الدولة ، ما الدولة ؟

rissala
الدولة  ، ما الدولة ؟
  120 – لقد كانت كلمة الدولة ، تلك الكلمة التي ابتكرها مكيافيلي تطلق – قبل الثورة الفرنسية – على السلطة أو الحكم أو الحاكمين . بهذا المعنى الاخير اطلقت في تاريخنا العربي على الأسر الحاكمة فقيل : ” دولة ” الأمويين و ” دولة ” العباسيين و ” دولة ” الفاطميين و ” دولة ” المماليك . . الخ . وكاد المستعمرون أن يعلمونا -ونحن نتلقى العلم في ظل سيادتهم أن وطننا العربي كان على مدى تاريخه ميتعبداً لمجموعة متتابعة من” الدول”.. ليستقر في عقولنا – ونحن صغار – أن الاستعمار جزء من طبيعة مجتمعنا العربي ، وأنه لم يعرف الحرية قط . ثم شببنا فعرفنا أن تلك كانت أسراً من الحاكمين الذين خاض بعضهم اروع معارك الدفاع عن استقلال الوطن العربي ووحدته . ألم يكن صلاح الدين واحداً من ” دولة ” الايوبيين ؟ . ثم هانت ” الدولة ” فاصبحت لقبا في مصر – وغيرها – لمن يلي رئاسة الوزارة . فكان يقال : ” دولة ” صدقي باشا مثلا .
أياً ماكان الأمر عندنا ، فقد كان الملوك في أوروبا يرددون ماقاله لويس الرابع عشر ” الدولة هي أنا ” . وما قاله لويس الخامس عشر عام 1770 : ” إن حق إصدار القوانين التي يخضع لها ويحكم بها رعايانا هو حقنا نحن بدون قيد وبدون شريك ” ، وما قاله عام 1766 : ” إن النظام العام كله ينبع مني ، وكل حقوق ومصالح الأمة التي يحاولون جعلها شيئاً منفصلاً عن الملك هي بالضرورة متحدة مع حقوقي ومصالحي وليس لها مكان إلا بين يدي ” . فكانت الدولة هي ” المملكة ” بكل ماتعنيه كلمة ” الملكية ” من حق الملك والمالك في الاستعمال والاستغلال والتصرف في ” دولته ” .
بينما كان الملوك يرددون هذه الأقوال وأمثالها ، كانت موجة من الأفكار الثورية تغزو أوروبا وتحاول أن تقتلع هذا المفهوم من أساسه . ففي عام 1690 ينشر جون لوك في انكلترا كتابه ” رسالتان في الحكم ” يقول فيه : ” إن حرية الانسان الطبيعية هي الا يكون خاضعاً لأية قوة عليا على الأرض ، وألا يقع تحت إرادته أي إنسان أو سلطة تشريعية ، ولايكون لديه سوى قانون الطبيعة قاعدة يعمل بها ” ( الفصل الرابع فقرة 22 ) ” ولما كان الانسان قد ولد – كما اثبتنا من قبل – وله حق كامل في الحرية وفي التمتع بلا قيود بجميع حقوق ومزايا قانون الطبيعة ، في مساواة مع أي شخص آخر ، أو أي عدد من الاشخاص في العالم ، فإنه له بالطبيعة الحق ، ليس في المحافظة على مايملكه ، أي حياته وحريته وممتلكاته ، ضد اعتداء الآخرين أو محاولتهم العدوانية فحسب ، بل له أيضاً الحق في أن يحاكم الآخرين على خرقهم هذا القانون ومعاقبتهم بما يعتقد أن جريمتهم تستحقه من عقاب حتى الموت ذاته ” ( الفصل السابع فقرة 87 ) . ” ولكن لأن ثمة أموراً لاتتوفر في حالة الطبيعة ، فلا يوجد قانون قائم ومستقر ومعروف يحظى بالقبول العام بوصفه معيار الصواب والخطأ ” . ( الفصل التاسع فقرة 124 ) ” ولايوجد في الطبيعة قاض معروف غير متحيز له سلطة الحكم في جميع الخلافات طبقاً للقانون المقرر ” ( الفصل التاسع فقرة 125 ) ” ولاتوجد في حالة الطبيعة القوة التي تدعم