الهـــروب إلــى الماضــي

makhtout

الهـــروب إلــى الماضــي
90 – في الوطن العربي حركة قومية تتحدث إلى الشعب العربي حديثاً صادقاً عن وحدته القومية وتدعوه دعوة حارة إلى الثورة العربية ضد أعدائه جميعاً ليتحرر شعباً ووطناً ويقيم دولته الواحدة ، وتحاول أن تستخدم كل أسلحة العصر من علم ومناهج ونظريات ومنظمات وخطط وأدوات لحشد الشعب العربي وتنظيمه وانتصاره في معركة ضارية ضد أعداء متعددين يستعملون في قهرها الاسلحة ذاتها ، وماهو أكثر منها أثراً .
وما تزال الحركة القومية متعثرة ، ما ان تنتصر حتى تهزم ، وما أن تتقدم حتى تتراجع ، ولكنها لم تهرب أبداً من ميدان الصراع ، لأنها تعلم تماماً أن تلك معارك مؤقتة وجزئية في حرب طويلة وشاملة لابديل فيها عن النصر العربي …
فيترحم بعض الظالمين على المناضلين من أجل تحرير أمتهم ووحدتها الذين فقدوا جذورهم وراحوا يلتمسون أسباب القوة عند الغرب ويستوردون منه أفكارهم وأساليبهم وينسون أن الأوروبيين هم الذين استعمروا بلادهم وأذلوا قومهم وحطموا حضارتهم عامدين ، وأن مفكري الغرب قد أضلوهم أولاً ، ويضللونهم اليوم ، ولن يكفوا عن تضليلهم إلى يوم يبعثون ، لأنهم بهذا التضليل سادوا وبهذا التضليل يسودون وأن السادة لايصدقون مع العبيد أبداً . ونواجه بدعوة عاطفة حيناً ، عاصفة حيناً آخر ، غاضبة في كل حين : أن عودوا إلى تراثكم تعرفوا كل شيء ، فقد سبق أسلافكم الغرب إلى معرفة ماتحاولون معرفته لو كنتم تعقلون ..
لبيكم إن كنتم صادقين عطفاً .
ولنتفق ، أولاً ، على أننا راغبون في أن نعود إلى تراثنا ، لا لنعرفه فقط بل لننميه ، وهل يستطيع أحد ، حتى لو رغب ، أن يجتث جذوره ، وينسلخ من تراثه ؟ قد يغالط نفسه ، ولكن تراثه يبقى فيه . إن بقاء التراث في الانسان هيكلاً لشخصيته ومصدر استوائها ومنبع قوتها ، هو أحد أسباب اهتمام القوميين بدراسة الأمة ، والدفاع عن وحدتها ، وهو الضوء الذي أثار مداركهم فعرفوا مايرددون : إن وحدة تاريخ الأمة يحدد وحدة مصيرها ، لو كنتم تعلمون .
ولنتفق ثانياً ، على أن الأوروبيين المستعمرين الذين قضوا قروناً طويلة في ” عز ” السيادة على العالم سيحتاجون إلى وقت طويل ، وإلى دروس صارمة ، ليتعلموا المساواة بين البشر . إن التحرر من الاستعمار الأوروبي ، واسترداد سيادة الشعب العربي على وطنه ، هو الذي يعدّ له القوميون ما استطاعوا من قوة تلقنهم دروساً صارمة ، ليتعلموا أننا وهم ، في البشرية متساوون .
ولنتفق ، أخيراً على أن بعض القضايا العلمية والفكرية التي ينقلها عنهم القوميون قد طرحها وناقشها أسلافنا من الأئمة والعلماء والمتكلمين على أوسع نطاق قبل بداية الألف الميلادية الثانية . وكانت لهم فيها مذاهب ومدارس وصراعات وصلت إلى حد القتل والقتال انتصاراً للفكرة . ونعرف أن كثيراً من أسلافنا قد سبقوا كثيراً من مفكري أوروبا إلى كثير من الأفكار والنظريات . نعرف أن محيي الدين بن عربي قد سبق اكهارت إلى معرفة ” وحدة الوجود ” . وأن الغزالي سبق ديفيد هيوم إلى معرفة ” السببية ” . وأن ابن رشد سبق وليم جتنر إلى معرفة ” المنفعة ” . وأن جبير الاندلسي سبق سبينوزا إلى معرفة ” وحدة المادة والروح ” . وأن الفارابي سبق داروين إلى معرفة ” التطور ” . وأن ابن سينا سبق ديكارت إلى معرفة ” الآنية ” . وأن ابن خلدون سبق ماركس إلى معرفة ” المادية التاريخية ” … الخ . ونعرف أنه منذ القرن التاسع الميلادي ، وقبل أن يسجن الأوروبيون غاليليو بسبعة قرون ، كان كل من ابن خرداذبة ، وابن رسته ، والمسعودي قد اكتشف أن الأرض كروية ، واستنبط ابن سينا فكرة عن الجاذبية ، وتولّى البيروني قياس محيط الأرض هندسياً …الخ
ونعرف أن أسلافنا قد اخترعوا الرقّاص ، ورسموا الخرائط ، وأنشأوا صناعة الطب والصيدلة ، وابتكروا الصفر ،وعلّموا الناس الجبر واللوغرتمات ( ماتزال في اسمها اللاتيني ، الذي نكتبه بحروف عربية ، تنبيء بمبتكرها ومعلمها الأول الخوارزمي ) … الخ . بل نعرف أن إخوان الصفا كانوا في دراساتهم الفلكية قد أسموا يوم الأحد ” يوم الشمس ” ويوم الاثنين ” يوم القمر ” ويوم الثلاثاء ” يوم المريخ ” ويوم الاربعاء ” يوم عطارد ” ويوم الخميس ” يوم المشتري ” ويوم الجمعة ” يوم الزهرة ” ويوم السبت ” يوم زحل ” فترجمها الأوروبيون وأطلقوها أسماء لأيام الاسبوع ، ولم تزل .
