عن الأمـــــــة

makhtout
عن الأمـــــــة
 
6 – فهل يكون ذلك لأن العروبة علاقة انتماء إلى ” أمة ” عربية ، وأن تسمية العرب ” أمة ” تخصيص غير مبرر إسلامياً ، إذ الأمة في الاسلام هي ”  أمة المسلمين ” أو” الأمة الاسلامية ” ، فتكون مقولة ” الأمة العربية ” بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ؟ … قد يكون . ولقد كان نفر ممن يتوهمون أن الاسلام دينهم وحدهم ، وأن الانتماء إليه مقصور عليهم دون الناس كافة يتخذون من فهمهم الخاص لدلالة كلمة ” أمة ” مدخلاً إلى نفي الوجود القومي للأمة العربية بإسم الاسلام . ثم يزيد بعضهم أن الانتماء إلى الأمة العربية هو في حقيقته انتماء اصطنع اصطناعاً لستر مواقف معارضة أو معادية للاسلام . ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) { الكهف : 5 } .
فلنحتكم إلى كتاب الله لعلَهم يهتدون . قال تعالى : ( والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه ، قل إنما أمرت أن اعبد الله ولا أشرك به ، إليه أدعو وإليه مآب .وكذلك أنزلناه حكماً عربياً ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق ) { الرعد : 36 : 37 } .
7 – وردت كلمة ” أمة ” في أربع وستين آية من آيات القرآن الكريم وكانت كلها ذات دلالة واحدة إلا في أربع آيات . أولى هذه الآيات جاءت في سورة النحل . قال الله تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفا ولم يك من المشركين ) { الآية : 120 } . فدلت الأمة على أن ابراهيم كان قدوة يؤتم به . وجاءت كلمة الأمة بمعنى الأجل في قوله تعالى : ( ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ) { هود : 8 } . وجاءت في آيتين بمعنى العقيدة أو الطريق . قال تعالى : ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون )
{ الزخرف : 23 } .
فيما عدا ذلك جاءت كلمة أمة في الآيات الباقيات للدلالة على مطلق الجماعة إذا تميزت عن غيرها أياً كان مضمون المميز . دلَ على أن الأمة جماعة انها في كل موضع جاءت في موقع الفاعل الغائب أشير اليها في الفعل بواو الجماعة . مثل في قوله تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ) { آل عمران : 104 } .
وقوله( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ) { الأعراف : 159 } . وقوله : ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق)
{ الأعراف : 181 } . وقوله ( وماكان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) { يونس : 19 }
ودلَ على أن الأمة مطلق الجماعة أنها قد جاءت في القرآن داَلة على الجماعة من الناس والجماعة من  الجن والجماعة من الحيوان والجماعة من الطير . قال تعالى : ( قال أدخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والانس ) { الأعراف : 38 } . وقال : ( وما من دابة في الأرض ولاطائر يطير بجناحيه إلا أمم )   {الانعام:38 } . وبعد ان أخبرنا عن أمر نوح عليه السلام وما اصطحبه في الفلك من أنواع المخلوقات في قوله تعالى : ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ، وما آمن معه إلا قليل ) { هود :40 } ، قص علينا ماأمر به نوحاً : ( قيل يانوح اهبط منها بسلام منَا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ) { هود : 48 } . يعني الجماعات المتميزة نوعيا من المخلوقات التي اصطحبها نوح معه .
8 -ولما كان التمايز يفترض التعدد لتكون الجماعة متميزة عن غيرها علمنا القرآن أن الأمم متعددة في الزمان والمكان . أثبت التعدد أولا وأرجعه إلى مشيئة الله حتى يكف الجدل في حكمته وأكده في أكثر من آية
قال : ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) { النحل : 93 } . وقال : ( ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة )  {الشورى : 8 } . وتحدث عن الأمم بصيغة الجمع في ثلاث عشرة آية أخرى .
أما عن التعدد في الزَمان ففي البدء كان الناس امة واحدة متميزين ” أمة ” بأنهم من الناس . قال تعالى : ( كان الناس أمة واحدة ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ماجاءتهم البينات بغيا بينهم ، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) {ا لبقرة : 213 } . وقال ( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) { يونس : 19 } . فالتعدد بدأ نفاذا لكلمة سبقت من الله بأن تكون الأمم متعددة وسيبقى قائما . قال تعالى : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ، ولايزالون مختلفين ) { هود : 118 } . فإذا جاءت الآخرة فإنهم أمم متعددة . قال تعالى ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) { النساء : 41 } . وقال :( ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا )
{ النمل :83 } . وقال : ( ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم ) { القصص : 75 } . وقال :
( ولله ملك السماوات والأرض ، ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون . وترى كل أمة جاثية ، كل أمة تدعى إلى كتابها ، اليوم تجزون ماكنتم تعملون ) { الجاثية : 27 ، 28 } .