الحكم وتؤيده عندما يكون سليماً وتعمل على تنفيذه كما يجب ” ( الفصل التاسع فقرة 126 ) ، فأنه بالرغم من كل المميزات التي يتمتع بها الجنس البشري في حالة الطبيعة ” سرعان ما ينساق الناس الى تكوين المجتمعات لأن وضعهم يبقى سيئاً طالما استمروا في الحالة الأولى ” ( الفصل التاسع فقرة 126 ) . و ” لأن المجتمع السياسي لايمكن أن يقوم أو يقيض له البقاء إلا إذا كان لديه في ذاته سلطة المحافظة على الملكية ، ولهذا الغرض تكون لديه سلطة عقاب الجرائم التي يرتكبها أي فرد في المجتمع ، فهنا – وهنا فقط – يوجد المجتمع السياسي حيث تنازل كل فرد فيه عن سلطته الطبيعية وسلمها للمجتمع ” ( الفصل الرابع فقرة 87 ) . ” ان السلطة العامة للمجتمع كله فوق كل انسان يضمه هذا المجتمع . والغرض الرئيسي من هذه السلطة هو سن القوانين لكل من يعيشون في ظلّه ، وهي قوانين يجب علينا في هذه الحالة أن نطيعها ” ( هامش الفقرة 87 ) .
هذه الأفكار سيلتقطها مونتسكيو خلال إقامته في انكلترا ويعود فيعبر عنها ويروّجها فتروج من خلال كتابين نشرهما في فرنسا عام 1748 أحدهما عن النظام الدستوري الانكليزي والثاني كتاب روح القوانين الذي اشتهر به .
121 – على أرض فرنسا يلتقي هذا الفكر الوافد من انكلترا بما بشر به وأذاعه ونثره ” بذوراً للثورة ” فنان وأديب وفيلسوف وثائر وعبقري وافد من سويسرا هو جان جاك روسو في عدة كتب أكثرها شهرة وأصالة كتابه العقد الاجتماعي ( نشر عام 1762 ) .
يقول روسو ان ” النظام الاجتماعي حق مقدس ، وهو بمثابة الأساس لكل الحقوق الأخرى . بيد أنه لما كان هذا الحق لايستمد من الطبيعة فلا بد أنه قام على اتفاقات ” . ( الفصل الأول – الكتاب الأول ) . ” برغم انها قد لاتكون أعلنت رسمياً فهي لابد أن تكون واحدة في كل مكان وأن يكون قد تم قبولها ضمناً ” ( الفصل السادس – الكتاب الأول ) . ” ففي مثل هذه الحالة من السكوت العام يجب أن يؤخذ ذلك السكوت على أنه موافقة من جانب الشعب ” ( الفصل الأول – الكتاب الثاني ) . و ” إني افترض جدلاً ان الناس قد وصلوا إلى حد تغلبت فيه العقبات التي تحول دون الاستمرار في حالة الطبيعة على القوة التي يستطيع كل فرد أن يبذلها من أجل الاستمرار في هذه الحالة ، ومن ثم لم يعد استمرار حالة الطبيعة الصلية ممكناً . . . ولما كان الناس لايستطيعون بأي حال خلق قوة جديدة ، بل أن كل ما يستطيعونه هو أن يتحدوا ويسيطروا على تلك القوة التي لديهم ، فإنه لاتوجد وسيلة يستطيعون بها الابقاء على أنفسهم سوى الانضمام بعضهم إلى بعض ، وتوحيد قواهم بيد أن المحافظة على الذات بالنسبة إلى كل فرد إنما تستمد أساساً من قوته الشخصية وحريته ، فكيف إذن يقيدها بدون أن يؤذي نفسه ويهمل تلك العناية الواجبة عليه نحو شؤونه الخاصة في الوقت ذاته ؟ . . . لابد من ايجاد نوع من الاتحاد في شأن استخدام قوة المجتمع كلها من أجل حماية كل عضو من أعضائه وممتلكاته ، وذلك بطريقة تجعل كل فرد ، إذ يتحد مع أقرانه ، إنما يطيع إرادته ويبقى حراً كما كان من قبل . هذه هي المشكلة الأساسية ” ( الفصل السادس – الكتاب الأول ) .
