النفاق

rissala
النفاق
130 – لأن للعلمانية نظاماً ، وللاسلام نظاماً ، وهما لايتفقان في أكثر من وجه . ولما كان مصدر مشروعية أي نظام هو القبول العام ، وكان أغلب الشعب العربي مسلمين ، فإن قبولهم نظام العلمانية لايتحقق – بدون إكراه- إلا بلابقاء على الاسلام ديناً ” لله ” واستبعاده نظاماً للحياة في الوطن الذي هو ” للجميع ” لتخلو الحياة العربية لنظام لايتفق في أكثر من وجه مع الاسلام نظاماً . وهذا هو النفاق طبقاً لمعايير الصدق والكذب في مخاطبة شعب عربي مسلم .
نضرب مثلاً من مصر .
ولسنا نريد أن نذكّر أحداً بقائد حملة الاحتلال الفرنسي عام 1793 نابليون ” حامي حمى الاسلام ” ، ولا بخليفته المنافق الجنرال ” عبد الله ” مينو ، فإن الاحتلال الانكليزي لم يلبث أن داهم مصر عام 1882 وفرض بالقوة على الشعب العربي المسلم نظاماً بديلاً عن نظام إسلامي كان قد عاش في ظله راضياً أكثر من ثلاثة عشر قرناً. كان نوبار باشا ” الارمني ” رئيساً للوزراء ، وكان قد استخدم أميناً على سره ( سكرتيراً ) فرنسياً كان يعمل محامياً في الاسكندرية اسمه الاستاذ مانوري . فكلّفه بأن يضع لشعب مصر قوانين جديدة ، فلم يضع شيئاً من عنده إلا قليلاً ، بل نقل من الفرنسية إلى الفرنسية مجموعة القوانين الفرنسية المسماة ” قانون نابليون ” . وهكذا أعاد الانكليز إلى مصر نابليون نظاماً بعد أن كانوا قد أخرجوه منها حطاماً ، لأن العداء بينهما لم يكن أصلاً بسبب النظام المفروض ، بل كان رغبة كل منهما بأن يفرضه ليحقق به مصالحه . صدرت القوانين باللغة الفرنسية ، ثم ترجمت إلى العربية ، ثم نفذت في عام 1883 .
وقانون نابليون يعرف الحق ، اقراراً به ، ( الحق في الحرية ، الحق في المساواة ، الحق في التملك . . . الخ ) سواء توفر لصاحبه مضمون الحق فعلياً أم لا . والنظام الاسلامي لايعرف الحق إلا على مضمون عينيّ يمارسه صاحبه فعلاً . وقانون نابليون يطلق تملك الأرض بدون حدود ، والنظام الاسلامي يقصر ملكية الأرض على الانتفاع دون الرقبة . وقانون نابليون يطلق حرية استعمال الحقوق بدون قيود ولو اتلفها الاستعمال أما استعمال الحقوق في النظام الاسلامي فمحدود بصالح المجتمع . وقانون نابليون يحمّل مرتكب الفعل الضار ( الفاعل المباشر ) وحده مسؤولية تعويض المضرور ، والنظام الاسلامي يزيد فيحمل المتسبب في الضرر ( الفاعل غير المباشر ) مسؤولية التعويض ( الضمان ) مع الفاعل المباشر ، وفي بعض الحالات ، دونه . وقانون نابليون ” لايحمي المغفلين ” ، والنظام الاسلامي يحمي ذا الغفلة المغبون أو ضحية الغش والتدليس . . . ثم إن قانون نابليون يحل ” الربا ” والاسلام يحرمه تحريماً قطعياً ، كما حرمته كل الأديان .
كان الربا محرماً ” عقلاً ” منذ أن قال أرسطو إن النقود لاتلد ثم حرم ” قبلياً ” منذ أن حرمه اليهود فيما بينهم وأجازوه في اقراض غيرهم اتساقاً مع القاعدة القبلية : عداء الغير بدون حدّ أو قيد . ثم عاد محرماً في المسيحية وبقي كذلك إلى منتصف القرن الثالث عشر ، حين تحول البابا إنوسنت الرابع إلى منظم جيوش وقائد حروب لاتنقطع ضد الامبراطور فريدريك الثاني ، الذي نفاه من روما ، فلجأ إلى ليون ، فأفلست الكنيسة . لجأ البابا إلى التجّار ” الشطّار ” مستديناً ديوناً فادحة في مقابل فتوى بإباحة الربا . فأفتى بالتفرقة بين ما إذا كان الاقراض بفائدة من أجل الاستهلاك الشخصي وبين ماإذا كان ” لتمويل ” عمليات تجارية أو صناعية ( استثمار) فحرم الأولى وأحل الثانية . . ( ريجين برنود ” أصول البرجوازية ”  – وجاك دروز” تاريخ المذاهب السياسية” ولقد جاءت حركة التنوير والنهضة والعلمانية بعد ذلك فاستغنت عن الكنيسة وكل ماصدر عنها إلا هذه الفتوى ، فهي ماتزال عندها مقدسة . فهي – على وجه – جوهر نظام العلمانية الفردي الربوي أو حجر الاساس فيه ، وما يزال المنافقون في الاقطار العربية يرفعون على دولهم راية الاسلام ، ويدسّون في دساتيرهم أن الاسلام دين الدولة ، أو أن الشريعة الاسلامية مصدر التشريع ” رئاء الناس ” ثم يبيحون الربا ويرددون فتوى البابا انوسنت الرابع .
