عودة إلى الوطن

rissala

عودة إلى الوطن
126 -كل مافات كان معقولاً ، أو كان ذا منطق يمكن فهمه . دين يفرض على المؤمنين به الفصل بين الدين
 و “الدولة ” . وينشىء للقيام على شؤون الدين مؤسسة دينية ( الكنيسة ) يتبعها ويديرها نفر من المؤمنين خصّهم الدين ذاته بسلطان ديني على الناس ( رجال الدين ) فتصبح تلك المؤسسة ذات قوة منفصلة ومستقلة عن مؤسسة أخرى ذات قوة منفصلة ومستقلة ( الدولة ) في المجتمع الواحد ، فيثير هذا الازدواج في ممارسة السلطة خلافاً أو صراعاً بين طرفيه تكون الغلبة لمن هو أقوى في زمانه ومكانه . وتضيق حياة الشعوب باستبداد المتصارعين وبآثار الصراع إلى أن تقوم ثورة تجرد كلاً منهما من ” القوة ” التي سمحت لكل منهما – يوماً – بأن تتجاوز حدود المبدأ الديني الأصيل : ” مالقيصر لقيصر وما لله لله ” . وترد كلاً منهما إلى حدوده . فينتهي الصراع وتبقى المؤسسة الدينية ورجالها قائمين على أمور الدين . وتبقى ” الدولة ” ورجالها قائمين على أمور الدنيا . كل هذا والدين باق كما هو بدون انكار أو الغاء . ” والدولة ” باقية بدون إيمان أو كفر . فيقال هذه هي “العلمانية ” التي أبدعتها اوروبا القرن الثامن عشر ، والتي أعفت الشعوب من عبء التضحيات الجسيمة التي كانت تدفعها في الصراع بين الكنيسة و ” الدولة ” فهيأت لها مقدرة أوفر على التقدم العلمي والحضاري فنقول نعم هذه هي ” العلمانية ” حقاً وتلك بعض آثارها ، ولكن من حيث وضع العلاقة بين الكنيسة و ” الدولة ” في موضعها الصحيح ” مسيحياً ” منذ أن قال السيد المسيح ” اعطوا مالقيصر لقيصر وما لله لله ” أو ردّها اليه .
وكان ذلك نصراً عظيماً للشعوب المسيحية انتصر الدين ، وانتصرت به الشعوب ، كلاهما .
كل هذا مفهوم أو قابل للفهم .
ولكن هل يمكن أن يكون لدعوة ” العلمانية ” معنى مجرد عن أصلها الديني وظروفها التاريخية ؟ هل يمكن أن يكون لها معنى في مجتمع بلا دين مثلاً ؟ . . أو في مجتمع كهنوتي كهانة شاملة مثلما كان في اليهودية ، مثلاً آخر ؟ . أو في مجتمع يفصل دينه بين الدين ” والدولة ” ولكنه لاينشىء للدين مؤسسة خاصة تقوم على شؤونه ، مثلاً ثالثاً ؟ . هل يمكن أن يكون ” للعلمانية ” معنى في مجتمع غير مسيحي ، أخيراً ؟ أما عندنا فدعوة  العلمانية في أي من هذه المجتمعات ” كلام فارغ ” لانعدام مضمونه . إلا أن تكون دعوة تحمل أعلام النصر الذي حققته ” العلمانية ” في المجتمعات المسيحية لتستر بها أهدافاً تخفيها في مجتمع لامجال فيه ” للعلمانية ” .
127 – ليس وطننا العربي واحداً من تلك المجتمعات ” النموذجية ” التي اشرنا اليها بقصد كشف عبث دعوة ” ” “العلمانية “بعيداً عن أصلها الديني وظروفهاالتاريخية . والواقع انها مجتمعات افتراضية لاوجود لها ، إذ لاوجود لمجتمع بلا دين أياً كان المجتمع ، وأياً كان الدين . وليس ثمة أكثر” تدّيناً ” بل نقول ” تعصبا دينيا ” من مجتمع الملحدين ذاته ، إذ ليس ” الالحاد ” إلا دين الملحدين يقوم فيهم بوظيقة أي دين . على أي حال فإن وطننا العربي مجتمع تتعدد فيه الأديان ، وتتعدد فيه المذاهب من كل دين ؛ وبالتالي فإن ترويج دعوة ” العلمانية ” فيه لايكون عابثاً في كل الأحوال . بل يتوقف حاله من العبث والجد على المخاطبين بها من ابناء أمتنا العربية .
