القهر المادي

jawab

القهر المادي
197 – فمنذ بداية القرن التاسع عشر تعرضت الأمة العربية لموجة غزو بربريّ عنيف شنته القوى الرأسمالية في أوروبا ، وسخّرت لإتمامه كل ما أستطاعت أن تعدّه من قوة حتى شعوبها نفسها ، غايته الاستيلاء على الأرض ( الوطن ) بما هي ثروة ومصدر ثروات ، واستغلال الشعب كقوة عمل وكمستهلك لتغذية وتنمية وتطوير النظام الرأسمالي في أوروبا طبقاً لقوانينه الصمدي مثلّث القواعد : الفردية ، والمنافسة الحرة ، والربح ولقد تنافست في السباق إلى استعمارنا القوى الرأسمالية الأوروبية الى حد الاقتتال ( فرنسا وانكلترا على مصر) ، وداهمونا فرادى ، ومتفقين ، وانتهى الأمر بأن استولت انكلترا وفرنسا واسبانيا وايطاليا على كامل الأمة العربية أرضاً وشعباً . واصطنعت كل دولة منها نظاماً للحكم والإدارة يحقق لها غايتها الاستعمارية ، وفرضته بالقوة الباطشة على الشعب العربي في كل قطر احتلته ، تحرسه قوة مسلحة من جند المستعمرين أو من جند المستعمرات مقيمة فيه . كان ذلك هو الاستعمار الرأسمالي الأوروبي السافر الوقح في ظل وحراسة احتلال عسكري قاهر و قادر . وكان – على وجهه الاستعماري والعسكري – صريحاً في الولاء لغايته . فلم يعن المستعمرون إلا بما يحقق تلك الغاية ويحفظها . وهكذا كان المستعمرون قلة إدارية تحرسها كثرة عسكرية ، منعزلة عن الشعب مستعلية عليه لايهمها من امره إلا ان يبقى قادراً على العمل ، ولايهمها من أفراده إلا من تختارهم ليؤدوا عنها مايلزم من وظائف الحكم والإدارة لحماية وجود الاستعمار وأمن جنده ، وذلك بالقدر الكافي ، كماً وكيفاً لأداء خدماتهم . وتركوا للناس ما عدا ذلك من شؤون حياتهم . وكان من بين ما تركوه بدون بدون تدخل الإسلام كعقيدة ومناسك بعد استبعاده – بحسم – كنظام للحياة العامة والمعاملات بين الناس ( ماعدا قواعد الأحوال الشخصية ) ثم إنهم قد تركوا لهم العادات والتقاليد والآداب على ألا تمس وجودهم ومصالحهم وأمن جندهم والترفيه عنهم أيضاً .
198 – لم تكن موجة الغزو البربري العنيف الذي شنته القوى الرأسمالية في أوروبا مقصوراً على الأمة العربية لقد اكتسحت العالم كله فتحول العالم كله إلى مستعمرات . ولأنه استعمار رأسمالي فإنه كان محكوماً في تعامله مع المستعمرات المتعددة بالقانون الرأسمالي : الربح ومزيد من الربح . والربح يزداد كلما زاد الطلب على السلع ثم يزداد كلما قلت تكلفة الانتاج ، ثم يزداد كلما زاد انتاج كل سلعة . . . باختصار ، يزداد الربح كلما اقترب المشروع الرأسمالي من الانتاج الكبير واتسع السوق وتوحد . فكان الرأسماليون منذ البداية سباقين الى توحيد الاقاليم ، واولها قيادة حركات الوحدة القومية في أوروبا المعاصرة للنمو الرأسمالي ، وهي الظاهرة التي أوحت الى الماركسيين بأن يستنتجوا من ملاحظة تزامن الوحدة القومية والنظام الرأسمالي في أوروبا ما ذهبوا إليه من أن الأمم صناعة بورجوازية . ( فقرة 48 ) . ولكن هذا الوحي لايلبث أن يصبح وهماً بعد ملاحظة أن التكوين القومي سابق على الوحدة القومية ( السياسية ) . ثم ان الوهم يتبدد حين يتحول النظام الرأسمالي الى نظام استعماري . فأينما ذهب الغزاة المستعمرون فاستولوا على الأرض والشعب وحّدوا المستعمرات المتجاورة وشعوبها المتنافرة واقاموا لها إدارة مركزية لتحقيق أفضل الظروف الاقتصادية اللاّزمة للربح ، ومزيد من الربح ، بصرف النظر عن التمايز أو الخلاف بين الأوطان والشعوب .
