دولـة الخـلافـة

makhtout

دولـة الخـلافـة
57 – إن كان المقصود دولة واحدة تضمَ أغلب المسلمين وترعى المسلمين وغير المسلمين فيها رعاية الاسلام لهم كما كان الأمر في دولة الخلافة منذ الخلقة الأول أبي بكر حتى الخليفة الأخير عبد المجيد الثاني ، فإنَا نقول إن دولة الخلافة تلك التي ماتزال ذكراها تعشعش في رؤوس بعض المسلمين ، لم تكن إسلامية في عصرها ، ولاهي ممكنة في هذا العصر .
كيف لم تكن دولة الخلافة حتى في أيام الخلفاء الراشدين دولة إسلامية ؟
هذا السؤال الاستنكاري الذي نتوقعه ذو أسباب مشروعة ، فلا أحد يستطيع أن ينكر أن تاريخ الاسلام بدأ دعوة ثم لم يلبث أن أقام المسلمون لهم دولة في المدينة ينتمون إليها وينتمي إليها غيرهم . وأن قد كان لتلك الدولة دستور عرفناه باسم الصحيفة ، وكان لهم حاكم هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وانه كان يمارس في المدينة سلطات القادة في الدول : فيجنَد الجيش ويعين الأمراء ويبرم المعاهدات ويجبي الضرائب من زكاة وجزية ، ويوزع الفيء .. وكان – كما عرفنا  – يحكم بإجلاء من يخونون الدولة خارج حدودها ويقود المدافعين عن تلك الحدود ضد الغزو الخارجي . كل هذا واضح الدلالة على أن قد كانت المدينة ” دولة ” وكان الرسول حاكماً .
ثم إن أحداً لايستطيع أن يجهل أو يتجاهل إجماع المذاهب الاسلامية من أول أهل السنة إلى الخوارج ومابينهما من معتزلة وشيعة ومرجئة على وجوب قيام ” إمام ” على رعاية شؤون المسلمين . ثم إن كل مجادلة تنكر علاقة الاسلام ديناً بالدولة حكما ليست إلا سفسطة تسقط إلى مستوى الجهالة إذا ماذكرت آيات القرآن التي تنظم الزواج والطلاق والبنوة والميراث وحقوق القرابة وتحدد الجرائم ، وتعين لبعضها نماذج من العقوبة ، وتبيح المعاملات إلا في بعض الأموال كالخمر ، وتأمر باحترام العقود إلا إذا كانت وليدة إكراه ، وتحمي أموال القصَر حتى يبلغوا سنَ الرشد . ثم تأمر بجمع الزكاة من أصحاب الأموال لتعيد توزيعه على من هم في حاجة إليه …. الخ . إن الاسلام يلزم المسلمين بنظام عام من العلاقات فيما بينهم والعلاقات مع غيرهم . وهو نظام اجتماعي ليس متروكاً لاختيار الأفراد لأنه ليس متعلقاً بأيَ فرد فيلتزمه أو يتركه على مسؤوليته في الدنيا والآخرة ، بل متعلق بالحياة في مجتمع أفراد عليهم جميعاً أن يلتزموه راغبين أو كارهين . وأينما قام نظام ملزم للعلاقات بين الأفراد في المجتمع قامت الضرورة الاجتماعية لمن يقوم على حفظ هذا النظام وإلزام الأفراد به وما يقتضيه الالزام من تشريع وإدارة وقضاء وتنفيذ وردع . أي – باختصار – تقوم الضرورة الاجتماعية للدولة . تلك هي مجمل الحجج التي ساندت وتساند الرأي الحق في علاقة الاسلام بالدولة وتحيل المجادلة فيه إلى مجرد سفسطة .
ومع ذلك فإن دولة الخلافة لم تكن إسلامية في عصرها .