كل هذا نعرفه جيداً ويعرفه بعض الأوروبيين ويعترفون به .
ولكن المسألة كلها ليست هنا . إنما المسألة هي أننا كما حملنا بذور المعرفة عمن سبقونا ، ونّميناها ، ثم نقلناها إلى أوروبا ، تلقاها الأوروبيون فنمّوها ، فإذا بنا نلتقي بها مرة أخرى متطورة ، مصقولة ، مبلورة ، مرتبة ، مبوبة ، أغنى في المضمون ، وأتقن في الصنعة . نحن إذن لاننهل من مورد للمعرفة متطفلين عليه ، بل نحن ، مثل كل الأمم التي أسهمت في التقدم الحضاري ، شركاء في التراث الانساني ، ومن حقنا أن نستفيد منه إذا أردنا أن نعود إلى تراثنا لننميه ، ثم نقدم إلى البشرية مرة أخرى إضافة إلى مايقدمه الآخرون .
هذا من ناحية
ومن ناحية أخرى فإن العودة إلى تراثنا ليست كلمة تقال ، بل جهداً يبذل في معركة ضارية نخوضها ضد الذين يريدون أن يقطعوا جذورنا وأن يسلخونا من ذلك التراث . والعبرة هنا ليست بالمقدرة على اجترار التراث ولكن بالمقدرة على إنمائه . وتلك معركة لن ننتصر فيها إلا بذات الأسلحة متقنة الصنع ماضية الأثر التي تدور بها معارك العصر . إن إعجابنا ببطولة المبارزين يلتحمون في قتال مباشر لايعني أن نواجه طائرات الفانتوم بالخناجر . كذلك إذا كنا نريد أن نحافظ على تراثنا وننميه ، فإننا لانستطيع هذا بالهروب إلى مخازن السلف الصالح ، بل نستطيعه فقط عندما نقبل التحدي الحضاري ونخوض صراعاته بأدواته .
مثلاً :
قال الله تعالى : ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) { الانفال : 60 } فهل إعداد القوة المستطاعة هو الأمر الملزم ، أو رباط الخيل ؟ لقد كان رباط الخيل أقوى نماذج طاعة أمر الله في الاعداد للقوة ، فهل مايزال كما كان ؟ وهل يرهب عدواً اليوم ؟ أو أن طاعة أمر الله لاتتم – اليوم – إلا بأقوى مانستطيع من أسباب القوة الرهيبة ، الفكرية والبشرية والتنظيمية والبرية والبحرية والجوية … الخ ؟ وهل نعد الآن القادة العلماء بأسلحة الحرب الالكترونية ، أم يكفينا ماقاله الامام ابن تيمية وهو يحرض ويقود الجند المتطوعين دفاعاً عن سورية ” العربية ” ضد غزو التتار ” المسلمين ” ؟
ثم إن تراثنا جميعا خال مما يشبه مانحن فيه : فمنذ القرن الثامن عشر – على نطاق واسع أوجد الأوروبيون الرأسماليون صيفة لاستعباد الشعوب والأمم . الغزو حرباً أو الهيمنة بدون حرب ، لنزح ثروات المستعمرات ونقلها إلى دولهم في صورة مواد خام أو بضائع أو أموال أو أرباح ، وتسخير قوة العمل في الشعوب المستعمرة لخدمة التقدم في بلاد الغالبين . ونعاصر – اليوم – فرض التبعية عن طريق مؤسسات علمية وثقافية وصناعية وتجارية ومالية بدون حرب .. بل في بعض الأوقات بناء على طلب نفر من التابعين .. فما الحل ؟ .. وهل له سابقة في التراث ؟
ثم ألا يتذكرون ؟
لقد بعدنا عن تراثنا يوم أن تستر الاستبداد بالدين ، وأصبح للأحاديث الموضوعية وللاجماع المصطنع ، وللقياس الخاطيء وللمذاهب الخاصة ، قدسية النص القرآني . وأطلقت الأحكام من حدودها في الزمان والمكان ، وتحولت دولة المسلمين إلى دولة ” كهانة ” يسوسها نفر من العجزة يسمونهم الخلفاء أو أمراء المؤمنين ، يلقّنهم نفر من الجهلة يقال لهم ” رجال الدين ” مايضفي الشرعية على مايريد نفر من القادة المستبدين يستخدمون الأولين والاخيرين ، فتجمّدت المذاهب في الشريعة على مضامين كسبتها في مراحل تاريخية سابقة فأصبحت قاصرة عن أن توفي بالحلول الصحيحة لمشكلات الحياة في مراحل تالية ، فقام جمودها عائقاً في سبيل التطور الذي هو حصيلة حرية فاعلة .