احتلت انكلترا القارة الهندية ولم تكن موحدة لاسياسيا ولا إدارياً ولا شعبياً ولا لغوياً ولا حضارياً ، فوحدتها تحت ادارة استعمارية مركزية واحدة وبقيت موحّدة إلى أن تحررت فانفصلت دولاً . واحتلت فرنسا جنوب شرق آسيا ( فييتنام وكمبوديا وتايلاند ولاوس ) ولم تكن موحدة من قبل لاسياسياً ولا إدارياً ولا شعبياً ولا لغوياً ولا حضارياً فوحّدتها تحت اسم الهند الصينية الفرنسية تحكمها ادارة استعمارية مركزية ، وبقيت موحدة إلى أن تحررت فانفصلت دولاً . واحتلت هولندا مئات الجزر المنفصلة بحراً ، ولم تكن موحدة لاسياسياً ولا إدارياً ولا شعبياً ولا لغوياً ( 17 لغة ) ولا حضارياً ، فوحّدتها واقامت فيها ادارة مركزية استعمارية واحدة وبقيت موحدة إلى ان تحررت ، وحاولت أن تبقى موحدة تحت اسم ” الولايات المتحدة الاندونيسية ” ( 1949 ) فلما فشلت الوحدة ، انفصلت غينيا الجديدة ( 1954 ) . واحتلت مجموعات استعمارية مهاجرة من دول أوروبية غير موحدة لاسياسياً ولا إدارياً ولا شعبياً ولا لغوياً ولا حضارياً ، شمال القارة الأمريكية ، وبعد إبادة شعبها أو شعوبها ، تنافس المستعمرون عليها واقتتلوا ولكنهم خضعوا أخيراً لحكم القانون الرأسمالي فتوحدوا تحت ادارة مركزية واحدة في كندا ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية . واحتل الايطاليون الحبشة واريتريا والصومال وجيبوتي ، ولم تكن موحدة لاسياسياً ولا إدارياً ولا سعبياً ولا لغوياً ولا حضارياً فوحّدوها تحت ادارة استعمارية مركزية واحدة وبقيت موحدة إلى ان تحررت فانفصلت دولاً . . . الخ .
كان كل هذا الاتجاه التوحيدي خضوعاً لقوانين النظام الرأسمالي ولم يرتكب الاستعمار الرأسمالي مخالفة أو جنحة أو جناية خروجاً عليها . . . إلا في الأمة العربية .
لماذا ؟
199 -لأن الاستعمار الأوروبي الرأسمالي للأمة العربية بدأ استقطاعاً ، جزءاً بعد جزء حتى الحرب الأوروبية الأولى ( 1914 – 1918 ) . وكل جزء سقط عزله المستعمرون عن باقي الأمة العربية . ثم إن القوى الاستعمارية التي استولت معاً على كامل الأمة العربية كانت متعددة ومتنافسة ، فتوزعت الأمة العربية أجزاء بين تلك القوى . ثم ان الوطن العربي كان مقسماً إدارياً إلى ولايات من قبل داخل الدولة المركزية الواحدة ، فسهل تحويل الخطوط الإدارية الى حدود سياسية . ولكن كل هذا وحده لم يكن ليحول دون أن توحّد كل دولة مستعمراتها المتجاورة خضوعاً لقوانين النظام الرأسمالي . فهو لايفسر مثلا لماذا لم توحّد فرنسا تونس والجزائر والمغرب كما فعلت في جنوب آسيا ؛ ولماذا لم توحد انكلترا السودان ومصر وفلسطين والعراق والخليج كما فعلت في الهند . ولماذا لم توحد اليمن الجنوبي وعمان .ولماذا لم تعترض على وحدة نجد والحجاز ، واعترضت على وحدتهما واليمن . ولماذا احتلت السودان باسم مصر ، ثم عزلتها عنها ، وهي تستعمر القطرين  ولماذا أحبطت الدول الاستعمارية مشروع محمد علي ، العربي التوحيدي ، ثم ضغطت على الدولة العثمانية لإطلاق يده في مصر . . . الخ . اكثر من هذا ، لماذا جزأت فرنسا ما استعمرته من الشام وكان موحداً ؟ ولماذا جزأت انكلترا مااستعمرته في المشرق العربي ، وكان موحداً ؟ وقبل هذا وفوقه ، لماذا تواطأوا جميعاً على تجزئة الوطن العربي المجزأ بإقامة حاجز بشري غريب في فلسطين بفصل مشرقه عن مغربه ؟
200 – في عام 1937 نشر في فرنسا كتاب مترجم عن الألمانية يحمل عنوان الله أكبر يتضمن تقريراً كتبه عميل صهيوني اختار لنفسه اسماً مستعاراً ” محمد أسعد بك ” ، قدمه إلى أحد قادة الحركة الصهيونية المستشرق النمساوي د . فولفجانج ف . فايست ، يقول فيه : ” إن خلاصة الاسباب الجديّة للكفاح من أجل الأرض المقدسة هو موقعها الاستراتيجي وتأثيره في المستقبل . فلو عادت فلسطين الى دولة وحدة عربية تشمل مصر لقامت هناك قوة من 25 مليوناً من المسلمين تتحكم في قناة السويس وفي الطريق الى الهند . أما إذا بقيت فلسطين مستقلة ، أو إذا أصبحت دولة يهودية ، فإنها ستكون عقبة في سبيل قيام تلك الدولة الكبرى ، حتى لو توحدت دول عربية أخرى . إن دولة صغيرة عازلة تقوم على 100,000 كيلومتر مربع على ضفتي نهر الأردن ستحول – من ناحية – بين كل دولة عربية وبين دولة عربية أخرى : ستحول بين سورية الفقيرة اقتصادياً وبين الاتحاد مع مصر ، وهو اتحاد لايمكن منعه بغير إقامة تلك الدولة العازلة . وستحول بين مصر المسالمة وبين مد الحركة الوهابية المقاتلة . إن التوازن حول قناة السويس يتوقف ، إذن ، على حياد فلسطين . يتوقف على فلسطين تكون مثل سويسرا عند نقطة اتصال ثلاث قارات . إن هذا الحياد سيكون موازياً لتطور الاستيطان اليهودي . ذلك لأن اليهود هم وحدهم أصحاب المصلحة في هذا الحياد ، وليس العرب أو المسلمون . فهؤلاء هم الدعاة المتحمسون للاندماج في دولة كبرى ” – أورده بيتر ديستريا في كتابه من السويس الى العقبة( 1968 ) .
