ذو الحدين

jawab
ذو الحدين
179 – يتحدد الهيكل الأساسي لشخصية الإنسان ، إذن ، بانتمائه إلى حضارة معينة . ومن خلال دراسة حضارته يتم كشف شخصيته ومعرفة كيفية التعامل معه عن طريق الإعلام والدعاية والرأي بأكبر قدر من فرص النجاح . النجاح في تطويره أو في تدميره . ذلك لأن سلاح الإعلام والدعاية والرأي ، ككل سلاح علمي ذو حدين . فكما تكون غايته الإجهاز على الضحية في القتال ، تكون غايته حمايتها بدفاع فعّال . وكما يصلح لاغتصاب العقول يصلح لتطهيرها . وإذا كنا قد بدأنا تاريخه كأداة اغتصاب فلأن تلك كانت بداية تاريخه كعلم. ولكنه الآن أصبح سلاحاً في أيدي كل الشعوب ، لايختلف أداؤه إلا تبعاً لاختلاف القوى التي تستعمله والغايات التي تستهدفها . ولن يكون غريباً أن يزعم كل داعية ، صاحب دعوة أو دعاية أو رأي ، أنه إنما يستهدف التطوير لا التدمير . ولن يكون غريباً أن يتصدى له داعية ( صاحب دعوة أو دعاية أو رأي ) لينقض ما يزعم ، ثم يزعم أنه بمناقضته إنما يدافع عن التطور ضد الانحراف المدمّر . وكل هذا لن يكون أكثر من اختلاف في حقيقة الرأي أو رؤية الحقيقة ، إن دل على شيء فإنما يدل على أن ليس من بين المختلفين من يصلح حكماً فيما يختلفون فيه.
وتبقى الحقيقة الموضوعية هي الحكم الموثوق بدون ظلم أو نفاق . والبحث العلمي هو وحده الدليل إلى حيث توجد الحقيقة الموضوعية . إذ ” العلم هو معرفة المعلوم على ماهو به ” . من هنا فإن أية دعوة أو دعاية أو رأي موجه إلى الإنسان العربي ، لايتوقف تقويمه ، ومعرفة ما إذا كان مطهّراً أم مدمّراً ، على ما يقوله الذين يخالفونه دعوة أو دعاية أو رأياً ، بل على الآثار الموضوعية التي يحدثها في شخصية الإنسان العربي . وهذا ينطبق علينا ، ويلزمنا ونلتزم به . ففي الجزء الأول من هذا الحديث اختلفنا مع الذين يناهضون العروبة  بالإسلام خلافاً قائماً على الأساس الإسلامي ذاته ، الذي يبنون عليه رأيهم ، حتى نحتج عليهم بما لايستطيعون ردّه ، إذ هم ونحن نحتكم إلى كتابنا : القرآن . واجتنبنا الاحتجاج بالأحاديث وأقوال الفقهاء لنتجنب مواطن الخلاف فيها ، وهي كثيرة . هذا بالرغم من علمنا أن الأحاديث الآحاد ، وإن كانت محل خلاف ، والمذاهب الفقهية ، وإن اختلفت ، قد طبقت في الوطن العربي قروناً طويلة وصاغت حياة الناس ، وتحول كثير من قواعدها إلى قيم وتقاليد وعادات وآداب دخلت في التكوين الحضاري للأمة العربية ، فأصبح الناس يلتزمونها بدون بحث عن أصلها التشريعي أو الفقهي . وهي بهذا قد غدت أكثر تأثيراً في حياة العربي – مسلماً كان أم غير مسلم – لأنها جزء من بناء هيكل شخصيته . وسنرى تجربة تاريخية واضحة الدلالة على صحة ما نقول.  ومع ذلك لم نثرها في خلافنا مع الظالمين حتى لانحتكم إلى ما يقبل الخلاف .
كذلك كان موقفنا من الذين يناهضون الإسلام بالعروبة ، يزعمون التقدم غاية ؛ فاختلفنا معهم في الجزء الثاني من هذا الحديث خلافاً قائماً على الأساس العلمي ذاته الذي يبنون عليه رأيهم حتى نحتجّ عليهم بما لايستطيعون ردّه إذ هم ونحن نحتكم إلى العلم وأبحاثه . واجتنبنا الاحتجاج بالآراء والمذاهب المثالية أو الميتافيزيقية لنتجنب مواطن الخلاف فيها ، وهي كثيرة . هذا بالرغم من علمنا أنّ لتلك الآراء أنصاراً واتباعاً كثيرين في الوطن العربي ، وأنها تصوغ حياة قطاع كبير من الناس فيه منذ أكثر من قرن تحولت قواعدها إلى قيم وتقاليد وعادات وآداب ذات طبيعة حضارية ، وهي بهذا قد غدت مؤثراً قوياً في حياة كثير من العرب ( المتعلمون والمثقفون والأثرياء خاصة ) ، لأنها تخالط بناء هيكل شخصياتهم ، وإن لم تتحول إلى حضارة عربية . وسنرى تجربة تاريخية واضحة الدلالة على صحة ما نقول . ومع ذلك لم نثرها في خلافنا مع المنافقين حتى لانحتكم إلى ما يقبل الخلاف .
الآن ، في هذا الجزء الثالث والأخير من حديثنا جاء وقت الاحتكام لغير أطراف الخلاف جميعاً . تمهيداً لقبول هذا الاحتكام طرحنا فيما سبق ( فقرة 176 و 177 و178 ) ما قاله ويقوله ويكاد يجمع عليه علماء متخصصون عن ” الشخصية ” ، وهم بعد ليسوا أطرافاً في الخلاف موضوع هذا الحديث . وهذا أقصى ما نستطيع أن نقدمه من إنصاف إلى الذين نختلف معهم . فلنتقدم إذن إلى الإنسان العربي ، الهدف ، لنعرف أولاً شخصيته ، ولنعرف ثانياً ماذا يفعلون بها ، ثم لنعرف أخيراً لماذا يفعلون
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s