العـدوان

makhtout
العـدوان
47 – فهل يكون ذلك لأن الانتماء إلى الأمة العربية علاقة ” قومية ” والقومية عصبية تورث العداء للغير وتجر إلى العدوان ، وكل هذا يكرهه الاسلام وينهى عنه ؟ قد يكون . فإن ممن ينكرون الأمة العربية وجوداً والقومية علاقة انتماء ، ليتهمون القومية بأنها عدوانية ويسمونها ” شوفينية ” . ولو صح أن القومية عدوانية لكان على المسلم أن يعصم نفسه من الانتماء إليها ويعتصم بحبل الله . فقد حرم الله حتى الاتفاق سراً على العدوان . ( يأيها الذين آمنوا إذا تـناجيتم فلا تتناجوا بالاثم والعدوان ) { المجادلة : 9 } . وأمر المسلمين بأن لايساند بعضهم بعضاً فيه . ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) { المائدة : 2 } . ولقد أباح لهم دفع العدوان بشرط ألا يكونوا هم البادئين به ، والا يبلغوا في دفعه إلا مايكفي لدفعه ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ماأعتدى عليكم ) { البقرة : 194 } . وألزمهم تلك الحدود حتى خلال القتال الذي قد يصعب في معمعته معرفة الحد بين العدوان والدفاع . ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ، إن الله لايحب المعتدين ) { البقرة : 190 } . ولكن من قال إن القومية عدوانية ؟ ولماذا قال ما قال؟
كثير ، على رأسهم معلمهم ستالين الذي قال : ” ليست الأمة مقولة تاريخية فحسب بل هي مقولة تاريخية خاصة بمرحلة تاريخية محددة هي مرحلة التكوين الرأسمالية … فإن عملية تصفية الاقطاع ونمو الرأسمالية ، هي في الوقت ذاته عملية تكوين الناس في أمم ” ( ستالين – المسألة القومية – صفحة 11 ) وهكذا ربط كل الماركسيين من تلامذة المدرسة الستالينية بين القومية والرأسمالية ( البرجوازية ) . ولما كان الماركسيون من أعلم الناس بالجوهر العدواني للنظام الرأسمالي فقد أدى هذا الربط الستاليني بين القومية والرأسمالية إلى ربط بين القومية والعدوانية . واستبدلوا بعلاقة الانتماء القومي إلى الأمة علاقة الانتماء الأممي إلى الطبقة العاملة ، وحذروا العمال من مخاطر نسبوها إلى القومية . قال بعض المحدثين منهم : ” ينتمي العمال إلى قوميات مختلفة وأجناس مختلفة ولكن انتماءهم الأول يظل إلى الطبقة العاملة ، وهذا تحدده وحدة مصالحهم الأممية ، وأغراضهم ، ونظريتهم التي تتولى الصدارة لينزاح مادونها من أوجه الاختلاف إلى الوراء . وإذ يتحقق العمال الواعون سياسياً من أن النضال القومي والانعزال القومي يضران المصالح الأممية للطبقة العاملة ، يحاربون كل أنواع التمييز القومي ” . أما كيف يكون النضال القومي ضاراً بمصالح الطبقة العاملة فذلك ، كما قالوا ، لأن ” خطر القومية الأول يكمن في أنها تلهي العمال عن الصراع ضد عدوهم الطبقي . لقد تضافر الزمان والرجعية البرجوازية على تخطيط مؤقت لعرقلة الصراع الطبقي للطبقة العاملة بإشعال المشاعر القومية . هذا بالاضافة إلى أن انتشار الأفكار القومية والشوفينية يؤدي إلى تفكك وحدة الطبقة العاملة ، ويضر روابط التضامن الأممي ، وما لم تحارب القومية ، والشوفينية ، فإنها ستضعف حتماً حركة الطبقة العاملة ” . فيجب إذن ألا ينسى العمال أن ” الحركة الشيوعية أممية في ذات جوهرها ” ( أسس الماركسية اللينينية -1963 )
هذا بعض ماقاله ويقوله بعض الماديين الذين حملتهم فلسفتهم المادية إلى موقف العداء من علاقة الانتماء القومي فاستبدلوا بها الانتماء إلى علاقات الانتاج .