والواقع التاريخي أن إقامة دولة عازلة في فلسطين تحرس الشريان الملاحي الذي يجري من الأرض العربية من بور سعيد إلى السويس إلى باب المندب من ان تسترده دولة واحدة عربية قادرة على استرداده والتحكم فيه باعتباره طريقاً بحرياً داخلياً ، كان مشروعاً استعمارياً منذ أن حصلت فرنسا على امتياز حفر قناة السويس ( 30 تشرين الثاني / نوفمبر 1854 ) ، فاتجهت انكلترا ، المنافسة الاستعمارية لفرنسا ، إلى وضع مشروع شق قناة تبدأ من حيفا ، ثم تجري في منخفض الغور وتنتهي في العقبة ، تقوم على حراستها دولة عازلة في فلسطين من العرب الدروز تحشدهم فيها انكلترا . وفشل المشروع ، أو صرف النظر عنه ” لأن العرب أو المسلمين هم الدعاة المتحمسون للاندماج في دولة كبرى ” . واستطاعت انكلترا ان تستبدل به هيمنتها على قناة السويس .
وبينما كانت الدولة العازلة ، الحائلة دون قيام دولة الوحدة الكبرى ، مشروعاً استعمارياً معين المكان والأسباب كانت ثمة بدائل كثيرة عن فلسطين مطروحة لتنفيذ مشروع الاستيطان الصهيوني . كان من بينها ما يدخل في إطار الوطن العربي ( شمال غرب الجزيرة العربية أو ” أرض مدين ” ، سهل البقاع ، سيناء ، حوران ، الخليج العربي ، شرق الأردن ، ليبيا ) . وكان من بينها ماهو خارج الوطن العربي مثل الارجنتين وقبرص واوغنده ( راجع دراسة بالغة الجودة عن مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى  تأليف الدكتور أمين عبد الله محمود – سلسلة عالم المعرفة – العدد 74 ) .
لم يكن المشروع الاستعماري والمشروع الصهيوني ، اذن ، مرتبطين نشأة واسبابا . ولكنهما اتفقا غاية عندما تحددت فلسطين العربية مكاناً لتنفيذ المشروع الصهيوني حيث تحول الدولة العازلة دون الأمة العربية ووحدة دولتها ، فتحمي المصالح الاستعمارية ، وحيث تمكن الصهيونية من اقامة دولة عنصرية يحميها الاستعمار . وطالما كانت انكلترا تحتل فلسطين كان وجودها يغني الاستعمار عن المشروع الصهيوني . ولكن الحرب الأوروبية الثانية قد اندلعت ( 1939 – 1945 ) وانتهت بتدمير المانيا النازية وحلفائها المنهزمين تدميرا . ولكنها انتهت ايضا بإفلاس انكلترا وفرنسا المنتصرتين إفلاساً لم تعد أي منهما معه قادرة على الاستمرار في تحمل تكلفة إدارة المستعمرات وحراستها . فانسحبت انكلترا من المستعمرات بما فيها فلسطين وتولت الولايات المتحدة الامريكية ، قائدة انتصار الحلفاء ، والرابح الوحيد من الحرب ، قيادة المرحلة التالية من مراحل الاستعمار الذي أصبح امبريالياً . وبإعلان انكلترا أنها ستنسحب من فلسطين لم يعد ثمة مبرر لتأجيل المشروع الصهيوني ، وتولت الولايات المتحدة أمر إنشاء دولة عازلة صهيونية في فلسطين باسم ” اسرائيل ” واعترفت بها الولايات المتحدة الأمريكية فور إعلان قيامها عام 1948 ، وستبقى الولايات المتحدة الامريكية فيما يلي ذلك من سنين ، كفيلة بتأمين الوجود الصهيوني في فلسطين . وستبقى المؤسسة الصهيونية ( اسرائيل ) كفيلة بحراسة المصالح الاستعمارية . ففي عام 1948 أمدت الولايات المتحدة الامريكية العصابات الصهيونية بكل الأسباب المادية والعسكرية والسياسية ، والدبلوماسية العلنية والخفية لتهزم جيوش الدول العربية المتدخلة ” لانقاذ فلسطين” أو لتنهزم لها . فقامت الدولة الصهيونية الحارسة لدى الامبريالية الامريكية مصالحها في الوطن العربي . واعترفت الولايات المتحدة الامريكية بالدولة الحارسة فور اعلان قيامها وأفسحت لها مكاناً في هيئة الأمم المتحدة .
