الـوحـدة

makhtout
الـوحـدة
 
49 – فهل يكون ذلك لأن ثمة دعوة إلى الوحدة الاسلامية ، وثمة دعوة إلى الوحدة العربية ، وأن الدعوة إلى الوحدة العربية ، أو النضال من اجلها ، أو تحقيقها ، يعوق الدعوة إلى الوحدة الاسلامية أو يعرقل النضال من اجلها أو يحول دون تحقيقها ؟ قد يكون . وإن نفراً من المسلمين ليقولون إن الدعوة إلى الوحدة العربية فتنة وسوست بها الشياطين في صدور بعض العرب لشق صفوف المسلمين وتخريب ” جهادهم ” في سبيل الوحدة الاسلامية . ويعيدون إلى ذاكرة المسلمين عهداً مجيداً كانت لهم فيه ” دولة الخلافة ” التي كانوا في ظلها أكثر أمناً ومنعة وقوة وحرية وتقدماً في الفكر والعلم والفن والعمارة مما أصبحوا فيه بعد أن هزمت دولتهم ، فتمزقت وذهبت أ قطارها أسلاباً لدول غير مسلمة ، وتكره الاسلام أصلاً . ويزيدون فيقولون إن التآمر على إسقاط دولة الخلافة في أوائل القرن العشرين لم يكن إلا الحلقة الأخيرة من سلسلة الحروب الصليبية التي بدأت ضد الاسلام في القرن الثالث عشر . ألم يقف الجنرال غورو الفرنسي المنتصر عام 1917 على قبر صلاح الدين في دمشق ليقول : ” هاقد عدنا يا صلاح الدين ” . أولم يقل الجنرال اللينبي الانكليزي المنتصر في القدس
” الآن انتهت الحروب الصليبية ” . بلى . ثم يضيفون أن آية الصلة الوثيقة بين دعوة الوحدة العربية الحديثة والغزوة الصليبية القديمة في موقفهما الموحد ضد الوحدة الاسلامية أن ” بدعة ” الأمة العربية ، أو القومية العربية ، أو الوحدة العربية ، قد اصطنعت اصطناعا في المشرق العربي اولا على أيدي نفر من المفكرين
والساسة غير المسلمين ، لتزاحم أو تناهض الدعوة إلى الوحدة الاسلامية ، وأن المفكرين والساسة من بلاد المغرب ظلوا مقيمين على الدعوة إلى الوحدة الاسلامية منصرفين عما اصطنع في المشرق من افكار
” مستوردة ” عن الأمة والقومية والوحدة ، وقد انتصرت أقطارهم وتحررت بدونها ، ولكن بدينها . ثم يختمون قولهم بدعوة المسلمين إلى الجهاد ضد الوحدة العربية في سبيل الوحدة الاسلامية .
50 – إن شاء الله سنتحدث فيما بعد عن نفر من العرب آخرين يستعلون على هذا الذي يقال فيتجاهلونه أو يغترَون بما يعرفون من تهافته ، فيكتفون بوصفه بما يوصف به القول المتهافت من أوصاف يستحقها . وانه لخطأ لو تعلمون جسيم . ذلك لأن المسألة ليست حواراً بين جماعة مترفة الفكر من المثقفين القادرين على هذا القول أو القادرين على معرفة تهافته . كلا . انهم جميعاً يتحدثون على مسمع من الشعب العربي البسيط الذي يحمل في دمه من تراث أمته مايعدَه مقدَماً لتصديق كل مايقال باسم الاسلام ، ولايحمل في عقله من العلم مايكفي لكشف تهافت بعض مايقال باسم الاسلام . فلا يكفي لكشف تهافت مايقال على مسمع منه عن التناقض أو العداء بين الوحدة الاسلامية والوحدة العربية أن يقال إنه عداء مصطنع ، أوغير صحيح ، أو انه الرجعية كما يعبَر عنها بعض الرجعيين . لا . فما ينبغي لمثقف أن يستعلي على الاهتمام بما يؤثر في وعي الشعب الذي ينتمي اليه ، أو يهرب من معارك الدفاع عن سلامة وعيه ضد الذين يحاولون تضليله . نحن على الأقل لانستعلي ولانهرب . ولكنا نخاطب الشعب العربي الذي يستمع إلى مايقولون فنقول إن هذا الذي يقال عن الوحدة العربية وتناقضها العدائي مع الوحدة الاسلامية يستحق الاستماع اليه والانتباه إلى بواعثه ومضامينه واهدافه بأكبر قدر من الجدَية . ذلك لأن معرفة مافيه من حق أو باطل مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى مستقبل حياة عشرات الملايين من العرب والمسلمين .