48 -نريد أن نجرب إعادة صياغة ماقاله ، ويقوله ، الماديون إلى لغة قالها ، ويقولها ، الذين يريدون أن يستبدلوا بعلاقة الانتماء القومي إلى الأمة العربية علاقة الانتماء الديني إلى الاسلام . يمكن أن يقولوا هكذا : ” ليست القومية مقولة تاريخية فحسب بل هي مقولة تاريخية خاصة بمرحلة تاريخية محددة هي مرحلة الجاهلية .. فإن عملية الصراع بين الناس على المراعي هي في الوقت ذاته عملية تكوين الناس في أقوام ” لابد أن يكون القائل هذا في مرتبة الاستاذية ليقوم مقام ستالين ويترك للمريدين القول بأن : ” ينتمي المسلمون إلى قوميات مختلفة وأجناس مختلفة ، ولكن انتماءهم الأول يظل إلى الأمة الاسلامية ، وهذا تحدده وحدة عقيدتهم الدينية ، ووحدة كتابهم الذي يتولى الصدارة ، لينزاح مادونهما من أوجه الاختلاف إلى الوراء . وإذ يتحقق المسلمون الواعون دينياً من أن النضال القومي والاستقلال القومي يضران المصالح العامة للمسلمين يحاربون كل أنواع التمييز القومي ” . أما كيف يكون النضال القومي ضاراً بمصالح المسلمين ، فذلك ، كما يمكن أن يقولوا ، لأن : ” خطر القومية الأول يكمن في أنها تلهي المسلمين عن الصراع ضد عدوهم الديني . لقد تضافر الزمان ، والكفرة الملحدون ، على تخطيط مؤقت لعرقلة الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الاسلام بإشعال المشاعر القومية . هذا بالاضافة إلى أن انتشار الافكار القومية والعصبية يؤدي إلى تفكك وحدة صفوف المسلمين ، ويضر التضامن الاسلامي ، ومالم تحارب القومية والعصبية فإنها ستضعف حتماً حركة المسلمين”
فيجب اذن ألا ينسى المسلمون أن ” الاسلام عالمي في جوهره ” .
هذا بعض ماقاله ، أو يمكن أن يقوله ، بعض ” الروحيين ” الذين يحملهم جهلهم بالقومية إلى موقف العداء من علاقة الانتماء القومي فيستبدلونها بعلاقة الانتماء إلى الدين . وإذ يلتقي النقيضان عقيدة في موقف عداء واحد من القومية لابد من أن يكون أحدهما قد حرف عقيدته . ولسنا نستطيع ، منصفين ، أن نتهم الماركسيين ، أعداء القومية ، بتحريف عقيدتهم . ذلك لأن الماركسيين قد كونوا عقيدتهم في القومية وموقفهم العدائي منها من عناصر وفرتها الملاحظة الدقيقة للحركات القومية في أوروبا . فهناك تعاصر النمو الرأسمالي مع نشوء حركات التوحيد القومي . وقادت البرجوازية فعلاً الحركات القومية ، وأقامت في كل أمة دولة واحدة . ولم تكن الرغبة والمصلحة في توحيد السوق القومي بعيدتين عن بواعث حماس البرجوازية للوحدة القومية . ولما كانت الوحدة القومية تضاعف عائد توظيف الموارد المادية والبشرية المتاحة في أجزاء الأمة ، فقد استفادت الرأسمالية النامية من الوحدة القومية ، وازدادت نمواً . ولكن لأنها رأسمالية مستغلة بحكم جوهرها ذاته فقد استغلت القوة التي نمت بالوحدة القومية في مضاعفة استغلالها لشعوبها ذاتها . فلما ضاقت بنموهاالحدود القومية سخَرت الدولة القومية وطاقاتها الهائلة في الاستيلاء على الأسواق ” القومية أيضاً ” في الدول الأخرى،
فكانت تلك بداية الاستعمار الذي عانت منه الشعوب جميعاً .