إزاء هذا التعارض بين قانون نابليون والنظام الاسلامي احتال المستعمرون على الشعب العربي المسلم بأن تركوا له نظامه الاسلامي في ” الاحوال الشخصية ” مع أن قانون نابليون ينظم الاحوال الشخصية أيضاً .  وهكذا عرف الشعب العربي المسلم – لأول مرة في تاريخه الطويل منذ الفتح العربي – ازدواج السلطة القضائية حين عرف القضاء ” الأهلي ” والقضاء ” الشرعي ” .
أما في مجال الجرائم والعقوبات فقد كان النفاق اكثر فجراً . أراد المستعمرون أن يوهموا الشعب بأن قانون العقوبات الذي استعاروه من نابليون يمثل إرادة ” ولي الأمر ” الشرعي ، فيما هو مباح له شرعاً من تحديد عقوبات ” التعذير ” ، على مايقول بعض المجتهدين . فقدموا قانونهم إلى الشعب في مصر بما جاء في المادة الأولى من قانون الاصدار . تقول المادة : ” من خصائص الحكومة ان تعاقب على الجرائم التي تقع على أفراد الناس بسبب ما يترتب عليها من تكدير الراحة العمومية ، وكذلك على الجرائم التي تحصل ضد الحكومة مباشرة وبناء على ذلك قد تعينت في هذا القانون درجات العقوبة التي لأولياء الأمر شرعاً تقريرها وهذا بدون إخلال بأي حال من الأحوال بالحقوق المقررة لكل شخص بمقتضى الشريعة الاسلامية ” . ويعلق أستاذنا د . السعيد مصطفى السعيد فيقول إنهم كانوا ” يخشون الفشل في تطبيق القانون الجديد لاختلاف ظروف المجتمع المصري في ذلك العهد عن المجتمع الأوروبي اختلافاً كبيراً ، ولأنه حل محل قوانين ترجع في أساسها لحد كبير إلى أحكام الشريعة الاسلامية مما دعا الشارع إلى أن يبرر اصداره في المادة الأولى ” . ( شرح قانون العقوبات ) وهكذا أصبح الزنا مباحاً ، والخمر مباحاً ، والميسر مباحاً ، والكذب مباحاً . . . في مجتمع أغلبيته من المسلمين بالرغم من أنها محرمات عليهم في النظام الاسلامي .
فلنتأمل وليتأمل معنا من يريد .
العلمانية الثائرة ضد استبداد الكنيسة بتنظيم العلاقات بين الناس ، التي اتخذت من قبول الناس مصدراً لمشروعية أيّ نظام ، التي ألغت ازدواجية السلطة ، وفدت إلينا فاستبدت بنا شعباً وأرضاً ، وفرضت علينا نظامها فرضاً ، وخلقت الازدواج في السلطة فنقضت مبادئها نقضاً ، فلماذا ؟ لأن العلمانية ليست مع الدين أو ضد الدين بل هي بوابة نظام فردي ( ليبرالي ) ربوي ( رأسمالي ) . وما كان يهم العلمانيين ، ولايهمهم الآن ، أن نؤمن جميعاً أو نكفر جميعاً ، أن نبني المسجد والكنائس أو نهدمها ، ان تتعدد الزوجات أو لاتتعدد ، أن تكبر العمائم أو تصغر ، أن تطول اللحى أو تقصر ، أن يشيع الفسق أو تشيع التقوى ، أن يتحجب النساء أو يسفرن . . الخ ، كل هذا مباح في العلمانية لمن يختاره ، مادام الاسلام كنظام للحياة قد استبعد فأفسح مكاناً لنظامهم . كفاهم عن كل حلال وحرام في كل دين أن أباحوا الربا وجعلوه نظاماً فرضوه . ولقد بدأوا فحددوا لما أسموه ” الفائدة ” سعراً عالياً ، وأجازوا استحقاق فوائد على الفوائد ولو تجاوزت أصل رأس المال . ولكن هذا لم يكفهم . فاستصدروا في 24 كانون الثاني / ديسمبر 1900 ” أمراً عالياً ” بلستثناء ” البيوتات المالية المشتغلة بتسليف النقد على رهونات ” ( البنوك ) من قيد الحد الأقصى للفائدة ، فارتهنوا مصر أرضاً واذلوها شعباً ، وهم يبذرون فيها بذور العلمانية ويستنبتون من أبنائها علمانيين ، ولما كان من المحال مخادعة كل الناس كل الوقت ، فقد كان لابد ، لكي يقبل الناس نظامهم ، من اقناعهم بأن الاسلام دين ” لله ” ، وليس نظاماً للحياة في ” الوطن ” وذلك عن طريق دعوة فكرية يقوم بها ” دعاة ” من العرب المسلمين . وحبذا لو كان الداعية من علماء الدين الاسلامي الذين اعتاد عامة المسلمين أن يستمعوا اليهم ويثقوا في صحة ما يقولون ، ليكون ” إمام ” المذهب العلماني .
وقد كان .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s