قلنا من قبل ، ونكرر لنؤكد ، ان البشرية قد دخلت عصر الانتاج الكبير والدول العملاقة ، وأن مصير الأقزام من الدول أن تحتمي ، راغبة أو كارهة ، بمظلة التبعية السياسية لدفع خطر العدوان ، والتبعية الاقتصادية لدفع غائلة الجوع ، وأن تدفع من حرية وطنها ومواطنيها أثماناً باهظة لمن يحميها أو يغذيها . يحميها ولو من بطشه ذاته . ويغذيها ولو من ثروتها ذاتها ( فقرة 1 ) . لابد ، اذن ، من الوحدة ، العربية أو الاسلامية ، ليستطيع الشعب العربي أن يتحرر ويتطور ، وليستطيع أن يحافظ على حريته وتطوره ، في غابة الدول العملاقة . وإذا ماكانت إحدى الوحدتين تناقض الأخرى فعلى الشعب العربي أن يختار منهما الوحدة التي يكون بها . وفيها ، أكثر مقدرة على التحرر والتطور . ولو كنا على أقل قدر من اليقين بأقل قدر من التناقض بين الوحدة العربية والوحدة الاسلامية لاستغفرنا الله عما قدمنا على مدى ربع قرن متصل من أجل الوحدة العربية
ولتبنا ، ودعونا الشعب العربي إلى اختيار الوحدة الاسلامية . لالأننا مسلمون فحسب ، بل لأنها الوحدة الأعرض أرضاً ، والأغنى ثروة ، والأكثر عدداً فهي الأقدر ، لاشك أقدر ، على توفير أسباب فائقة للتحرر والتطور . ولكنا على أكبر قدر من اليقين بألا تناقض بين الوحدة العربية والوحدة الاسلامية دعوة أو نضالاً أو حقيقة . ثم إننا على أكبر قدر من اليقين بأن الوحدة العربية ممكنة في هذا العصر ، ولسنا على يقين بأن الوحدة الاسلامية ممكنة لافي هذا العصر ولافيما يمكن توقعه من مقبل العصور .
لماذا ؟
قبل أن نجيب ينبغي أن نحدد من أين نجيب . اننا نجيب من موقف عداء صارم لتجزئة الأمة العربية ، ولكل مايمثل التجزئة أو يجسدها أو يبررها من مؤسسات أو مصالح أو أفكار أو قوى أو خلق . ونعتقد أن هذا الموقف وحده هو المصدر الوحيد لحق أي إنسان صادق في الدعوة للوحدة العربية أو الوحدة الاسلامية . من هذا الموقف العدائي لتجزئة الأمة العربية يستطيع من يشاء ، ويكون من حقه ، أن يفاضل أو يقارن بين الوحدة العربية والوحدة الاسلامية وأن يختار بينهما . ولكنَا لانعتقد أن ثمة موقفاً أكثر خطأ ونفاقاً من قبول التجزئة أو مباركتها ثم الدعوة إلى الوحدة ، عربية كانت أو إسلامية . إنه ليس موقفا متناقضا فكريا ومضللا سياسياً فحسب ، بل هو موقف عفن أخلاقياً أيضاً . من هنا يكون على الشعب العربي الذي نخاطبه ، قبل الاختيار بين الوحدة العربية والوحدة الاسلامية ، ولكي يستطيع أن يختار مايحقق حريته وتقدمه ويحفظ عليه عروبته ودينه ، أن يحسم موقفه من التجزئة حسماً لارجعة فيه ، إن كان يقبلها فلا يضيعن وقته فيما يحيط به من ” ثرثرة ” حول الوحدة العربية والوحدة الاسلامية . وإن كان لايقبلها ، فعليه ان يجعل من ” الوحدة ” هدف حياته سواء اختار الوحدة العربية أو الوحدة الاسلامية . المهم ، على الشعب العربي الذي نخاطبه أن ينقذ نفسه من زنازين سجن التجزئة التي يسمونها دولاً عربية ، ليطل على وطنه العربي أو عالمه الاسلامي حيث الحياة أكثر حرية وأكثر تقدماً . وسنعرف فيما بعد شيئاً من دور ” جريمة التجزئة ” في إثارة تلك العاصفة الغبراء التي تكاد تضل الشعب العربي عن سبيله القويم لتشغله بحديث لاينتهي عن علاقة لاتحتاج إلى حديث ، هي علاقة العروبة بالاسلام .