وفي عام 1956 اشتركت المؤسسة الصهيونية ( اسرائيل ) في العدوان الثلاثي على مصر الثورة لحساب الامبريالية الأمريكية على وجهين . الوجه الأول لردع مصر الثورة التي ماأن تحررت حتى راحت تشارك على اتساع الوطن العربي في معارك التحرير فتقود الجماهير العربية ضد المشروع الاستعماري ( مشروع ايزنهاور ) وتسقط مصيدة الامبريالية ( حلف بغداد ) وتستأنف دورها كمركز قيادة وإمداد فتصبح القاهرة مركز قيادة وإمداد الثورة التحررية في الجزائر ، ثم ترفض التبعية للإمبريالية الامريكية فتكسر احتكار السلاح وتتعامل مع المعسكر الاشتراكي ، وترد ثورياً على محاولة الولايات المتحدة الامريكية فرض تبعيتها في شكل شروط اقتصادية وسياسية ورقابية للمساهمة في بناء السد العالي ، وسحب الوعد بالمساهمة إثر رفض الشروط  فتؤمم ” مصر الثورة ” قناة السويس وتشترك اسرائيل في العدوان الثلاثي ضد مصر لحساب الإمبريالية  الأمريكية ، كان ذلك وجهاً ، أما الوجه الثاني ، فالاشتراك مع انكلترا وفرنسا في معركة استعمارية قد يؤدي الانتصار فيها الى عودة الدولتين الاستعماريتين إلى الوطن العربي ، وذلك لحساب الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً ، بالحيلولة دون عودتهما منافستين غير مرغوب فيهما . أدت دورها وأمرت بالانسحاب من سيناء ، فانسحبت بعد أن تم انسحاب القوات الانكليزية الفرنسية وليس قبل ذلك ، وقبضت الثمن المرور في مضيق تيران في حراسة قوات دولية .
في الذكرى الثانية لحرب 1956 ستعلن الصهيونية عن وظيفتها في تجزئة الوطن العربي وحماية تجزئته ، فتنشر مجلة ” الأوبزرفاتير دي مويان أوريان ” مقالاً في تلك المناسبة ( تشرين الثاني / نوفمبر 1958 ) تقول فيه إن التفوق الاسرائيلي قدم ضماناً لحماية الوضع القائم ضد المحاولات الوحدوية . لقد أصبح واضحاً أن حفظ التوازن فيما بين الأقطار العربية المجاورة لإسرائيل والاقطار العربية عامة مهمة يتولاها الاسرائيليون ، وتدخل في نطاق واجباتهم . إننا نقوم هنا على تنفيذ ” مبدأ مونرو ” خاص بالشرق الأوسط ، إذا صح التعبير . إن القرار الذي اتخذناه بهذا الخصوص منذ عشر سنوات ( أي منذ 1948 ) قد أدى إلى الاستقرار والسلام بدلاً من الخوف . فنلاحظ أن قرار التجزئة وحراستها قد اتخذ منذ انشاء الدولة الصهيونية في عام 1948 . ونلاحظ من الحديث عن ” التوازن بين الأقطار العربية المجاورة لاسرائيل ” انه إعادة حرفية للصيغة التي مرت بنا من قبل في اقتراح الدولة العازلة التي تحول دون الوحدة العربية قبل أن تنشأ الدولة الصهيونية بسنين طويلة .
201 – وفي عام 1956 ، أيضاً ، دخلت الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج معركة الدفاع عن مصر الثورة بكل سلاح متاح ، بما في ذلك قطع أنابيب النفط ، والاشتراك الايجابي في القتال ، فلما أسفرت الحرب عن فشل العدوان الثلاثي أدركت قيادة مصر الثورة أن الوطن العربي ليس مجرد دائرة حول مصر ، ولا مجالاً حيوياً لها ، بل الوطن القومي للأمة العربية ، التي ليست مصر إلا جزءاً منها . فتحولت الثورة التي بدأت مصرية إلى ثورة ذات اهداف قومية ، ووثّقت هذا التحول المادة الأولى من دستورها الأول ( 1956 ) .
وأصبح جمال عبد الناصر رئيس دولة مصر القائد المعترف به عربياً ودولياً للجماهير العربية . فلم تلبث أن فرضت الجماهير العربية الوحدة مع سورية ومصر ( 1958 ) . نفضل أن نقول ألغت الجماهير العربية التجزئة بين سورية ومصر . فلما اراد المستعمرون عرقلة المد الوحدويّ ، واصطنعوا لذلك اتحاداً عشائرياً ( هاشمياً ) بين حكام الأردن وحكام العراق ، أطاحت الجماهير الوحدوية بالحاكمين في العراق ( 1958 ) .
