينيقية والفرعونية . . . الخ .
وقد استطاع الاستعمار فعلاً أن يخلق على التجزئة ، ومنها ، صيغاً إقليمية للحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية ، وأن يربط مصير فئات كثيرة في الأقاليم بالتجزئة وجوداً وعدماً ، وأن يخلق للتجزئة رموزاً مميزة من الحكّام والأعلام والأناشيد والتقاليد ؛ وأن يحرك تياراً فكرياً على قدر من القوة يبرر الوجود الإقليمي المستقلّ ، ويستبدله بالوجود القومي ، ويجتهد في هذا فلسفةً أو سفسطةً  . . وأدى كل هذا ، وغيره من مثله ، لدى قطاعات عريضة من العرب في كل إقليم إلى قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الإقليم هو القاعدة النفسية اللازمة لنمو الولاء القومي . . وهكذا لم يعد الانتماء إلى الأقاليم تحديداً لمواطن الإقامة ، بل أصبح  “إقليمية ”  ، مضمونها الحضاري شعوبي مرتدّ إلى مرحلة الطور الاجتماعي السابق فهي نقيض الحضارة العربية ومحاولة لنقض التكوين القومي .
2 – الاغتراب
207 – عرفنا من قبل كيف أن العلمانية ليست ضد الدين ولا مع الدين ( فقرة 84 وما بعدها ) وعرفنا أن جوهر الدعوة العلمانية في مجتمع من المسلمين هو أن تستبدل بالشرائع والقواعد والاداب التي جاء بها الإسلام شرائع وقواعد وآداب وضعية ( فقرة 142 ) وأنها ركن من نظام شامل متكامل للحياة الدنيا ، علماني في موقفه من الدين ، فردي في موقفه من المجتمع ، ليبراليّ في موقفه من الدولة ، رأسمالي في موقفه من الاقتصاد كان محصلة عوامل نفسية وثقافية وتاريخية وحضارية سادت أوروبا على مدى نحو سبعة قرون ( فقرة 125 ) .
وقد بدأ الاستعمار القاهر الظاهر بفرض نظامه على الحياة العربية فاستبعد الإسلام نظاماً وتركه للناس عقيدة ومناسك وأحوالاً شخصية . وأقام له حارساً باطشاً من جنده المسلحين ، وترك له ان يغير ما بالناس من خلال اضطرار الناس إلى الملاءمة بين حياتهم اليومية وبين قواعد النظام المفروض بالقوة ، ثم اطّراد تلك الملاءمة خلال زمان غير قصير ليصبح النظام تقاليد وعادات وآداب يغذيها تيار فكري من ” المشايخ ” والاساتذة والمعلمين والتلامذة وخريجي جامعات أوروبا من الموفدين ، وعملاء الاستعمار من المبشرين الوافدين ، لتبرير استبعاد الإسلام نظاماً والاكتفاء به مناسك وعبادات ، ويرشون الشعب المتخلف بأوهام التقدم الأوروبي . . الخ .  وأدى كل هذا ، وغيره من مثله ، إلى قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية ( يسمونه الاغتراب ) هو القاعدة النفسية اللازمة لنمو الولاء للنظام الفردي الليبرالي الرأسمالي على حساب الولاء للنظام الإسلامي . وهكذا لم تعد العلمانية دعوة ضد الدين عامة ، أو الإسلام خاصة بل أصبحت ذات مضمون حضاري فردي ليبرالي رأسمالي فهي نقيض للتكوين القومي الجماعي في جوهره ، ونقض للحضارة العربية الإسلامية في جوهرها
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s