الشخصية العربية

jawab
الشخصية العربية
180 – مالذي يعنيه ، على وجه الدقة ، وصف إنسان بأنه عربي ؟ إنه لايعني أنه ينتمي إلى دولة عربية ، فهو يحمل هويتها ويوصف بها ، ذلك لأن ليس في الوطن العربي قطر عربي متميز بهذا الوصف عن الأقطار الأخرى . في الوطن العربي بلدان تحمل أسماء جغرافية أو شعوبية أو عشائرية ، وتوصف جميعها بأنها بلدان ” عربية ” وصفاً غير منكور ، لافي داخلها ولا في خارجها ، ولافي أي مكان من العالم . فيرد السؤال ذاته بالنسبة إليها : مالذي يعنيه القول عن مجموعة محددة ومحدودة من البلدان مختلفة الأسماء والمواقع والنظم والحكام أنها بلدان ” عربية ” ؟ الجواب عن السؤال في الحالتين واحد . إن وصف إنسان بأنه عربيّ يعني تمييز انتمائه إلى شعب متميز بأنه عربيّ . ووصف دولة بأنها عربية يعني أن رعاياها ينتمون إلى شعب متميز بأنه عربي . هذا الجواب لايكفي لتحديد دلالة قطعية لكلمة ” عربي ” فهي كلمة أطلقت على مدى قرون طويلة على تجمعات بشرية أسرية وعشائرية وقبلية وشعوبية ، ولم تكن شاملة كل البشر الذين يوصفون الآن بأنهم عرب . وقد أدى تجاهل هذا فيما يسمى الفكر القومي إلى الحديث عن ” العرب ” بدون تفرقة في الزمان ، كما لو كان عرب اليوم هم سلالة عرقية لعرب الجاهلية . كما أدى تجاهله في الفكر اللاّقومي ( الأمي أو الاقليمي ) إلى الحديث عن شعوب عربية متعددة . بدون أن يقول لنا الأولون إلى أين إذن ذهبت الشعوب التي كانت تملأ الأقطار التي نصفها الآن بأنها عربية قبل الفتح العربي خاصة ، والتاريخ لم يذكر لنا أن العرب الفاتحين قد أبادوا تلك الشعوب ، وبدون أن يقول لنا الآخرون على أي وجه يصفون شعوباً متعددة بأنها عربية ؟ من أين جاء هذا الوصف المميز ؟ وما هو مضمون تميزه ؟ بدون معرفة الإجابات الصحيحة عن كل تلك الأسئلة سيبقى الوصف ” عربي ” بدون دلالة تسمح بالحديث عن ” الشخصية العربية ” .
181 – من المسلم أن التكوين البشري للمجتمعات في حركة تطور مستمرة من الأسرة إلى العشيرة ، القبيلة ، إلى الأمة . . . إلى ما لا ندري الآن كيف يكون التكوين في المستقبل غير المنظور . ما ندريه هو أن انتقال مجتمع من طور إلى طور لايتم إلا بعد أن يستنفذ الطور الذي قبله كل إمكاناته المادية والبشرية لإشباع احتياجات البشر المادية والفكرية والروحية المتجددة أبداً . وهو أمر قد يستغرق قروناً أو عشرات القرون تبعاً لظروف النشأة ومكانها والتأثير المتبادل بين المجتمعات المتعاصرة . ولكن ، كما يقول عالم الاجتماع أوستاس شيسر في كتابه الحياة الناجحة ( 1952 ) : إن الاتجاهات الاجتماعية كانت دائماً متطورة من الأسرة إلى القبيلة إلى الأمة . تماماً كما هو الحال في الحياة العضوية التي تبدأ بالخلية وتنتهي نامية إلى حيويات معقدة ” .
وأكثر ماندريه أهميةً بالنسبة إلى هذا الحديث أن الانتقال من طور إلى طور لايتم إرادياً بقرار فردي أو جماعي بل يتم تدريجياً على مدى القرون من خلال الكفاح الإنساني الطويل لإشباع حاجاته ، وما يصاحبه من صراع داخليّ وخارجيّ ضد الطبيعة وضد الناس . ومن خلال هذا التطور ذاته ، تتطور حضارة كل مجتمع ، مصاحبة تطوره ، لاتتقدم عليه ولا تتأخر عنه . فثمة حضارة عشائرية ، وثمة حضارة قبلية ، وثمة حضارة شعبوية ، وثمة حضارة قومية . . . إلى ما لاندري الآن كيف تكون عليه الحضارة في المستقبل غير المنظور . المهم أنه في زمان معين ، في مكان معين ، يكون لكل مجتمع معيّن ، في الزمان والمكان ، حضارته ، لاتتخلف عنه كما لاتتخلف خصائص المادة عن أي من عناصرها في حالة نقائه . فهي الحضارة الملازمة ، المناسبة ، الملائمة أفضل الحضارات بالنسبة إليه ، حتى بدون أن يعرف لماذا .