51 – أما الآن فنسأل : إننا نعرف أن الوحدة العربية تعني إقامة دولة واحدة على كامل تراب الوطن العربي كما هو محدد تاريخياً . دولة واحدة سواء كانت دولة بسيطة أو اتحادية ” فيدرالية ” ولكن ليست دولة تعاهدية ” كونفدرالية ” . تكون السيادة فيها للشعب العربي على أرضه . ويكون الحكم فيها لمن يختاره الشعب العربي.  وتكون علاقات الناس فيها متفقة مع اشتراكهم في ملكية الأرض التي هي وطنهم . وتكون علاقتها بالدول الأخرى محكومة دائماً بما يحقق مصلحة الشعب العربي . هضه هي الوحدة العربية كما نريدها . فماهو المقصود على وجه الدقة من تعبير ” الوحدة الاسلامية ” ؟
52 – إن كان المقصود ” بالوحدة الاسلامية ” وحدة الضين تلقوا أمراً من عند الله بأن يعتصموا بحبله ولايتفرقوا في الدين ، ( ان أقيموا الدين ولا تتفلرقوا فيه ) { الشورى : 13 } . ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا ) { آل عمران : 103 } . فإننا نستطيع أن نقول إن وحدة الأمة الاسلامية متحققة والحمد لله . الأمة الاسلامية كما عرفنا دلالة التعبير عنها من لغة القرآن : كل المنتمين إلى الاسلام ديناً ( فقرة 6 وما بعدها ) بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وأوطانهم وشعوبهم و أممهم . انهم ليعبرون كل يوم أو كل ساعة عن وحدتهم هضه بما يفرضه الاسلام من مظاهر الوحدة في الدين . إنهم يشهدون بكل لغة أو بدون لغة بأن : لاإله إلا الله وحده لاشريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله . ويصلون جميعاً خمس مرات كل يوم مستقبلين قبلة واحدة أياً كانت مواقعهم من الأرض . ويصومون جميعاً شهراً واحداً معيناً من كل عام هو شهر رمضان ، حتى لو كانوا يعيشون في بقاع يقتسم عامها الليل والنهار . ويؤدون الزكاة . ويحج كل قادر منهم في وقت واحد من كل عام إلى مكان واحد حيث يلتقون مجردين من كل مظاهر التمييز الدنيوي وحيث يؤدون مناسك واحدة . أما الذين لايؤدون فوض الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو الحج عامدين أو ساهين وهم مسلمون ، فإن شعورهم ” بالاثم ” تصديق لانتمائهم إلى الأمة الاسلامية . فهم جزء من وحدتها ولو كانوا آثمين .