هنا توقف المد الوحدوي فلم يلتحق العراق بدولة الوحدة ، فبدأ الانحسار وتوالت الهزائم التي لعبت فيها التجزئة دوراً أساسياً .
202 – كانت غاية تجزئة الأمة العربية ، منذ البداية ، الحيلولة – بالقهر المادي – بين الشعب العربي والوحدة العربية . والوحدة العربية تتجسد سياسياً في وحدة الدولة القومية على كامل تراب الوطن العربي ، وتتجسد نضالياً في وحدة قوى الثورة العربية من أجل التحرر . فكانت التجزئة بالرغم من عدم توافقها مع مقتضيات الاستعمار الرأسمالي أنسب الوسائل في واقع الأمة العربية القومي لتمكين الاستعمار ، إذ هي تجزئة لقوى مقاومته ، ثم لتأمينه ، إذ هي تجزئة لقوى الثورة عليه . اما انها تحد من مدى التزايد الممكن للأرباح الرأسمالية ،  فيمكن تعويضه من اتساع الوطن العربي وثرواته المتنوعة الموزعة على أقطاره . وإذا كان العرب ، وهم لم يكونوا عرباً إلا بوحدة انتمائهم الحضاري إلى أمة واحدة ” سيكونون من الدعاة المتحمسين للاندماج في دولة عربية كبرى ” واحدة ، فإنهم ، استجابة لوحدة الانتماء القومي هذه ، سيكونون من المتحمسين للمساهمة في ثورة عربية واحدة . ولقد كان المستعمرون يعرفون من تاريخهم القريب كيف وحّدت القومية قوى التحرر فهزمت المشروع الاستعماري البونابرتي في اوروبا ، وكيف وحدت قوى الشعب فأقامت دولاً قومية على أنقاض التجزئة الإقطاعية . وما كان كل ذلك ليصحّ إلا لأنهم كانوا يعرفون أنهم يواجهون أمة مكتملة التكوين . وهو طور من النمو الاجتماعي لم تصادفه الموجة الاستعمارية في المجتمعات القبلية والشعوبية التي استعمرتها فوجدتها خليطاً تحت إدارة مركزية واحدة .
203 -وقد أدت التجزئة دورها في تمكين الاستعمار من الأمة العربية وتأمين وجوده . فقد بدأت مقاومة الاستعمار في جميع الأقطار فور الاحتلال . فما أن احتلت فرنسا الجزائر عام 1930 حتى قامت الثورة التحررية الأولى عام 1932  . وفي ذات الليلة التي أجبرت فيها فرنسا السلطان عبد الحفيظ على توقيع وثيقة احتلال مراكش ، قامت الثورة التحررية الأولى ، وحاصر الشعب العاصمة ، فدكّتها المدفعية الفرنسية لتنقذ السفّاح الماريشال ليوتي . وعلى أثر احتلال تونس قامت ثورة التحرير بقيادة علي بن خليفة ، وفي مصر بدأت ثورة التحرير بقيادة أحمد عرابي فور الإنذار بالاحتلال وقبل أن تطأ الجيوش الانكليزية شاطىء الاسكندرية . فلما انهزمت ثورة ” أولاد العرب ” – كما كانوا يسمونها في مصر – ثار العرب بقيادة المهدي في السودان . وأنذر المهدي الخديوي توفيق ، الخائن ، بأنه قادم بجيشه لتحرير مصر من الغزاة . فلما مات قبل أن ينفّذ وعيده نفّذه خليفته التعايشي ، فأرسل حملة إلى مصر بقيادة النجومي عام 1885 . وما ان استأثر الأتراك الطورانيون بالسلطة في الدولة المشتركة وبدأوا محاولة ” تتريك ” العرب قهراً حتى بدأ الإعداد للثورة التحررية في المشرق تحت قيادة الشريف حسين لتحريره من القهر التركي . فلما افتقدت مساندة القوى الشعبية في المغرب العربي ، بفعل التجزئة التي فرضها المستعمرون ، قبلت مساندة المستعمرين فارضي التجزئة التي حرمتها من مساندة القوى الشعبية ولم تفطن قيادتها إلى التناقض الموضوعي في موقفها من أعدائها وكان في ذلك مقتلها . فلما انكشف هذا التناقض ونكثت القوى الاستعمارية عن الوفاء بوعود الاستقلال ، اندلعت ثورات التحرر في مصر ( 1919 ) وفي العراق وسورية ولبنان ( 1920 ) . ثم لم تتوقف الثورات التحررية أبداً على الأرض العربية . ما ان تنتهي ثورة في مكان ، ولو بالهزيمة الموئسة ، حتى تبدأ ثورة في مكان آخر كلّها أمل في النصر . وكان أمل النصر في كل ثورة أملاً عربياً في نصر عربي تهفو إليه وتتطلع جماهير الشعب العربي التي تحول التجزئة دون اشتراكها في تحقيقه . ويخاطر بعض الأفراد والجماعات باختراق الحواجز إلى حيث الثورة ليسهموا فيها أو ليحملوا إليها الامدادات ، ويستضيفوا اللاجئين إليهم بعد الهزيمة ، ويعانوا ما يعانون من مرارة الشعور بالهزيمة في انتظار جولة ثورية أخرى .