أما الحل فهو : ” كل واحد منا يسهم في المجموع بشخصه وبكل مالديه من قدرة تحت التوجيه الأعلى للارادة العامة وهكذا يلتقي في المجموع كل عضو بصفته جزءاً لايتجزأ من الكل . وبمجرد أن يتم هذا يتولد جسد معنوي وجماعي بدلاً من الاشخاص المستقلين وهو جسد مكون من الأعضاء بقدر ما يضمه من أصوات ، كان هذا الشخص العام الذي يتكون بهذه الصورة من اتحاد جميع الاشخاص يسمى في الماضي ” مدينة ” ولكنه يسمى الآن ” جمهورية ” ( كانت كلمة جمهورية تعني المجتمع المنظم اطلاقاً وليس بمعناها الحالي كنظام للحكم غير ملكي ) . . ويسميه اعضاؤه ” دولة ” عندما يكون سلبياً ، ويسمونه سيداً عندما يتصرف ايجابياً ، أما بالنسبة إلى الأفراد المجتمعين فيه فهم الشعب ” ( الفصل السادس – الكتاب الأول ) . ” فالشعب الذي له السيادة لاوجود له خارج الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع ” ( الفصل السابع – الكتاب الأول ) . ” وبمجرد أن يوجد للشعب سيد يفقد الشعب سيادته ” ( الفصل الأول – الكتاب الثاني ) .
122 – لم تكن الافكار احلاماً مقطوعة الصلة بالواقع ، والواقع أن الافكار التي لاصلة لها بالواقع لاوجود لها ، بل كانت تعبر عن مشروعات مقترحة “لدولة ” تتفق مع مصالح الطبقة الوسطى ( البرجوازية ) الصاعدة . فقد كانت الطبقة الوسطى هي التي اسهمت بالدور الأساسي في التقدم الاقتصادي في فرنسا وحوّلتها بالتدريج إلى دولة تجارية وصناعية ، وكانت في حاجة إلى أكبر قدر من حرية الانتقال ( الأفراد والبضائع ) وحرية العمل ، وأقل قدر من تدخل السلطة والضرائب . فأنجبت مدرسة اقتصادية تولت إبراز المضمون الاقتصادي لأفكار الفلاسفة . إنها مدرسة ” الفيزيوكرات ” الشهيرة ( كيزني ، موريس دي ريفيير ، دي يتمور . . الخ ) .
123-      واضح مما سبق أن ” مشروع الدولة ” التي كانت تبحث عنها أوروبا يميزها بأن تكون ” مؤسسة ” تضم كل الافراد في المجتمع ولكنها تبقى مستقلة عن أي فرد أو مجموعة من الأفراد منهم . وأن تكون ” السيادة ” فيها للشعب بمجموعه ، وأن تتولى الممارسة الفعلية لتلك السيادة حكومة ملتزمة بحدود ترسمها قواعد عامة ومجردة تعبر عن الشروط التي صاغها الفلاسفة والمفكرون وزعموا أنها كانت شروط التقاء الناس في مجتمع أو شروط “العقد الاجتماعي ” .