128 – فكثير من ابناء أمتنا العربية يدينون بالمسيحية . ويتفرقون انتماء إلى مذاهبها المتعددة . ولكل مذهب  “رجال دين ” ومؤسسة دينية ” كنيسة ” ، وبالتالي فإن ” للعلمانية ” في وطننا العربي مجالاً ، تطرح فيه دعوة ، وتقام فيه حدود ، لتظل الكنائس جميعاً ملتزمة المبدأ المسيحي الذي قامت عليه ” العلمانية ” : ” أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ” . ولكن متى ؟ . . . إذا حاول رجال الدين من أية كنيسة أن يعرّضوا مجتمعنا العربي إلى مثل الصراع بين الكنيسة الكاثوليكية وبين الأباطرة والملوك والأمراء . أو إذا ما حاول الذين يحلمون بأن يكونوا أباطرة أو قياصرة أن يمدوا أصابع ساطاتهم إلى داخل الكنائس افتئاتا من أي قيصر على ما لله . إن هذا يعني تماما – وأرجو ألا يخطىء أحد فهم مانقول أو يستهين به – إن أيا من الطرفين يشق طرقه الشائك إلى حيث تردّه إلى حدوده ” ثورة شعبية ” لايعلم أحد من الآن أين تقف حدودها . انه ليس لعباً بالنار فقط بل هو إشعال فتنة لن ” تشوي ” إلا من أشعلها . ولست اعتقد أن هناك رجل دين مسيحي على أقل قدر من ” العقل ” يعتقد أن جزاء مخالفة تعاليم السيد المسيح ستكون نار جهنم فقط . أو أن هناك حاكماً على أقل قدر من العقل يعتقد أن ضمائر المسيحيين وكنائسهم متاحة ليمد إليها أصابعه بدون أن تقطع أصلبعه على الأقل . أو أن هناك شعباً ، أي شعب ، يقبل أن تقوم في دولته مؤسستان متوازيتان متنافستان على ممارسة السلطة ، باسم الدين أو باسم الدنيا ، بعد كل ما تعلمته الشعوب من تاريخ الصراع بين الكنيسة و ” الدولة ” .
لانؤمن بما يسمى ” الحظّ ” ومع ذلك فلنقل مع القائلين إن من حسن حظ هذه الأمة العربية التي ننتمي اليها أن اغلبية المسيحيين من أبنائها يتبعون الكنيسة الاورثوذكسية ، وهي كنيسة تميزت منذ نشأتها بصرامة التزامها تعاليم السيد المسيح وصلابة موقفها ضد الاضافات البابوية . ولقد قاومت الكنيسة القبطية الاورثوذكسية بالذات  مقاومة باسلة ، ما أراده لها باباوات روما من آراء مبتكرة في المسيحية . وقدمت فداءً لايمانها مئات الشهداء ، يساندها شعب مصر فيما اعتبر في التاريخ حركة تحرر وطني حينما كانت مصر تابعة ز أو مملوكة ملكية خاصة ، لقياصرة روما . وفي ظل التبعية للامبراطورية البيزنطية استطاع موقفها المبدئي الثابت أن يحفظ للكنيسة الاورثوذكسية عامة التزامها الديني بإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله بالرغم مما كان بعض الأباطرة يرتكبونه من استفزاز . فخلا تاريخها من صراع يذكر بين الكنيسة و ” الدولة ” . انها ليست مجرد تقاليد ، ولكنها تقوى . ولو كانت مجرد تقاليد مستقرة لكان من شأن الناس في ظلها أن يتساءلوا : فيم الترويج -إذن – لدعوة العلمانية في مجتمع كانت كنيسته الرئيسية على مدى تاريخها حارسة مبدأ الفصل بين الكنيسة ” والدولة ” ولم تزل ؟
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s