ومابين البداية والنهاية تتابع الأمم المتعددة على آجال الزمان . لكل أمة أجل معلوم . قال تعالى : ( تلك أمة قد خلت ، لها ماكسبت ولكم ماكسبتم ) { البقرة : 134 ، 141 } . وقال : ( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ) {الأعراف : 34 } . وقال : ( لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة )
{ يونس: 49 } . وقال ( كذلك أرسلناك فىي أمة قد خلت من قبلها أمم ) { الرعد :30 } . وقال : ( ماتسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) { الحجر : 5 } . وقال : ( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون )  {المؤمنون : 43 } . وقال : ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ) { الأنعام : 42 } . وتكرر قوله هذا أو معناه في{ النحل :63 والعنكبوت :18 وفَصلت :25 والأحقاف : 18 } . وتمايزت الأمم بالرسل فتعددت بتعدد الرسل ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان اعبدوا الله ) { النحل : 36 } . وتعددت بتعدد الرسالات : كل امة تدعى إلى كتابها ) { الجاثية : 28 } . وتعددت بتعدد المناسك ( لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه ) { الحج : 67 } .
ثم أن القرآن قد علمنا أنه كما تتعدد الأمم على مدى الزمان فإنها متعددة في الزمان الواحد ، أو كما نقول في المكان ( قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ) { هود : 48 } . فهذه أمم متعددة تواجدت معاً في مكان واحد . وثمة أمم متعددة توزعت في الأرض ، قال تعالى : ( وقطَعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ، وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلَهم يرجعون ) { الأعراف : 168 } .
9 – هذه الآية الأخيرة – وفي القرآن غيرها كثير – تعلمنا أسباب التعدد في الزمان والمكان كليهما . إذ هي تطلق كلمة الأمة على الجماعة التي تميزت بأنها صالحة كما تطلقها على الجماعة التي تميزت بأنهاغير صالحة . فنعرف من الآية أن الجماعة تكون أمة متى اشترك أفرادها فيما يميزهم عن غيرهم بصرف النظر عن مضمون هذا المميز . على هذا الوجه كان الناس أمة بما تميزوا به من كونهم ناسا . تميزوا عن أمة من الجن . وعن أمة من الحيوان . ولما كانت المميزات متعددة فإن الأمم متعددة بدون تشابه أو تعارض أو تناقض وان اشتركت جميعا في انها جماعات متميزة . قال تعالى : ولكل أمة رسول ) { يونس : 47 } . وقال : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ) { النحل : 36 } . فدل على أن تلك جماعات كانت متميزة بالكفر فاستحقت رسلا يدعونها الى عبادة الله . أما بعد الرسل فكل المؤمنين برسولهم أمة بما تميزوا به من رسول وكتاب ومناسك . أوضح مثال ماجاء متتابعامن الآيات في سورة المائدة ، قال تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) { الآية 44 } وبعد أن فصل بعض آيات التوراة في الآية 45 قال في الآية 46 : ( وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور ) وبعد أن بيَن في الآية 47 حكم الخروج على أحكام الانجيل جاءت الآية 48 لتقول : ( وانزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ) . هكذا تحدث القرآن عن الأديان السماوية الثلاثة تباعا ثم قال : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) { المائدة : 48 } . فدَل على أنه في نطاق الأمة المتميزة بالايمان بالله يتوزع المؤمنون أمما تتميز كل منها برسولها وشرعتها ومنهاجها . وتصدق دلالة الكلمة في الحالتين بدون تشابه أو تعارض أو تناقض ، إذ أن مناط التميز في كل حالة مختلف عنه في الحالة الأخرى .