ولقد جاءت الثورة الفرنسية فانشأت تلك الدولة . فقد بدأت الجمعية الوطنية بإعلان حقوق الانسان والمواطن . أصدرته يوم 26 آب / اغسطس 1789 ثم أصدرت مجموعة من القوانين الدستورية المتفرقة ، أعادت جمعها وصاغتها معاً في دستور ، وتلي الدستور يوم 5 آب / اغسطس 1791 وبدأت مناقشته يوم 8 آب / اغسطس وتمت الموافقة عليه يوم 3 / ايلول / سبتمبر وتم القسم على احترام الدستور يوم 14 أيلول / سبتمبر وأنفضت الجمعية يوم 30 أيلول / سبتمبر 1791 .
وقد تضمن الدستور صياغة ” الدولة ” وأقامها على قاعدتين أساسيتين نص عليهما في المادتين الأولى والثانية من القسم الثالث منه . تقول الأولى ” السيادة واحدة ، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال أو الاكتساب بالتقادم ، وهي تخص الأمة ، وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد يدّعي ممارستها ” وتقول الثانية : ” ان الأمة التي تنبع منها كل السلطات لايمكن أن تمارسها الا بواسطة مفوضين ” .
ونعرف من التاريخ أن مبادىء الثورة الفرنسية قد حكمت حياة أوروبا والغرب وشعوباً كثيرة في العالم منذ انتصارها ، ولم تزل . وهكذا يمكن أن نعرف ، بدون حاجة إلى تفصيل ، أن نموذج ” الدولة ” التي انشأتها الثورة الفرنسية سيكون هو ” الدولة ” في أغلب اقطار العالم فيما بعد ، وحتى الآن . ستتغير وتختلف الدساتير المتتابعة في فرنسا وغيرها من الدول وستتغير نظم الحكم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً داخل الدولة وفي كل دولة ، ولكن سيتوحد مفهوم ” الدولة ” في العالم على ضرورة أن تتوفر لها وفيها العناصر الأساسية التي بدأت بها في عهد الثورة . وسيتولى فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية تأصيل وتعميق وتفسير تلك العناصر حتى تصبح مسلّمة .
124 – لايتوقف فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية كثيراً عند تلك النظريات التي ابتكرها الفلاسفة حول نشأة الدولة . ولكنهم يعنون عناية فائقة بما يجب أن يتوفر ” للدولة ” من عناصر ليقال إنها ” دولة ” وهم متفقون على ثلاثة عناصر : ( 1 ) شعب و (2 ) أرض و ( 3 ) سيادة شاملة الشعب والأرض جميعاً . ويضيف بعضهم  “الاعتراف ” كعنصر رابع يعنون به ” اعتراف ” دول أخرى بقيام ” الدولة ” موضع الاعتراف . ولكن هذا العنصر محل خلاف كبير يدور حول ما إذا كان هذا الاعتراف لازماً لتوجد الدولة ، أم للاقرار بوجودها أم للأمرين معاً ، ثم يأخذ فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية في شرح الدلالات والآثار القانونية ( الحقوقية ) المترتبة عليها . وينصّب أكثر جهدهم على شرح دلالة وآثار العنصر الثالث : ” السيادة ” . في كثير من كتب القانون تتداول كلمتا ” السيادة ” و ” السلطة ” كما لو كانتا ذواتي مدلول واحد . غير أنه من المهم بالنسبة إلى حديثنا أن نفرق بين مفهوم السيادة ومفهموم السلطة . فالسيادة أشمل من السلطة ، إذ “السلطة” هي ممارسة السيادة ( يطلق البعض على السيادة صفة السلطة العليا ) أو أن حق السيادة هو مصدر حق السلطة .
وكلمة ” سيادة ” اصطلاح قانوني يترجم كلمة فرنسية مشتقة من أصل لاتيني تعبر عن صفة لمن له السلطة لايستمدها من غير ذاته ولا يشاركه فيها غيره . بهذه الدلالة كان يستعملها بعض ملوك فرنسا القدامى للتعبير عن استقلالهم بالسلطة عن البابوية والأباطرة في الخارج ، وسمو سلطتهم على أمراء الاقطاع في الداخل ، وبهذه الدلالة كانت تبريراً لمشروعية السلطة ينتحله كل صاحب سلطة أو طالبها . فكانت مضموناً لصراع فكري ومذهبي صاحب الصراع على السلطة .