من ذاك الواقع الذي لاحظه الماركسيون ملاحظة دقيقة كونوا عقيدتهم في القومية وموقفهم العدائي منها على أساس ماهو ظاهر من تعاصر واتساق وتفاعل النمو القومي والنمو اللرأسمالي في أوروبا . ولم يكن تحت نظر الماركسيين أية تجربة قومية أخرى لافتة لينتبهوا إلى أمرين : أولهما أن الوجود القومي سابق تاريخياً على الحركة القومية ، وآيته أنه عندما نشأت ونمت الرأسمالية واحتاجت البرجوازية إلى وحدة السوق  “القومي ” كان التاريخ قد كوَن العناصر البشرية والوطنية والحضارية التي تميز ماهو” قومي” ولو كان سوقاً .
فتعاملت كل برجوازية مع واقع تكوَن تاريخياً هو أمتها . وما كان يضير البرجوازية الأوروبية أن توحَد السوق الاوروبي كله ، ولكنها ، خضوعاً لواقع تاريخي قسم أوروبا أمما ، وحدت السوق الالماني ، والسوق الايطالي ……الخ . ومن هنا كانت الأمة ” موضوعاً ” مارست فيه الرأسمالية نشاطها ، ولم يكن ثمرة نشاط الرأسمالية ، ثاني الأمرين واكثرهما دلالة هو ، أن الاستعمار كان وما يزال نشاطاً رأسماليا لايمَت إلى القومية بصلة ، لا لأن عائده المغتصب لم يصل إلى الشعوب بل استأثرت به البرجوازية فحسب ، بل لأنه  –أيضا – كان عدواناً على قوميات أخرى . وهكذا ، على مدى الصراع المرير الدامي بين المستعمرين وحركات التحرر من الاستعمار ، كان كل من الطرفين يقاتل تحت راية قومية . الراية القومية نفسها التي رفعها ستالين ليحشد تحتها طاقات الاتحاد السوفيتي دفعاً للغزو النازي ، فأفلح بها ولم يكن ليفلح بغيرها . أمَا الرايات القومية التي رفعها المستعمرون فكانت زائفة . وكان على الماركسيين أن ينتبهوا إلى زيفها بحكم معرفتهم للطبيعة الطبقية للبرجوازية ، ومعرفتهم أن ” الدولة ” كانت أداة قهر في أيدي الرأسماليين وحدهم .
قهروا بها شعوبهم أولاً ، ثم هاهم يقهرون بها شعوباً أخرى . أما الرايات القومية التي ترفعها حركات التحرر من الاستعمار فكانت نداءات مرفوعة لكل المقهورين ، بالتجمع تحت راية القومية من أجل التحرر . أياً ماكان الأمر فإن الصراع القومي ضد الاستعمار قد أثبت أن الاستعمار لم يكن قومياً أصلاً .
وحينما يقدم العالم الثالث تجاربه القومية إلى الماركسيين سينتبهون ويغير بعضهم موقفه من القومية . وهذا ماانتبهوا إليه وقالوه عن الحركة القومية العربية بالذات . قالوا عام 1963 ( أسس الماركسية اللينينية – المرجع السابق ) – مايأتي نصاً : ” في السنين الأخيرة برزت شعوب الشرق العربي إلى الصف الأول في الكفاح من اجل التحرر القومي بقيامها بهجوم شامل على مواقع الاستعمار … ان كفاح العرب ضد الاستعمار،
وفي سبيل الاستقلال القومي ذو دلالة بالغة تتجاوز العرب أنفسهم إلى المصير العام للسياسة الامبريالية والاستعمارية . والواقع أن الشرق الاوسط أصبح يلعب دوراً هاماً في الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية والعسكرية للدول الاستعمارية الكبرى ، وخاصة بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية . فالشرق الأوسط مركز قواعد عسكرية امريكية عديدة . وهناك أيضاً تستولي الاحتكارات الأجنبية على ملايين الأطنان من الزيت ( النفط ) الرخيص سنوياً ، أو مايعادل ربع انتاج العالم تقريباً . ومن هنا نفهم أية ضربة أصابت الاستعماريين من كفاح حركة التحرر القومي العربي ، حيث هب العرب ليستردوا استقلالهم ، وليصبحوا سادة منابع الثروة الطبيعية في الشرق الأوسط . فكانت تلك الضربة أبعد مايكون توقعاً ، إذ أن ادارة الاستعمار الاجنبي والاقطاع المحلي الذي يساند الاستعمار قد أبقت الشعوب العربية في حالة تخلف اقتصادي شديد وأصبحت البلاد التي يسكنونها من أشد مناطق العالم فقراً . وقد ظن الاستعماريون أنَ الصراع من أجل ضرورات الحياة قد استنفذ طاقة العرب ، وان ظروف التخلف الشاملة ستحول بينهم وبين أن يهبَوا وأن ينتظموا في حرب ضدَ الاستعمار . وقد تبددت تلك الأوهام في مصر أولاً بقيادة ضباط من ذوي العقليات القومية …. وإحدى مميزات حركة التحرر في الشرق الأوسط أنها تنمو وتتطور تحت شعار الوحدة القومية .