أليست هضه هي أركان الاسلام الخمسة التي يتحدد بها الانتماء إليه فتتحدد بها الأمة الاسلامية ؟ بلى . الأمة الاسلامية إذن موحدة في دينها . وهي وحدة لاتنقضها ولاتعوقها الدعوة إلى الوحدة العربية أو النضال من أجلها أو تحقيقها
53 – أما إذا كان المقصود بالوحدة الاسلامية ” دولة ” واحدة يكون الانتماء اليها مقصوراعلى المسلمين فإنها بدعة لايعرفها الاسلام دينا ولم يعرفها تاريخ المسلمين قط . فلم يحدث قط أن قامت ” دولة ” مقصورة على المسلمين دون غيرهم . ولاحتى ” دولة ” المدينة على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام . فلقد عرفنا من قبل
( فقرة 28 ومابعدها ) أن دستورها ( الصحيفة ) كان ينظم الحياة فيها بين ” رعايا ” من المسلمين ومن غير المسلمين ، كما عرفنا بعض ماأنزل في القرآن من أحكام تنظم الحياة في مجتمع مشترك بين المسلمين وغير المسلمين ( فقرة 2 ) . ونعرف أن الرسول عليه السلام قد كتب : ” .. للسيد الحارث بن كعب ولأهل ملته ، ولجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض وغربها . اعطيهم عهد الله وميثاقه أن أحفظ أقاصيصهم ، وأحمي جانبهم ، وأذب عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم وأن أدخلهم في ذمتي وأماني ، ولايهدم بيت من بيوت بيعهم ، ولايدخل شيءمن بنائهم في شيء من أبنية المساجد ولامنازل المسلمين ، فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله ” . وكان قد كتب بمثل هذا عهداً لنصارى نجران . فلما تولى أبو بكر  الخلافة كتب اليهم مؤكداً عهده : ” هذا ما كتب به عبد الله أبو بكر خليفة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران . أجارهم بجوار الله ، وذمة رسوله على أنفسهم وأرضهم ولمتهم وأموالهم وحاشيتهم ، وعبادتهم ، وغائبهم ، وشاهدهم ، وأساقفتهم ، ورهبانهم ، وبيعهم ، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ” . فلَما تولى عمر بن الخطاب الخلافة بعد أبي بكر كتب إلى نصارى المدائن وفارس : ” .. أما بعد فإني اعطيتكم عهد الله وميثاقه ، على أنفسكم وأموالكم وعيالكم ورجالكم وأعطيتكم أماني من كل أذى ،  والزمت نفسي أن أكون من ورائكم ذابَاً عنكم كل عدوَ يريدني بسوء وإياكم .. وأن أعزل عنكم كل أذى ” . وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بإجلاء اليهود من المدينة فإن ذلك لم يكن حكماً بأن تكون المدينة خالصة للمسلمين مقصورة عليهم
ولكن جزاء إخلالهم بدستور المدينة الذي ارتضوه . وآية هذا أنه لم يحكم بإجلائهم جملة ودفعة واحدة ، بل حكم
بإجلاء من خانوا منهم ، بني قينقاع وبني النضير . ثم إنه لم يأمر بإجلائهم عن الجزيرة العربية أو من حيث يوجدون ، بل استجاب إلى طلبهم أن يكون جلاؤهم عن المدينة إلى خيبر . أما الذين لم يخونوا مثل بني قريظة فلم يحكم بإجلائهم وبقوا في المدينة إلى أن خانوا في غزوة الخندق فحكم بإجلائهم هم الآخرين . وإذا كان الخلفة الثاني عمر بن الخطاب قد أمر بإجلاء غير المسلمين من الحجاز ، واعتبره أرضاً مقدسة لاتجوز الاقامة فيها لغير المسلمين فإن الحجاز لم يكن في عهد عمر إلا جزءأً من ” دولته ” . وهو الذي سافر من المدينة إلى بيت المقدس ليعاهد المسيحيين هناك عهده المشهور بما يؤمنهم على أنفسهم وأموالهم ودينهم في ظل دولة الخلافة التي كان فيها أميراً للمؤمنين . لا معنى ، إذن ، لوحدة إسلامية يكون الانتماء إليها مقصوراً على المسلمين .