10 – ولأنه لاعبرة في دلالة ” الأمة ” بمضمون الأمر الذي تميزت به الجماعة فأصبحت أمة فأن الجماعة المتميزة بالكفر بالرسالة ومناهضة رسولهاهي أيضاً أمة . ولقد ذكرنا من قبل قوله تعالى :( وقطعناهم في الأرض أمماً منهم الصالحون ومنهم دون ذلك )  {الأعراف : 168 } . نضيف هنا آيات بينات أخر . قال تعالى : ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك يقلبهم في البلاد . كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب ) { غافر : 4،5 } . وقال : ( وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) { هود : 48 } . وقال ( وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ) { العنكبوت : 18 } . وقال : ( كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ادَاركوا فيهاجميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباَ ضعفامن النار ، قال لكل ضعف ولكن لاتعلمون ) { الأعراف : 38 } .
11 – وقد تكون جماعة من الناس لم تلتق زماناً أو مكاناً ولكنهم يشتركون في صفة خاصة بهم مقصورة عليهم يتميزون بها عن غيرهم . إنهم حينئذ أمة . كذلك أسمى آيات القرآن جميع الرسل والأنبياء أمة واحدة مع أنه – سبحانه – قد أسمى كل جماعة آمنت برسول منهم أمة . فابتداء من الآية 48 من سورة الأنبياء يتحدث القرآن عن الرسل والأنبياء ، فيذكر موسى وهارون وابراهيم ولوطاً ونوحاً وداوود وسليمان وأيوب واسماعيل وادريس وذا الكفل وذا النون وزكريا ويحيى ثم يقول : ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) { الأنبياء : 92 } . ولم يشتبه هذا أو يتعارض أو يتناقض مع الحديث عن بني يعقوب وحدهم على أنهم أمة حين أخبر باشتراكهم في الايمان بإله أبيهم . قال تعالى : ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ماتعبدون من بعدي ، قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم و إسماعيل وإسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون . تلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولكم ماكسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) { البقرة : 133، 134 } .
وإذا كان المؤمنون بكل رسول أمة ، فإن منهم من يكونون أمة بما يتميزون به من استراك في نشاط الدعوة أو منسك من مناسك العبادة . في المعنى الأول قال الله تعالى : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) { الأعراف : 159 } . وفي المعنى الثاني قال تعالى : ( من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) { آل عمران : 113 } . ويلاحظ أنه عندما أراد أن يتحدث عن جماعة متميزة بالهداية أو بالتلاوة بين جماعة هي أمة من حيث تميزها برسولها أو بكتابها ايمى الجماعة الأولى ” أمة ” وأشار إلى الجماعة الثانية بما يميزها ، مكتفياً به في التعريف بها دون أن يسميها أمة إظهاراً للمميزات القصود أظهارها ، وتلك قمة من قمم البلاغة في القرآن .
على أي حال ، فإن القرآن قد أسمى الجماعة المتميزة أمة حتى حين كان مميَزها أمراً لايتصل بالعقيدة ايماناً أو كفراً . فأسمى الجماعة المتميزة بعلاقة قربى أمة فتعددت الأمم بتعدد الغروع ، بعد أن كان قد أسمى كل الأقرباء أمة حين اجتمعوا فتميزوا بأصلهم الواحد . قال تعالى : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) { الأعراف : 160 } . وهو واضح الدلالة على أنه حيث تتميز الجماعة تكون أمة في لغة القرآن ،
ولايمنع هذا من أن تكون جزءاً من أمة على وجه آخر مما يميز الجماعات .
12 – بل إن كلمة أمة تدلَ على الجماعة ولو لم تتميز إلا بموقف واحد في حالة واحدة . بهذا المعنى اسمى المقتصدين في الانفاق بدون اسراف أو تقتيرأمة . قال : ( منهم أمة مقتصدة وكثيرمنهم ساء ما يعملون ) {المائدة : 66 } . وقال : ( ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ) { القصص : 23 } .
وكلمة الأمة في هذه الآية لاتعني مجرد الجماعة بل تعني الجماعة المتميزة بموقف واحد أو حالة واحدة . جماعة تسقي وحدها دون الآخرين . وكانت تسميتهم أمة إبرازاً لهذا المميز حتى تبرز الحالة الأخرى التي أخبر بها في الآية فقال : ( … ووجد من دونهم امرأتين تذودان ، قال ماخطبكما ، قالتا لانسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ) { القصص : 23 } .