وقد ولدت هذه الفكرة خلال الصراع ضد الاستعماريين وفي سبيل الاستقلال القومي . وقرَب هذه الشعوب العربية بعضها من بعض . وكتعبير عن التضامن في الصراع ضد الاستعمار ، وكشكل للتعاون الأخوي ، والمساعدة المتبادلة بين الدول العربية ، لعبت وحدتهم دوراً بناءً كبيراً في كفاحهم في سبيل الاستقلال . وفكر الوحدة مقبولة على وجه خاص لدى جماهير الشعب العاملة التي تعاني من الاستغلال الرأسمالي … الخ ” .
هكذا عرف الماركسيون تجربة جديدة ، عربية لا أوروبية ، لحركة قومية تحررية لاعدوانية ، فتعلموا منها ماغَيروا به موقفهم من الانتماء القومي ، وأقروا بالعلاقة الايجابية بين الوحدة القومية وتحرر العمال من الاستغلال . بل لقد ذهبوا في الاعتراف بأصالة العلاقة القومية واحترامها إلى حدَ الارتفاع بها عن مستوى العلاقات الاقتصادية . فهي الوعاء الثابت – نسبياً – بما تتضمنه من تراث ، لما يجتهد البشر في إبداعه ويعملون على تطبيقه من مذاهب في نظام أسلوب الانتاج وأدواته وعلاقاته ففي ” رأى علماء الاجتماع السوفيات المعاصرين لاتنتمي بعض موضوعات ومظاهر الوعي الاجتماعي مثل العلاقات العائلية والثقافة القومية والعلوم وماإلى ذلك ، لاتنتمي بكاملها إلى البنيان العلوي ” . ( اوسكار لانج  الاقتصاد الاشتراكي  -1966 ) فيعودون عن قول سبق ويقسمون ذلك البناء إلى قسمين : تراث ومستحدث ويخصون الأخير بالصلة
المباشرة بعلاقات الانتاج ويرشحونه للتغيير في ظل النظام الاشتراكي .
هذا ماتعلمه الماركسيون الذين أدانوا – من قبل – العلاقة القومية بأنها عدوانية . فهل تعلَم الذين يدينون العلاقة القومية بأنها عدوانية ، باسم الاسلام ، بينما يرددون الحجج البائدة التي تخلى عنها حتى أصحابها ؟ هل غيَروا مواقفهم ، أو هل يغيرون ؟ . بعضهم تعلم فغيَر ، وبعضهم سيتعلم فيغيَر ، ولن يبقى منهم إلا الذين تطربهم أصواتهم فلا ينتبهون إلى أقدامهم في أي موقف هم واقفون .
أما الشعب العربي فلم يستمع إلى نداء القومية إلا مقترناً بهدفه : التحرر ثم الوحدة من أجل الحفاظ على الحرية . ولم يناضل نضالاً قومياً إلا من أجل دفع العدوان عن أمته العربية . وحتى حينما استمع إلى نداءات قومية عصبية أو متعصبة لم يفهمها إلا على الوجه الذي قصده مطلقوها : نحن أمة مجيدة .. تستحق الحرية . فلا يفهم السعب العربي من انتمائه القومي أنه عداء للغير أو عدوان أو مناجاة بالعدوان . ومع ذلك ، أو بالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة إلى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s