لماذا ؟
58 – إن الأسباب بسيطة وبدهية . وماعقَد بساطتها وأفسد بداهتها إلا الذين راحوا يفتشون في كتاب الله عن آية تلزم المسلمين بدولة الخلافة ، والذين أنكروا دولة الخلافة لأنهم لم يجدوا في كتاب الله آية تلزم المسلمين بها
والحق أن دولة الخلافة لم تكن دولة إسلامية كما أنها لم تكن دولة غير إسلامية . لأن ماهو إسلامي لايكون كذلك إلا إذا كان فرضاً أو واجباً وماهو غير إسلامي لايكون كذلك إلا إذا كان محرَماً أو مكروهاً . أي أن يكون في الاسلام أمر به أو منع له . أما إذا كان مباحاً لاختيار المسلمين : إن شاءوا أخذوا به وإن شاءوا تركوه فمسؤولية اختياره أو تركه عليهم وحدهم ولا ينسب اختياره أو تركه إلى الاسلام . وقد كان هذا شأن دولة الخلافة منذ أبي بكر . ختم القرآن ولم يأمر بها ولم ينه عنها . وتوفي الرسول عليه الصلاة والسلام وما أوصى باختيار ، أو عدم اختيار خليفة من بعده . وعندما قال إن الأنبياء لا يورثون قطع كل شك في أن أحداً من بعده لن يخلفه في شيء . لا الرسالة ولا الحكم ولا المال .
ولكنه ترك في المسلمين كتاب الله ، وفي كتاب الله احكام عدة لنظام عام لعلاقات الأفراد في المجتمع كما ترك فيهم تجربة حية من ” دولة ” المدينة التي كان هو حاكمها فكانوا من بعده يواجهون ضرورة بقاء الدولة . وهي ضرورة اجتماعية . كانت كذلك قبل الاسلام وستبقى كذلك في كل مجتمع ولو لم يكن فيه مسلمون . ولقد كان الاسلام ومايزال فذَاً من بين الاديان والنظم في إقرار الضرورات وتغليب أحكامها حتى على أحكام المحظورات
وهكذا لم يكن قيام ” دولة ” في المدينة أو مابعد هذا فرضاً من فروض الاسلام خاصاً بمجتمع من المسلمين دون باقي المجتمعات حتى يقال ” للدولة ” أية دولة ، انها فرض أو واجب أو ضرورة إسلامية . بل جرى المسلمون على ماجرت عليه ، وماتزال تجري عليه ، كل المجتمعات لمواجهة ضرورة قيام من يلي ” الأمر ” المشترك بين أفراد الجماعة ويرعى الحدود بينهم . أما ماجاء في سورة النساء : ( إن الله يأمركم إن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ، إن الله نعَما يعظكم به ، إن الله كان سميعاً بصيراً . ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردَوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن تأويلا ) { الآية 58 ، 59 } ، فإن قصارى مايمكن أن يتصل منه بموضوع ” الدولة ” أنه ينظم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين فيها ، فيأمر الأخيرين بطاعة الأولين ( أولي الأمر ) مادام الأولون على طاعة الله والرسول ، فإن تنازعوا احتكموا جميعاً إلى القرآن والرسول . ولكن ليس في القرآن ما يأمر بإقامة ” دولة ” معينة .
” الدولة ” أية دولة ، إذن ، ضرورة اجتماعية وليست ضرورة إسلامية . وصدق علي بن أبي طالب حين قال  “لابد للناس من إمارة برَة أو فاجرة ” .
59 – في مواجهة الضرورة الاجتماعية لبقاء ” الدولة ” التي فقدت حاكمها بوفاة الرسول تشاور قادة المسلمين واختلفوا . ونعلم من أمر ذاك الخلاف وما انتهى اليه انه كان مظهراً للصراع بين علاقة الانتماء إلى” الشعب “
حديث التكوين وبقايا علاقات الانتماء القبلي التي كانت ماتزال كامنة لم تستأصل بعد . صراع جيل على الانتماءين . الانتماء القبلي منذ مولده والانتماء القبلي منذ الهجرة . وسيعود ذاك الصراع إلى الظهور من مكمنه مرات أخرى بعد ذلك كلما عرض أمر اختيار أمير للمؤمنين .