برغم هذا ، وبرغم البطولات الأسطورية والتضحيات الجسيمة لم يكن النصر حليفاً لأية ثورة عربية على مدى أكثر من قرن . لأن قوى الثورة كانت فصائل متفرقة بين الأجزاء المعزولة بالحدود التي فرضها المستعمرون فافتقد الثوار في كل الأجزاء وحدة الجماهير المساندة ، ووحدة القوى الثورية الرائدة ، ووحدة المنظمة القائدة ، فافتقدوا وحدة الخطة الثورية ، ووحدة الغاية الاستراتيجية ، ورحابة المناورة للتحركات التكتيكية ، فانهزم كل فصيل وهو يدافع عن امة واحدة . قاد عبد القادر الجزائري الثورة التحررية في الجزائر خمس عشرة سنة ( 1832 – 1847 ) ، ثم انهزمت الثورة في الوقت الذي كانت فيه الجيوش العربية في مصر كافية لردع فرنسا ذاتها . ففي تاريخ غير بعيد قبل هذا وبعده كان الجيش العربي من مصر ، يقاتل براً وبحراً في القرم (روسيا ) ، وفي المورة ( اليونان ) ، وفي اواسط أفريقيا وفي الحبشة ، وعبرت كتائبه مياه المحيط الاطلنطي لتحارب في المكسيك دفاعاً عن امبراطورها الالماني الأصل فرديناند ماكسيميليان ( 1832 – 1867 ) بناء على طلب من فرنسا . وفي عامين اثنين كانت الثورات التحررية قائمة على قدم وساق في المغرب وفي تونس وفي ليبيا وفي مصر وفي العراق وفي سورية وفي لبنان ، وانتهت جميعاً الى هزيمة كاملة ، أو إلى شيء يشبه – في أفضل الحالات – معاهدة 1936 بين مصر وانكلترا .
ولما توقف المد الوحدوي دون العراق عام 1958 فقدت دولة ” الجمهورية العربية المتحدة ” سمتها القومية وأصبحت دولة قائمة على التجزئة تلتزمها وتحميها بقوة الدولة فيها . فهزمت التجزئة كلاً من ثورة العراق ، ووحدة 1958 . اغتالت القوى الشعوبية ثورة العراق في حماية التجزئة ( 1959 ) . وانفصلت سورية عن مصر ( 1961 ) انفصالاً سهلاً لأن وحدة 1958 لم تقبل التجزئة ممثلة في حدودها الخارجية فقط ، بل أبقت عليها في نظامها الداخلي أيضاً . توحّد الإقليمان في : رئاسة الجمهورية ، وفي حكومة مركزية ، وفي مؤسسة تشريعية ، أي توحّدا حكّاماً ، ولكنهما بقيا مجزأين نظاماً ، لكل حكومة ، وجيش ، واقتصاد ، ومالية ، ونقد ، وتجارة واتفاقات دولية . وكانت الجماهير العربية الملتقية على هدف الوحدة تحت قيادة واحدة ما تزال مجزأة أفراداً وشللاً وجماعات ومنظمات وأحزاباً ، فأعجزتها التجزئة عن الدفاع عن الوحدة ضد حفنة من الانفصاليين فجاء الانفصال سهلاً . فلما ردّت مصر الثورة على المؤامرة الاستعمارية الانفصالية بالمساهمة الايجابية العسكرية دفاعاً عن ثورة اليمن الشمالي ( 1962 ) ثم مدت مساهمتها إلى اليمن الجنوبي ، وفجّرت فيه ثورة التحرر فتحرر ( 1964 ) ، ثم توقفت ثورات التحرير دون الوحدة : لم تتحقق حتى وحدة شطري اليمن لأن قوى الثورة فيهما كانت مجزأة . وفي عام 1963 اجتمع في القاهرة قادة مصر والعراق وسورية واتفقوا على ميثاق فكري واحد . ودستور واحد ، وإقامة دولة واحدة تضم الأقطار الثلاثة ، وحدّدوا لقيام الدولة موعداً قريباً كان فشل المشروع أقرب منه ، لأن القوى التي اجتمعت وتحاورت واتفقت على كل ما يلزم لقيام الوحدة كانت مجزأة منظمات ونظماً . ولم يلبثوا جميعاً أن تلقوا إنذار دولة الصهاينة ، حارسة التجزئة ، على لسان ليفي اشكول ، رئيس وزرائها ، في رسالة أذيعت في كانون الأول / ديسمبر 1966 : إن سياسة إسرائيل منذ 1958 ( أي منذ عام الوحدة بين مصر وسورية . . . ! ! ! ) أن تحول بالقوة دون أي تغيير يحدث في الوضع القائم للبلدان العربية . واستمعوا إلى تأكيد أبا ايبان وزير الخارجية الصهيوني في تصريح أدلى به في لندن في شباط / فبراير 1967 : يجب أن يكون واضحاً ( لمن . . . ؟ ! ) أن مصير المنطقة العربية لايمكن أن يكون في الوحدة . بالعكس انه في الاستقلال القائم على التجزئة .