182 -ونحن نزعم – وكنا على مدى ربع قرن ثابتين على الزعم – بأن العرب أمة مكتملة التكوين . ماالذي يعنيه هذا من بين مايعني ، عن الشخصية العربية ؟ يعني كبداية أن الحضارة العربية حضارة قومية لاعشائرية ولا قبلية ولا شعبوية . لدينا وفينا كل ما نقلته إلينا لغتنا من تراث حضاري موروث من الأطوار العشائرية والقبلية والشعبوية قبل أن نكون أمة في طور التكوين إلى أن أصبحنا أمة . انتقل إلينا عبر الأجيال المتعاقبة في مسيرة تقودها اللغة من أطفال ، إلى أطفال ، إلى اطفال ، وتشكّلت به الشخصية العربية من جيل إلى جيل . ولكن لغتنا المتطورة أيضاً لم تنقل إلى أي طور مررنا به إلا ما يناسب اطّراد النمو إلى الطور الذي يليه . إن الاهرام الخالدة أدلة على حضارتنا البائدة ، ولكنها لاتعني شيئاً بالنسبة إلى حضارتنا السائدة .
وحين تم الفتح العربي الإسلامي فجمعنا في دولة ، ووفّر لنا الاستقرار على الأرض الخاصة ، والتفاعل فيما بيننا وبينها ، ودخلنا به طور التكوين القومي إلى أن أصبحنا أمة تمت حضارتنا وأينعت وأثمرت عقائد وتقاليد وعادات وقيماً وآداباً وفنوناً متطورة ، متميزة عمّا سبقها بتلك الإضافات التي تميز الحضارات القومية . أهم هذه الإضافات ما يدخل في عناصر التكوين القومي ” الاختصاص بالأرض دون باقي البشر ” . وطننا : نمجد تاريخه ، نطمئن فيه ، نغترب بعيداً عنه ، نحافظ عليه ، نفديه بالحياة ، نعيش من خيره ، نشترك معاً ، ودون غيرنا ، في التمجيد والاطمئنان والاغتراب والمحافظة والفداء والخير . وتعبر أجيالنا المتتابعة عن هذا الانتماء والولاء والوفاء فكراً وأدباً وفناً وغناء وموسيقى وأناشيد . . وأحزاناً ودموعاً أيضاً . إنه ليس أرضاً ولكنه تجسيد ماديّ لمفهموم دخل ، في خلال التفاعل معه ، إلى صميم تكوين شخصية كل عربي ، وأصبح جزءاً من هيكلها الأساسي الاجتماعي ، تحرسه ضوابط اجتماعية من التقاليد والعادات والقيم والآداب . . .
هكذا وبدون وعي ، أو بوعي ، يتجه الإنسان العربي السوي إلى المستقبل ، مقوداً بانتمائه إلى الوطن بدون أن يعرف كيف يقاد ، وإن كان يشعر أنه لايقود إلا نفسه . وتقاتل أجيال من أطراف الأرض العربية من أجل تحرير فلسطين السليبة بدون أن تعرف ، أو تسأل ، لماذا تقاتل . إلا أنه من مرارة الشعور بالهزيمة ومن أمل الفرحة بالنصر ، يشعر كلّ منهم في ذاته أنه يقاتل من أجل تحرير شخصيته ذاتها . . . الخ .
183 – ما هو الدليل على صحّة هذا الحديث عن العشائر والقبائل والشعوب ولأمم غير هذا الشعور بالانتماء الذي يقود البشر بوعي أو بدون وعي ؟ هل من المستبعد أن يكون كل هذا تصويراً ذهنياً لتاريخ لم يقع لمجرد مساندة رأي دسّته قوى في بعض العقول العربية التي اغتصبتها بالاعلام والدعاية وقادة الرأي ، خاصة بعد أن عرفنا مدى القدرة على اغتصاب العقول ؟ نريد أدلة من الواقع الموضوعي بدلاً من الصيغ الفكرية المجردة .
فليكن .
فيما يلي دليلان . الأول من بحث علمي في التاريخ . والثاني من تاريخ البحث العلمي .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s