54 – اما ‘ذا كان المقصود ” بالوحدة الاسلامية ” دولة واحدة يكون لها وحدها الولاية والرعاية والحماية على كل المسلمين في الأرض حتى تتسق وحدة الدولة مع وحدة الأمة فتلك بدعة أخرى لايعرفها الاسلام ديناً ولم يقف عندها تاريخ المسلمين قط . فمنذ ماقبل الهجرة إلى المدينة أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضاً من أوائل المسلمين بالهجرة إلى الحبشة ؛ فهاجروا إلى الحبشة ليكونوا في كنف دولة عليها حاكم من أهل الكتاب أكثر أمناً على دينهم وأنفسهم من اضطهاد قريش في مكة . ثم إنه إلى أن تمت الهجرة إلى المدينة لم يكن للمسلمين دولة ، ولم يحل هذا دون الدعوة إلى الاسلام وممارسة مناسكه . ثم انه بعد الهجرة وإقامة دولة المدينة على أرضها بحدودها لم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ثمة تلازماً بين حدود الدَولة وحدود الدعوة ، فأرسل إلى هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي تلك الرسائل التي أشرنا إليها من قبل ، يدعوهم فيها إلى الاسلام ولم يدعهم إلى أن يكونوا مع المدينة دولة واحدة . أولو قد آمن كسرى أو هرقل أكان مقضياً أن تنضم امبراطورية الروم وامبراطورية الفرس إلى دولة المدينة ؟ كيف اذن دعاهما الرسول إلى الاسلام من قبل أن يعدَ عدَته ليحكم امبراطوريتين ؟ ثم إن عمر بن الخطاب ، الخليفة الثاني ، قد أبرم مع الفرس معاهدة صلح بعد أن فتح سعد بن أبي وقَاص مدينة ” المدائن ” على أثر انتصاره الساحق في موقعة القادسية ، وكان من بين ماأرتضاه أمير المؤمنين في تلك المعاهدة أن تكون سلسلة الجبال التي تلي العراق شرقاً حدوداً ” دولية ” بين دولة الخلافةوإمبراطورية الفرس . والتزاماً بتلك المعاهدة أصدر أمير المؤمنين أوامره بالاَ تجتاز جيوش المسلمين تلك الحدود . هذا ماأرتضاه عمر بن الخطاب حدوداً للدولة . فهل أرتضى أمير المؤمنين ، أو كان يمكن أن يرتضي ، أن تكون تلك حدود الدعوة أيضاً ؟ . ثم إنه منذ خلافة عمر بن الخطاب كان الدين الاسلامي قد بدأ في الانتشار خارج الدولة إلى درجة لم يكن يعرف ، حتى الخلفاء ، مداها .
فنرى أنه بينما كان الخليفة العباسي القائم بأمر الله مذعوراً من نبأ الغزو المغولي المندفع نحو دولته قادماً من شمال وسط آسيا حيث إقليم بحيرة بيكال مكتسحاً مايليه غرباً بما فيها فارس ، إذا به يعرف من رسالة قائدهم طغرل بك مالم يكن يعرفه : إنهم مسلمون . فيتصل بهم ويتصلون به ( 1055 م ) ويستعين بهم في شؤون دولة الخلافة فيصبحون فيها دولة داخل الدولة ، هي دولة السلاجقة . ممن بلغتهم الدعوة فأصبحوا مسلمين ؟ لاأحد يدري . فقد كان الرحالة والتجار المسلمون يبشرون بالاسلام ويدعون اليه بعيداً عن حدود دولة الخلافة ويقدمون ، بعد آياته ، نماذج من أنفسهم للانسان المسلم فيهتدي إليه كثيرون . إن مئات الملايين من المسلمين اليوم ، في الهند والصين وماليزيا واندونيسيا والفلبين والاتحاد السوفياتي وشرق أفريقيا ومئات الجزر المتناثرة في المحيطات …. الخ ، كل هؤلاء وأسلافهم وأسلاف أسلافهم لم يهتدوا إلى الاسلام في ظل دولة الخلافة أو بفعلها منذ أن نشأت في عهد أبي بكر إلى أن انقضت ، ولم يكونوا يوماً من رعاياها ، ولا زعم أي خليفة انهم رعاياه . وهم هم الذين يكوَنون اليوم الأغلبية من الأمة الاسلامية  ألا نرى في هذا وحده تصديقاً واقعياً لما جاء في القرآن من أن الاسلام رسالة إلى الناس جميعاً ؟ . ألا نرى قدرة ضوء الشمس يصل إلى كل الأركان بدون اصطناع في قوة عقيدة الاسلام على الاقناع بدون دولة مصنوعة ؟ لماذا ، إذن ، يصطنع بعض المسلمين تلازماً بين الاسلام والدولة فيحبسون الاسلام في دولة ؟ إذن ليس ثمة تلازم بين وحدة الأمة الاسلامية ودولة واحدة لكل المسلمين .