13 – هذه هي دلالة كلمة ” الأمة ” في لغة القرآن . وبهذه الدلالة كان المسلمون ، كل المسلمين ، وما يزالون وسيبقون ، أمة واحدة من حيث تميزهم عن غيرهم من الناس بانتمائهم الديني إلى الاسلام ، سواء أخذت كلمة الاسلام بمعناها الشامل الدين كله في قوله تعالى : ( وإذ يرفع اباهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل مناإنك أنت السميع العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ){ البقرة : 127 ، 128 } .
أو أخذت بمعناها الخاص بالذين يؤمنون برسالة محمد عليه الصلاة والسلام . ولقد خاطب القرآن المسلمين بهذا التخصيص واسماهم أمة . قال تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس ) { آل عمران : 110 } ، وقال :
( وكذلك جعاناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء ) { البقرة : 143 } . وقال : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفَرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على سفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن النكر ، وأولئك هم المفلحون . ولاتكونوا كالذين تفَرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيَنات ، وأولئك لهم عذاب عظيم ) { آل عمران : 103 : 104 ، 105 } .
14 – وبهذه الدلالة كانت الاغلبية الساحقة من الشعب العربي ، وما يزالون وسيبقون ، جزءاً لايتجزأ من الأمة الاسلامية التي ينتمي اليها كل المسلمين في الأرض بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وأممهم ودولهم وأوطانهم . لافضللأحد منهم على الآخر إلا بالتقوى . في رحاب هذا الانتماء إلى الأمة الاسلامية يلتقي مئات الملايين من البشر . ولو أن مسلماً واحداً قد وجد في أي أرض ، في أي شعب ، في أية أمة ، في أية دولة ، لكان واحداً من الأمة الاسلامية . وما تزال هذه الأمة الاسلامية تنمو عدداً بمن يهتدي إلى الاسلام ديناً في أقطار الأرض جميعاً .
15 – وبهذه الدلالة أيضاً ، دلالة كلمة الأمة في لغة القرآن ، يكون كل العرب منتمين إلى أمة عربية واحدة ،حيث يكون مميزهم عن شعوب وأمم أخرىما يميز الأمم عن الشعوب والقبائل ، أو مايميز الأمم بعضها عن بعض من وحدة اللغة كما قال فخته الألماني ، أو وحدة الأرض والأصل والعادات واللغة والاستراك في العادات والشعور كما قال مانتشيني الايطالي ، أو وحدة الرغبة في الحياة المشتركة كما قال رينان الفرنسي ، او وحدة التاريخ واللغة والحياة الاقتصادية والثقافية المشتركة كما قال ستالين السوفياتي ، أو وحدة اللغة والاشتراك في التاريخ كما قال استاذنا أبو خلدون ساطع الحصري ، أو كان مميز الأمة انها ” مجتمع ذو حضارة متميزة ، من شعب معين مستقر على أرض خاصة ومشتركة تكوَن نتيجة تطور تاريخي مشترك “…
كما اجتهدنا فقلنا … لايهم هذا الخلاف في بيان عناصر التميز القومي للأمة . المهم أنه حيث يوجد المميز القومي لجماعة من الناس يصح في لغة القرآن كتاب المسلمين ، أن تسمى الجماعة أمة ، ولا ينكره عليها مسلم وهو مسلم ، مادام لاينكر المسلم وهو مسلم أن كل جماعة متميزة حتى من الدواب هي ” أمة ” فكيف بالمسلم ينكر على جماعة قومية الانتماء أنهم أمة . والأمة كما تتميز بوحدة العلاقة القومية ، لاتتشابه ولا تتعارض ولا تتناقض مع الأمة كما تتميز بوحدة العلاقة الدينية . فلا تتشابه ولا تتعارض ولا تتناقض ” الأمة العربية ” مع ” الأمة الاسلامية ” ؛ كما لاتتشابه ولا تتعارض ولاتتناقض الأمة الفرنسية والأمة الانكليزية والأمة الالمانية والامة الايطالية … مع كون كل هذه الأمم تنتمي عقيدة إلى الأمة المسيحية . كل من الانتمائين قائم ، ولكن كل منهما ذو مضمون مختلف .