كان ذلك إنذاراً مبكراً ، بان الولايات المتحدة الأمريكية تعد لتصفية النظام المتحرر من التبعية ، المتحول إلى الاشتراكية ، في مصر العربية التي لم تقبل على مدى تاريخها الجغرافي قبل الفتح العربي أن تنعزل داخل حدودها عما يحيط بها من أقطار ، ولم يحدث على مدى تاريخها القومي أن عزلت أو انعزلت عن الأمة العربية التي هي جزء منها إلى ان عزلها الاستعمار بالقوة الباطشة . فكانت حرب 1967 والهزيمة العسكرية القاسية . ولقد حاولت كل من سورية والأردن والعراق أن تقفز فوق التجزئة في سلسلة اتفاقات دفاع مشترك انعقدت على عجل قبيل الحرب . وحاولت الأقطار العربية جمعاء أن تشترك في ” العزاء ” بعد الهزيمة في مؤتمر الخرطوم ( آب / اغسطس 1967 ) ، فدفع الأردن الثمن هزيمة في الضفة الغربية . ودفعت سورية الثمن هزيمة في الجولان . أما العراق فقد اعتذر عن عدم المشاركة بأن حدود التجزئة حالت دون وصول قواته في الوقت المناسب . . واكتفت البلدان النفطية بما دفعته ثمناً قليلاً من عائد النفط العربي . وكان كل هذا في منطق التاريخ القومي عدلاً . فقد دفعت مصر وسورية الثمن العادل لقبولهما الانفصال بعد الوحدة . ودفع الاردن الثمن العادل لموقفه من الوحدة ، ولم تكن اتفاقيات الدفاع المشترك قبل 1967 وبعد 1967 ، ولم يكن التضامن العربي قبل الخرطوم وبعد الخرطوم الا محاولات غير ذكية ليحصل حراس التجزئة العرب على وثائق تستر جريمة التجزئة وتوهم الشعب العربي ببراءتها من الهزائم .
قامت المؤسسة الصهيونية ( اسرائيل ) بدورها لحساب الامبريالية الأمريكية . فبدأ دور الولايات المتحدة الأمريكية فور الهزيمة . فاستصدرت من مجلس الأمن قراراً بإيقاف اطلاق النار غير متضمن انسحاب القوات المتحاربة إلى مواقعها قبل بدء القتال لأول وآخر مرة في تاريخ هيئة الأمم المتحدة . وأصبح واضحاً ، بل ومعلناً ، أن الولايات المتحدة الأمريكية قد احتفظت بسيناء وغزة والضفة والجولان رهينة تحت حراسة الصهيونية حتى تحقق الحرب الغاية التي قامت من أجلها : اسقاط عبد الناصر قائد الجماهير العربية ، وانعزال مصر عن الأمة العربية أو عزلتها ، قطع العلاقات الاقتصادية خاصة مع الاتحاد السوفياتي ، الارتداد إلى النظام الرأسمالي ، انهاء حالة الحرب مع المؤسسة الصهيونية والاعتراف باسرائيل . ولم تكن احلامهم لتصل إلى حد تطبيع العلاقات معها .