هكذا بادر سعد بن عبادة زعيم الخزرج والمتحدث باسم الأنصار إلى الاجتماع بهم في سقيفة بني ساعدة ، قبل أن يدفن النبي ، فاختاره الأنصار للامارة . فجاء إليهم قادة المهاجرين وهناك تناظروا فتفاضلوا في أمرين يشير كل منهما إلى إحدى علاقتي انتماء المتصارعتين : القبلية والوطنية . فالمهاجرون – عند أبي بكر – هم ” أول الناس إسلاماً ” و ” عشيرة رسول الله ” . أما الأنصار – عند سعد بن عبادة  – فلهم ” سابقة في الدين وفضيلة في الاسلام ليست لقبيلة في العرب ” . أما الامارة  – عند علي بن أبي طالب – فلأهل البيت : ” لاتخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله ، يامعشر المهاجرين ، لنحن أحق الناس به ” . وانتهى التناقض بين طرفي الصراع بحل “جدلي”،
فقد بويع بالخلافة أفضل واحد من عشرة كانوا بمثابة الحكومة في دولة المدينة . ” كانوا أمام الرسول في القتال ووراءه في الصلاة ” . وقد كان أولئك العشرة معروفين باسم ” المهاجرين الأولين ” وإن لم يكونوا أوائل المهاجرين . انهم أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعليَ بن أبي طالب ، وطلحة بن عبد الله ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وكلهم من قريش . اختير من بينهم أبو بكر فكان أول خليفة . وهو خليفة بمعنى أنه تولى الحكم بعد وفاة الرسول ولكن – وهذا على أكبر قدر من الأهمية – ليس بمعنى انه تلقى الحكم منه نصاً أو وصية أو ميراثاً . وعندما يلي عمر بن الخطاب الأمر من بعده لن يقبل أن يلقب بالخليفة لأن ذاك أبو بكر ، ولا بخليفة الخليفة لأن ذاك يطول – كما قال – ويختار لقب أمير المؤمنين ” ويكون أول من لقب به .
على هذا الوجه نشأت ” دولة ” الخلافة ، بعد انقطاع الوحي وبعد انقضاء السَنَة كليهما . وكان مصدرها الوحيد هو اختيار قادة المسلمين بعد وفاة الرسول . وهو اختيار جاء بعد خلاف وصراع وتفاضل على أسس خالطتها العصبية القبلية . وما كان لصحابة رسول الله أن يتفاضلوا على تلك الأسس أو أن يختلفوا في الخلافة لو كان في الاسلام حكم بها . ولن يلبث كثير من أولئك الصحابة أنفسهم أن يختلفوا فيها ويقتتلوا عليها بعد وفاة الخليفة الرابع عثمان بن عفان وتكون فتنة . ويتأكد بذلك أن ” دولة الخلافة ” لم تكن إسلامية وإلا لما اختلف فيها حتى القتال ، أصحاب رسول الله وأعلم الناس بالقرآن والسنَة .
هذا عن نشأة دولة الخلافة . فماذا عن تكوينها ؟
60 – إن عناصر تكوين ” الدولة ” ثلاثة : الأرض والشعب والسيادة . نعني سيادة الشعب على الأرض ، التي تمارسها الحكومة ، فتسمى حينئذ سلطة .
أما عن الأرض ، فقد كانت ” دولة “الخلافة على مدى سيادتها الطويلة غير ثابتة الحدود . كانت حدودها تتبع أقدام جيوشها فتقف حيث تقف ، وتمتد حيث تتقدم ، وتنحسر حيث تتقهقر . ولقد بدأت من المدينة ثم الجزيرة العربية ، ومازالت تتسع حتى وصلت يوماً إلى حدود فرنسا في غرب أوروبا ، وحدود النمسا في شرقها ، وحدود الصين والهند وروسيا في آسيا ، بالاضافة إلى كل مانعرفه الآن باسم الوطن العربي الذي لم ينتقص منه شيء منذ الفتح العربي الاسلامي حتى بداية القرن التاسع عشر ؛ وبالتالي كان الأكثر استقراراً على مدى قرون طويلة . أما مايليه في جميع الاتجاهات فقد خرجت منه أقطار وأضيفت إليه أقطار . وكان ” السيف ” هو الفيصل فيما خرج وما أضيف ، لأنه هو الذي كان يخط الحدود الفاصلة . ومن هنا كانت دولة الخلافة منذ بدايتها حتى نهايتها دولة ” مقاتلة ” ولانقول ” عسكرية ” حتى لايختلط مانريد من بيان علاقاتها الخارجية بما لانريد من بيان علاقاتها الداخلية . نريد أن نقول إنها كانت دولة “مقاتلة” بمعنى محاربة ، غزواً كلما استطاعت
ودفاعات بقدر ماتستطيع . وكان القتال أو ” الجهاد ” نشاطاً مستمراً يشترك فيه كل الرعايا متطوعين أو مجنَدين ، وتشترك في التعبئة له كل الولايات ، ولو كان عليها ولاة ” متمردون ” .