16 -مرتان في التاريخ الذي نعرفه قيل غير مانقول . قيل إن للانتماء الديني والانتماء القومي مضموناً واحداً وأن لكل دين أرضاً ولكل أرض ديناً . وكان العرب هم الضحايا في المرتين . أما المرة الأولى فحينما اشتعلت الحروب على امتداد الأرض الأوروبية بين أمراء الاقطاع كل يريد أن يزيد مساحة اقطاعيته . فقال لهم البابا أربان الثاني : ” إن الأرض التي تقيمون عليهالاتكاد تنتج مايكفي غذاء الفلاحين ، وهذا هو السبب في اقتتالكم ، فانطلقوا إلى الاماكن المقدسة ، وهناك ستكون ممالك الشرق جميعاً بين أيديكم فاقتسموها ” . لم يكن للدين المسيحي شأن بما يقتتل من أجله أمراء الاقطاع فقد كانوا جميعاً مسيحيين ، ولم يكن لما نصح به البابا شأن بالمسيحية دين المحبة والسلام ، وإنما كان للمؤسسة الكنيسة التي يرأسها البابا شأن بالأرض التي خربها القتال فقد كانت شريكة في ريعها . وكان القائل والمستمعون اليه يعرفون ألاَ شأن للمسيحية بما قيل . فقال أحد الفرنسيين حينئذ إنها دعوة ‘لى أن يستغل الفرنسيون الدين . وقد استغل الفرنسيون وغير الفرنسيين الدين ليقنعوا الشعوب بأن تقدم ابناءها ضحايا على مذابح أطماع الأمراء الاقطاعيين . كيف ؟ بمقولة بسيطة ، كالناس في ذاك العصر : إن نشأة المسيحية في فلسطين تعني ملكية المسيحيين لفلسطين فعليهم استعادتهامن الغزاة المسلمين . وهكذا وحَد المعتدو بين مضمون الانتماء إلى المسيحية ومضمون الانتماء إلى أرض فلسطين وبدأت الحروب الصليبية التي استمرت قرناً كاملاً ( من عام 1096 الى عام 1192 ) وذهب ضحيتها آلاف البشر . وما توقفت إذ توقفت إلا حينما استطاع العرب ، مسلمين ومسيحيين ، أن يقنعوا الأوروبيين ، بالاسلوب المناسب ، بألا جدوى من الخلط بين الانتماء إلى العقيدة والانتماء إلى الأرض ، فتحررت الأرض العربية . فهل يتبنى المسلم الأفكار الصليبية ؟
أما المرة الثانية ، فحبنما أراد المتخلفون من يهود أوروبا أن يخرجوا من عزلتهم القبلية ” الغيتو ” ، وأرادت الرأسمالية النامية في أوروبا أن تسخرهم عازلاً بشرياً يحول دون وحدة الأمة العربية ويحرس مصالح الامبريالية ، فصاغوا جميعاً ما يعرف ” بالصهيونية ” . وليست الصهيونية إلا فكرة متخلَفة تخلَف سكان الغيتو
تقول : إن كل من توحدوا ديناً لهم حق في أن يتوحدوا وطناً ودولة . وهي فكرة قابلة للستعارة ولو تغير مضمونها اليهودي . فكل زعم أن الانتماء الى الدين يلد حقاً في الأرض ، بصرف النظر عن الانتماء القومي الى الأمة أو الانتماء الوطني الى الدولة ، هو في حقيقته المذهبية ” صهيوني ” ولو لم يكن يهودياً ، وهم كثير . كما أن من ينكر هذا المذهب لايكون صهيونياً ولو كان يهودياً ، واهم كثيراً أيضاً . ولما كان لابد لكل دولة من أرض ( وطن ) ، فقد أختار الرأسماليون الأوروبيون والصهاينة من اليهود أرض فلسطين اختياراً “صليبياً”
إن نشأة اليهودية في فلسطين تعني عندهم ملكية فلسطين لليهود ، فعليهم استعادتها من الغزاة العرب . وهكذا وحَد المعتدون بين مضمون الانتماء الى اليهودية ومضمون الانتماء الى أرض فلسطين وبدأ الصراع العربي الصهيوني ، وما يزال مستمراً ، ولن يتوقف إلا حينما يستطيع العرب ، مسلمين وغير مسلمين ، أن يقنعوا الصهاينة ، بالأسلوب المناسب ، بألا جدوى من الخلط بين الانتماء الى العقيدة والانتماء الى الأرض ، فتتحرر الأرض العربية . فهل يتبنى المسلم الأفكار الصهيونية ؟
الحمد لله . لايقوم ، إذن ، لدىالشعب العربي سبب للتشابه أو التعارض أو التناقض بين العروبة والاسلام . ومع ذلك ، أو بالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة الى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s