55 – إن ” الوحدة الاسلامية ” في دولة بهذا المعنى هي التي كنا نعنيها عندما قلنا بأننا لسنا على يقين بأنها ممكنة لافي هذا العصر ولافيما يمكن توقعه من مقبل العصور . يكفي لمن يظن أنها ممكنة ، أو متوقعة الامكان
أن يتصور أن إقامة دولة إسلامية واحدة تكون لها الولاية والرعاية والحماية على كل المسلمين لن يحتاج إلى ماهو دون غزو الكرة الأرضية بكل دولها لفرض سيادة الدولة الاسلامية الواحدة على مئات الملايين من المسلمين المقيمين في أنحاء الأرض جميعاً . ثم يكون على هذه الدولة الاسلامية الواحدة أن تتربص بكل إنسان يهتدي إلى الاسلام ديناً لتفرض عليه ولايتها ورعايتها وحمايتها . وقد تكون على الدول الأخرى ، إن بقيت دول أخرى ، أن تساوي بين اعتناق الاسلام ديناً وبين الخيانة العظمى للوطن في عقوبة الاعدام . أو قد يكون أيسر سبيل لمن يريد أن يتحرر من الأعباء الوطنية التي يفرضها عليه انتماؤه إلى دولته مثل الجندية أو الضرائب ..الخ، أن يتظاهر باعتناق الاسلام ديناً ثم يستدعي ” دولته ” الاسلامية لحمايته فيكون على الدولة الاسلامية أن تضع شروطاً لمن تعترف به مسلماً غير ماوضعه الله ، كما فعل والي خراسان المدعو أشرس حين كثر دخول الناس في الاسلام فقلَت حصيلة الجزية فلم يعترف بإسلامهم وفرض الجزية عليهم وهم مسلمون ( 763 م ) فكانت فتنة ” المرجئة ” . فإن لم يكن هذا ولاذاك فإن الدولة الاسلامية بهذا المعنى لن تقبل أقل من أن يكون للمسلمين في كل دولة ” امتيازات ” الاعفاء من الولاء للدولة التي يقيمون فيها فلا يخضعون لقوانينها ولايحاكمون أمام قضائها . شيء مثل تلك ” الامتيازات ” التي فرضتها الدول الأوروبية على الدولة العثمانية والتي أدت في النهاية إلى التخريب الفكري والخلقي لأصحابها ، والمذلة والهوان والحيف لرعاياها من غير
“الممتازين ” .في كل هذه الحالات لن يكون الايمان هو السبيل إلى الاسلام ، بل المداهنة والغش والنفاق ، وهو مارفضه الاسلام منذ عرفه في بداية الرسالة ( قالت الأعراب آمنَا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم ) { الحجرات : 14 } . ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلا ) { النساء : 142 } . ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) { النساء : 145 } . وفي كل هذه الحالات لن يكون الاختيار الحر هو السبيل إلى الاسلام بل الاكراه ، وهذا مايرفضه الاسلام . ( لاإكراه في الدين ) { البقرة : 256 } .
إنها دولة أوهام لا دولة إسلام
  56 – وإننا لانكاد نصدَق أن من بين دعاة الوحدة الاسلامية من يقصد بها – جاداً – واحدة من دولتي الأوهام
أن تكون مقصورة الانتماء على المسلمين أو أن تكون شاملة الولاية على كل المسلمين . لأننا لانعرف كيف يمكن أن يكون في عقل يعرف الاسلام مكان لمثل هذه الأوهام . ولكن الحديث العام بدون حدود ، المطلق بدون قيود عن الوحدة الاسلامية على مسمع من الشعب العربي قد يثير من الأوهام مايخالط وعيه ، أو قد ينسج من الأحلام المستحيلة مايشد انتباهه بعيداً عن الآمال الممكنة . فأردنا أن نزيح عن موضوع الحديث بعض الأوهام التي يثيرها المتحدثون . ثم نعيد السؤال لنتذكر أصل موضوع الحديث : ماهو المقصود على وجه الدقة من تعبير الوحدة الاسلامية ؟
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s