ولقد اتخذ بعض المنافقين الأوربيين من ذاك التاريخ حجة يزعمون بها أن الاسلام قد فرض بالسيف لابالدعوة .
وأجهد بعض المسلمين أنفسهم في محاولة تبرئة الاسلام من تلك التهمة الظالمة . وكان الطرفان فيما ذهبا إليه مخطئين . لأن ارتباط الحدود بالغزو أو الدفاع ، وبالتالي كون الدولة ” مقاتلة ” لم يكن اختياراً اسلامياً بل كان إحدى خصائص الدولة في عصر الخلافة . أية دولة . فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون دولة مقاتلة لتبقى .
أما عن الشعب فلم يثبت عدداً ولو عند أرقام الشعوب ، بل كان يتبع امتداد الحدود وانحسارها . وقد ضمت دولة الخلافة مئات التجمعات والجماعات البشرية من قبائل وشعوب وأمم مختلفة في الجنس واللون والعادات والتقاليد والأديان أيضاً . وخرج منها عشرات من تلك التجمعات والجماعات . ولم يستقر فيها بدون خروج أو دخول إلا تلك الشعوب التي أصبحت تعرف فيما بعد باسم الأمة العربية . ولم يكن تعدد الشعوب اختياراً إسلامياً بل كان إحدى خصائص الدولة ، أية دولة ، في عصر الخلافة ، فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تضم شعوباً وأمماً شتَى .
أما عن السيادة ، ونعني بها سيادة الشعب على الأرض ، فقد كان تمثلها وتجسدها قيادة مركزية واحدة هي شخص ” الخليفة ” . وكان يحدث كثيراً أن يتمرد على الخليفة من يطمعون في توليها دونه ويدَعون – بحجج شتَى – انهم أولى بها منه ، وينشئون من تلك الحجج مذاهب وأفكاراً . كما تمرد معاوية بن أبي سفيان في عهد الخليفة عليَ بن أبي طالب ( 657 م ) وانتصر ، فبدأت به ولاية أسرة الأمويين . وكما تمرد أبو العباس السفاح في عهد مروان الثاني ( 749 م ) وانتصر ، فبدأت به ولاية أسرة العباسيين . وكما تمرد عبيد الله بن محمد المهدي في المغرب في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله ( 909 م ) وانتصر ، فبدأت به ولاية الفاطميين التي شملت كل المغرب العربي ومصر والشام ، وكانت القاهرة عاصمتها .. الخ ، ولكن بالرغم من كل هذا ، وحتى حينما كان ثمة ” خليفتان ” في أيام الفاطميين ، كانت دولة الخلافة واحدة والسيادة فيها واحدة يمثَلها خليفة واحد . ذلك لأن ” شرعية ” الولاية كانت لخليفة واحد ، وكان كل من يصل ، بطريقة أو بأخرى ، إلى مركز الخلافة ينكرها على غيره ولو كان غيره متوليها فمنكرها على الآخر . كان لابدَ لأي خليفة أن يدعيها لنفسه وينكرها على غيره . ولم يكن ذلك اختياراً إسلامياً ، بل كان إحدى خصائص الدولة ، أية دولة ، في عصر الخلافة ، فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون ذات قيادة مركزية واحدة ولو كانت قيادة اسمية .