ولقد عرفنا من قبل كيف أبدعت الكنيسة تبريراً لحقها في السيطرة النظرية المعروفة باسم ” نظرية الحق الالهي” أو” مذهب آباء الكنيسة ” ( فقرة 114 ) . ولم تكن تلك إلا نظرية في ” السيادة ” كما عرفنا نظرية ” العناية الالهية ” ( فقرة 115 ) ؛ وكانت هي أيضاً نظرية في ” السيادة ” . وهما نظريتان لم تكونا مقصورتين على تبرير الاستبداد بالسلطة في أوروبا وحدها ، ولاهما مقصورتان على تبريره في القرون الأوروبية الوسطى . فقد انتحل المنصور العباسي ( 714 – 775 ) مذهب ” آباء الكنيسة ” حينما خطب في مكة المكرمة فقال : ” أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه ” . وانتحلها أباطرة الصين قديماً ، فكان الامبراطور هو ابن السماء وانتحلها أباطرة اليابان ، فكان الامبراطور من أصل إلهي . . وانتحل معاوية بن أبي سفيان الأموي ( 602 – 680 ) نظرية العناية الاهية لتبرير استبداده بالسلطة دون الخليفة المنتخب حين قال : لو لم يرني ربي أهلاً لهذا الأمر ( الولاية ) ما  تركني وإياه ، ولو كره الله مانحن فيه ، لغيّره .
وانتحل ” نظرية الحق الالهي ” في العصر الحديث غليوم الثاني امبراطور ألمانيا حينما قال في عام 1910 إن الله هو الذي ولاّه الملك . وانتحل نظرية العناية الالهية هتلر ديكتاتور ألمانيا قبيل أن يبدأ الحرب الأوروبية الثانية حين وجه الشكر إلى العناية الالهية التي اختارته زعيماً لألمانيا ( 28 نيسان / أبريل 1939 ) . وانتحلها ديكتاتور اسبانيا فرانكو ، وفرض تداولها ، حين أمر في عام 1947 بصكّ عملة تحمل كتابة تقول ” فرانكو القائد بعناية الله ” . .. وما يزال ينتحلها كثيرون من الحكّام مسلمين وغير مسلمين ، عرباً وغير عرب ، لتبرير استبدادهم بالسلطة …
في مواجهة هاتين النظريتين استمدت الثورة نظرية حركة التنوير في السيادة فأسندتها إلى الشعب وصاغتها في المادة الأولى من دستور 1791 التي ذكرناها ( فقرة 123 ) . نعيد النص للأهمية : السيادة واحدة ، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال أو الكسب بالتقادم وهي تخص الأمة ، وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد أن يدّعي ممارستها .