اجتهد كهنة الاستبداد فقالوا لايجوز الاجتهاد . لو صحت المقدمة لبطلت النهاية . ولو صحت النهاية لبطلت المقدمة . وحين أرادوا أن يفرضوا على المسلمين مذهباً ناقضوا أنفسهم ، فقد اختاروا المذهب الذي ينسب إلى الامام أبي حنيفة من بين أحد عشر مذهباً ( الحنفي ، والمالكي ، والشافعي ، والحنبلي ، والزيدي ، والجعفري والأوزاعي ، والثوري ، والليثي ، والظاهري ، والطبري ) . ويتميز المذهب الحنفي عن المذاهب الأخرى بالتوسع في الأخذ بالرأي ( الاجتهاد ) ، وبأنه مذهب لم يضعه أبو حنيفة ، بل وضعه معه ومن بعده جماعة من تلاميذه أشهرهم أبو يوسف ومحمد وزفر ، ثم بأنه قد وضع نتيجة حوار بين عديدين يجلسون إلى الامام ويناقشون ما يعنّ لهم من مسائل ، حتى إذا ماانتهوا إلى رأي في مسألة دوّنها أحدهم ، ثم جمعت المدونات فيما بعد . فكأنهم حين اختاروا مذهباً وفرضوه استبداداً بالرأي ، اختاروا المذهب الذي يرفض الاستبداد بالرأي . فلو طبق عليهم المذهب الحنفي لبطل رأيهم . وكل استبداد ينطوي بالضرورة على تناقض مفضوح .
ومازالوا يستبدون بنا حتى أوهنوا قوانا الفكرية وأضعفوا إرادتنا الفعلية ، ودربونا على الضعف ، فأصبحنا مستضعفين . فانقضت علينا شعوب متحررة الفكر ، نافذة الارادة ، طاغية القوة ، باغية القصد ، فلم نستطع لهم دفعاً ! فاستولوا علينا أرضاً وبشراً ، وأقاموا بيننا وبين العودة إلى تراثنا حاجزاً من نظامهم الربوي العدواني ، فهل يتركون لنا حرية العودة إليه أم أن علينا أن نحطم ماأقاموه حائلاً بيننا وبينه ويكون التحرر هو البداية ؟
هل يصح قول آخر ؟ هل يصح القول إن شعباً عربياً مسلماً يقيم وهو متحرر صرحاً حضارياً ثم يتخلى عنه بدون إكراه . أليس هذا ظلماً بيّناً للتراث ؟
91 – لاجدوى ، إذن ، من الهروب إلى الماضي ، فهو محال . ومن ضروب الهروب إلى الماضي المحال أفكار الأمة العربية وجوداً ، والعودة إلى الروابط الشعوبية أو القبلية الدارسة ، ومنها استنكار القومية انتماء والعودة إلى أنماط الدول البائدة . وهو مايفعله الذين يناهضون العروبة بالاسلام ، فيستعدون الشعب العربي المسلم ، ويختلفون تناقضاً من عندهم بين أمة العرب وأمة المسلمين ، ويحرفون الكلم ، فلا يفعلون إلا أن يظلموا الشعب العربي فيصدوه عن دعوتهم ، ويظلموا أنفسهم كمسلمين بما يفترون كذباً ، فلا يصدقهم أحد ، ولا يثق بهم أحد ، فيحيلون الدعوة إلى الدولة الاسلامية الممكنة دعوة إلى دولة مستحيلة . ( ومن أظلم ممن أفترى على الله كذباً أو كذّب بالحق لّما جاءه ) { العنكبوت : 68 } .  صدق الله العظيم .
ولكن لماذا ؟
الجواب آت .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s