أما عن نظام الحكم فقد كان يتولى الخلافة من يختاره القادة مبايعة في عهد الخلفاء الراشدين ، ثم استقرت الخلافة ميراثاً فيما تلا ذلك من عهود لاتقطعها إلا ثورة تتولى بها أسرة جديدة فيكون الأمر فيها وراثة . ولكن حتى وهي وراثة ، كان لابد من أن تم لها طقوس البيعة من مجموعة محدودة من البارزين في الدولة . وكانت الدولة مقسمة إلى إمارات أو ولايات أو ايالات في عهد العثمانيين . يعين الخليفة ولاتها وأمراءها ويعين بجوار كل وال وأمير ” قاضياً ” ليحكم بين الناس بما أنزل الله . وكانت واردات الدولة من الزكاة والخراج ( ضريبة الأرض ) والجزية . أما فيما عدا ذلك فقد كان الولاة أو الأمراء على أكبر قدر من الاستقلال الذاتي عن الخليفة بإدارة ولاياتهم أو إماراتهم . وقد حدث كثيراً أن أغرى هذا الاستقلال الذاتي بمحاولة الاستقلال الكامل مثل مافعل الحمدانيون في شمال الجزيرة والشام ( 929 م ) والطولونيون في مصر ( 869 م) والادارسة في المغرب ( 974م ) وبني الأغلب في تونس ( 800 م ) . كما حدث أن أصبح الوزراء من حول الخليفة هم الحاكمين باسم الخليفة يأمرونه فيأتمر كما كان الأمر بين سلاطين السلاجقة من بني بويه وخلفاء من العباسيين على مدى قرن كامل ، حمل خلاله أحدهم ، بأمر الخليفة عضد الدولة ، لقب ” ملك الشرق والغرب ” . ولم يكن كل هذا اختياراً إسلامياً . بل هكذا كان نظام الحكم في الدولة ، أية دولة ، في عصر الخلافة . فكان محتوماً على دولة الخلافة أن يكون نظام الحكم فيها على ما قدَمنا .
لماذا ؟
61 – لقد أجهد كثير من الكتَاب أنفسهم وهم يحاولون أن يردَوا خصائص دولة الخلافة إلى الاسلام لتصبح  “النموذج ” الاسلامي للدولة . ومايزال بعض دعاة الوحدة الاسلامية يجترون ذكراها ويحلمون بعودتها لأنهم يرونها الدولة الاسلامية النموذجية . وليس في كل هذا شيء من الحقيقة . إنما أخطأ الذين قالوا إن دولة الخلافة دولة إسلامية أو إنها النموذج الاسلامي للدولة لأنهم عزلوها عن تاريخها ونموذج ” الدولة ” في عصرها – وما سبق عصرها أيضاً – لتكون ” خاصة ” بالاسلام فتستحق أن يقال لها دولة إسلامية . وهي لم تكن كذلك على أي وجه ، بل كانت واحدة من دول عديدة متعاصرة وسابقة تحمل جميعاً الخصائص ذاتها : الأرض غير ثابتة الحدود ؛ الخليط من الشعوب ؛ القتال المستمر ؛ القيادة المركزية الواحدة ؛ الصراع على القيادة المركزية ؛ الولايات المستقلة ذاتياً ؛ تمرد أمراء الولايات على القيادة المركزية ؛ وحتى نظام جباية الأموال . يكفي أن نضرب مثلاً واحداً من تلك الجباية . لقد كانت الزكاة ( او الاعشار ) التي تجبى من الأغنياء وتخصص للانفاق في حماية الدولة وأجور المدافعين عنها ومساعدة المحتاجين معروفة في الامبراطورية الرومانية . وكانت ضريبة الأرض ( الخراج ) معروفة فيها كذلك . أما الجزية ( ضريبة الاعناق ) فقد كانت معروفة في الامبراطورية الفارسية . ذلك لأن دولة الخلافة لم تكن إلا واحدة من نموذج ” الدولة ” السائد في عصرها – وما قبله – وهو ما يعرف باسم ” الامبراطورية ” . كل ما يميزها هو المضمون الحضاري لنشاط الدولة ، وهو مضمون إسلامي لاشك فيه .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s