ماذا يعني هذا على وجه التحديد ؟
يعني أن الثورة ، بعد أن جرّدت المؤسسة الكنيسة والارستقراطية من السيادة ، لم تسندها إلى أحد على الاطلاق أسندها الفقهاء تباعاً إلى شخوص معنوّية مجرّدة : الأمة أو الشعب أو الدولة أو المؤسسات ، وكل منها ذو وجود متعينّ يمكن التحقق منه ، ولكن أياً منها لايستطيع أن يمارس السيادة المسندة إليه بذاته لأنها ذات اعتبارية وليست ذاتاً طبيعية . ثم جاءت المادة الثانية وانتزعت من الشعب سلطة ممارستها ، صياغة النظام الاجتماعي باسمها ، وأسندت تلك السلطة إلى نواب عنه . وهي حيلة أو احتيال . يقول موريس ديفرجيه في كتابه  “المؤسسات السياسية في القانون الدستوري” إن البرجوازية الليبرالية قد اخترعت هذه النظرية في السيادة لتمارس هي السلطة ضدّ الارستقراطية من جهة ، وضد الشعب من جهة أخرى . ويقول الفقيه الكبير كاريه دي ملبرج انه نتيجة احتيال ظاهر انقلبت سيادة الشعب ضد الشعب ( مجلة القانون العام الفرنسي – 1931 ) . نكتفي نحن بملاحظة ماسيتضح بعد قليل . لم يكن فلاسفة البرجوازية الصاعدة في أوروبا مهتمين بالسيادة فكرة أو نظاماً إنما كان اهتمامهم منصباً على السلطة ونظام ممارستها على الوجه الذي يحقق مصالح طبقتهم . ” إذا حاولت أي من السلطتين التنفيذية أو التشريعية ، بعد أن تستولي على السلطة في يدها ، أن تعمل على استعباد الشعب أو دماره فليس أمام الشعب من علاج في هذه الحالة ، كما في الحالات التي لايجد فيها قاضياً يلجأ إليه في الأرض سوى الاتجاه إلى السماء ” . هكذا قال فيلسوف العلمانية جون لوك . لم يتذكر الله إلا لعزاء المقهورين في الحرية ، أو إلهاء القادرين عن الثورة ( الفصل 14 فقرة 168 من كتابه رسالتان في الحكم ) . أما فيلسوف البرجوازية موريس دي رفيير فقد قال ان ” الاستبداد الذي تقوده السيادة الجماعية أكثر احكاماً وأكثر دواماً من الاستبداد الفردي ، أما الديموقراطية فهي وحش مفترس وليست سيادة الأمة إلا دولة حاكمة بدون دولة محكومة ” ( باستيد : موجز القانون الدستوري ) .
أياً ما كانت غايات البورجوازية ، فقد كان عليها أن تقدم جواباً عن مصدر السيادة التي أسندتها إلى الشعب ،
ثم أسندت سلطة ممارستها إلى نواب عنه . يقولون ما خلاصته إنه ” القانون الطبيعي ” الذي لقن الانسان قواعد السلوك الأساسية في المجتمع . وهي قواعد خالدة في الضمير الانساني .
وهكذا ، قبل أن يكون المجتمع منظماً بقواعد وقوانين وضعية يوجد نظام قانوني طبيعي للمجتمع ، يجسد حقيقته على أفضل وضع في الحرية وبالحرية . وليس القانون الوضعي ذاته إلا ترجمة للقانون الطبيعي يؤدي غايته ، فيصبح مشروعاً بقدر ما يكون متفقاً مع الأصل الذي يترجمه . إذ القانون الطبيعي ذو قوة إلزام في ذاته لايستمدها من خارجه ، وهو – بالتالي – فوق كل نظام وأسمى من كل قانون . إنه ذو سيادة غير مقيدة بما يضعه البشر من قوانين إذ هو أسمى منها جميعاً لأنه قانون الحياة ( العلمانية ) . ومن القانون الطبيعي استمد كل فرد حقوقاً مساوية لحقوق أي فرد آخر ، فهي سابقة على وجود المجتمع ، وخالدة ، ومقدّسة لايجوز لأي نظام أو قانون أن يمسّها ( الفردية ) . بل ان مبرر وجود المجتمع وتأسيس الدولة وإقامة النظام هو حراية وتأمين هذه الحقوق ضد أي اعتداء عليها من الأفراد أو الجماعات أو الدولة ذاتها ( الليبرالية ) . فالانسان الفرد هو القيمة الأولى ، وهو موّلد القيم ، وهو الغاية