أما اسقاط عبد الناصر فقد كاد يتم حينما أعلن تنحيه عن موقع القيادة ، ولكن الجماهير العربية في مصر وخارج مصر ردته إلى مكانه ( 9 و 10 حزيران / يونيو 1967 ) . أما انعزال مصر عن الأمة العربية ، أو عزلها ، فقد طلبته الولايات المتحدة الأمريكية من عبد الناصر مقابل ” فك رهن ” سيناء وإعادتها كاملة السيادة لمصر فرفض عبد الناصر . أما قطع العلاقات الاقتصادية خاصة مع الاتحاد السوفياتي فكان يعني قطع الشريان الوحيد الباقي لإمداد مصر عسكرياً واقتصادياً ودولياً بما يلزم ، حتى لا تستسلم . أما الارتداد إلى النظام الرأسمالي فإنه لم يتم ، لأنه كان انتحاراً فقد تولى القطاع العام بعد الهزيمة الدفاع الفعلي والفعّال عن بقاء مصر دولة ، والإنفاق على إعادة بناء القوات اللازمة لتحرير سيناء . أما إنهاء حالة الحرب والاعتراف باسرائيل وتطبيع العلاقات معها ، فقد كان هو الاستسلام بعينه . ثم مات عبد الناصر ( 28 أيلول / سبتمبر 1970 ) وتولّى أنور السادات قيادة مصر العربية . . . وفي عام 1973 حشدت الاقطار العربية كل ماسمحت لها به التجزئة من قوة عسكرية واقتصادية ومالية ودبلوماسية ودعائية ، في مناخ دولي مؤات ، وخاضت مصر وسورية حرباً هجومية محدودة ، وحققتا نصراً عسكرياً محدوداً ، وانتهى إلى هزيمة عربية بلا حدود ، بدأت نذرها منذ بدأ كل شريك ومشارك في المعركة يجري حساباته على قواعد التجزئة ، وراح أنور السادات ، منفرداً ليوقع في الولايات المتحدة الأمريكية تحت إشراف رئيسها جيمي كارتر ، مع الصهيوني مناحيم بيغن اتفاقيات كامب دافيد ( 1979 ) التي قبل فيها كل ما كان يريد الحلف الأمريكي الصهيوني أن يحققه من حرب 1967 ، بما فيه الاعتراف بإسرائيل وأكثر ( لم يكونوا يحلمون بالتطبيع والتعاون والصداقة ) . وكان ما كان . وقد أشرنا إليه من قبل ( فقرة 179 ) . وبلغت الهزيمة مداها حينما اعترف اغلب قادة العرب ، دولاً ودويلات ومنظمات وأحزاباً بإسرائيل . بعضهم اعترف بجسارة ، وبعضهم على استحياء . بعضهم علناً ، وبعضهم خفية بعضهم صراحة وبعضهم ضمناً ، يستوي الإجرام في الاستسلام ، ولا نهدر حبراً رخيصاً في التعليق على الاعتراف بأساليب أرخص .
204 – لم تكن تجزئة الأمة العربية لتلعب هذا الدور الأساسي في الهزائم العربية لو أنها مجرد فواصل سياسية بين دول متجاورة . هذه ملحوظة على أكبر قدر من الأهمية لفهم أسباب الهزائم العربية أمام المؤسسة الصهيونية ( اسرائيل ) . فالواقع أن كلاً من مصر وسورية تملك بشرياً ومادياً كل الامكانات الكافية ، وهي منفردة ، لمواجهة اسرائيل وهزيمتها . وكثير من الاقطار العربية قادرة وهي منفردة ، على مواجهة اسرائيل وهزيمتها أو ردعها على الأقل . وليس ثمة أي حائل جغرافي لايمكن التغلب عليه ليصل أي ذراع عربي إلى عنق الصهيونية في فلسطين المغتصبة أو خارجها . فقد أضعف التقدم التكنولوجي مقاومة الحائل الجغرافي . ضربت الصهيونية في صعيد مصر ، وفي العراق ، وفي تونس ، بل وفي عينتبي ( أوغندا ) . واستولت خلسة على زوارق الطوربيد من شمال فرنسا . وحين أرادت مصر أن تشن حرباً محدودة ضد الصهاينة عبرت القوات المصرية القناة ، أمنع الحواجز المائية على الاطلاق ، بدون خسائر تذكر وسحقت الصهاينة شرق القناة حتى الحدود المحددة للعمليات الحربية . وليس انفراد الشعب بالدفاع عن ارضه عقبة في سبيل التحرر . ففي لبنان استطاعت المقاومة الشعبية أن تهزم الغزو الصهيوني والتدخل الأمريكي معاً . ومن قبل استطاعت الثورة الشعبية أن تنتصر على الاحتلال الاستيطاني في الجزائر ، ومنذ خمس سنوات يقاتل الشعب العربي دفاعاً عن العراق ضد محاولات الغزو الإيراني بكفاءة مشهودة وبطولة فذة وعلم فائق بفنون الحرب الحديثة ، واستخدام ماهر لمعداتها المتطورة ويحقق كل يوم نصراً وهو يقاتل منفرداً . . . الخ .
ثم أن ثمة دولاً كبيرة في أمم عريقة موحدة غير مجزأة انهزمت مثل فرنسا والمانيا وايطاليا وبولندا واليابان . ليس النصر والهزيمة إذن متوقفين على الوحدة أو التجزئة وحدهما . إنما هي موازين قوى سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية ودولية أيضاً .
هذا صحيح لاشك فيه . فتجزئة الأمة العربية ليست وحدها السبب في الهزائم العربية في معارك التحرر أو التقدم انها سبب عجز الشعب العربي في كل الأقطار بأن يتحرر ويتقدم بالقدر المتكافىء مع إمكانات أمته لأن ماهو متاح في أمته من إمكانات غير متاح له بفعل التجزئة . هذا لو كانت التجزئة مجرد فواصل سياسية بين بلدان عربية متجاورة . ولكنها أكثر من ذلك بكثير . انها كجرثومة مرض ” الإيدز ” اللعين ، لاتقتل بذاتها ، ولكن تضعف مناعة الجسم الحي فتقتله أوهى الأسباب . ولهذا أسميناها السبب الأساسي . وله أسباب نذكرها .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s