أسمى الغايات ، وهو الأقدر على معرفة مصالحه ، ومن خلال تحقيق كل فرد مصلحته تتحقق مصالح المجموع ، وبالتالي لايجوز فرض أية قيود على حريته في السعي إلى تحقيق مصلحته بالطريقة التي يختارها ، والوسائل التي يرى أنها مؤدية إليها ( المنافسة الحرة ) ، وذلك في كل المجالات وخاصة في مجال الملكية ( الرأسمالية ) ، إذ ” الحرية مرتبطة بالملكية ولايمكن فصلهما ” كما قال موريس دي رفيير . وعلى الذين يحقدون على الاغنياء ، أو يفتقدون الحرية لأنهم فقراء أن ينفذوا وصية فرانسوا جيزو ( 1787 – 1874 ) قائد حزب ” رابطة ساعد نفسك يساعدك الله ” أول حزب ليبرالي في فرنسا حين قال لهم ” اغتنوا اذن ” . كيف ؟ لايهم فطبقاً للمنافسة الحرة التي هي القانون الطبيعي لتوزيع الثروات بين الأفراد ، الخطأ هو خطأ مالي والجزاء جزاء مالي ، يصيب من يكسب مالياً ويخطىء من يخسر مالياً . ( شومبيتر الرأسمالية والديموقراطية – ريجين رينود أصول البورجوازية  جاك دروز تاريخ المذاهب السياسية باستيد القانون الدستوري  – اميل ميرو فلسفة الليبرالية – بوردو موسوعة العلوم السياسية جزء 5 ايسمان شرح القانون الدستوري – لافيير القانون الدستوري  – كاريه دي ملبرج النظرية العامة في الدولة –  جورج جوسدورف المفهوم الانساني للحرية – موريس ديفرجيه المؤسسات السياسية في القانون الدستوري. . . الخ ) .
ولكن ،
هل ” القانون الطبيعي ” الواحد ، السائد ، الواعد ، موجود ؟
هذه مسألة ” إيمان ” ، وقد قلنا من قبل إن العبرة في مشروعية النظم بالقبول العام ( عكسه الاكراه العام ) وليس بالايمان ( الذي تخفيه السرائر ) ( فقرة 76 ) ، وإن كان كل نظام يتضمن قواعد عامة مجردة ملزمة للكافة لاتجوز مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها تستمد قوة الزامها من الايمان بمصدرها ( فقرة 80 ) . ثم عرفنا العلمانية نزعة ذات أصل ديني في المسيحية ، تحولت إلى تيار فكري مناهض لاستبداد الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا الاقطاعية ، تحول الى ثورة ضد تدخل الكنيسة في الحكم في أوروبا البرجوازية ، انتهت إلى اقامة نظام  علماني في موقفه من الدين ، فردي في موقفه من المجتمع ، ليبرالي في موقفه من الدولة ، رأسمالي في موقفه من الاقتصاد . فنعرف منه أن العلمانية ليست دعوة إلى الكفر بالدين ، بل هي ركن في نظام شامل متكامل للحياة الدنيا ، كان محصلة عوامل نفسية وثقافية وتاريخية وحضارية سادت أوروبا على مدى نحو سبعة قرون
125 – وقد أصبح هذا النظام شائعاً في كثير من دول العالم مع بقاء المؤسسات الكنسية في كل الدول التي شاع فيها بدون استثناء واحد ، إنما تختلف الدول في نوع العلاقة بين الكنيسة والحكومة . نقول الحكومة التي تمارس السلطة ولانقول الدولة التي هي شخص اعتباري ، إذ الكنيسة ماتزال قائمة في الدولة . فالكنيسة مؤسسة رسمية في الدولة كما هو الحال في انكلترا والسويد والنرويج والدانمارك . وهي تتعاون مع الحكومة في الحفاظ على استقلالها ، كما هو الحال في اسبانيا . وهي تحظى باعتراف رسمي ” شرفي ” ، كما في ايرلندا . وقد تقف الحكومة على الحياد السلبي بين الكنائس المتعددة كما في الولايات المتحدة الامريكية . وقد يفصل فصلاً حاسماً ما بين الكنيسة والحكومة كما هو الحال في فرنسا التي ترد إلى الذهن كلما دار الحديث عن العلمانية .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s