فهل يفلحون ؟

jawab
فهل يفلحون ؟
221 – هذا سؤال له أهمية سنتبينها بعد قليل . نكتفي الآن بطرحه لنعرف من الجواب عنه مإذا كان الاستلاب الحضاري ممكناً ، بانتزاع شعب من حضارته أو انتزاع حضارته منه ، وإذابته في بوتقة حضارة الغزاة . والجواب : محال ، إلا بانقراض الشعب نفسه ، إما بالإبادة الجماعية أو بمحاصرته وعزله في ظروف مادية لاتسمح له بالنمو حتى ينقرض كما فعلوا بسكان استراليا الأصليين وبالهنود الحمر في أمريكا . والشعب العربي عصي على الإبادة والمحاصرة ، بالإضافة إلى الإبادة الجماعية أو الحصر حتى الإنقراض قد أصبح في هذا العصر محالاً . وقد أفاد الهنود الحمر وسكان استراليا الأصليون من هذه الاستحالة فبدأوا في التكاثر والنمو . لاتنقرض الحضارات ولكن تنمو نمواً بطيئاً يستغرق قروناً طويلة في الزمان وفي المكان . في الزمان بمواكبة النمو الحضاري لنمو التكوين الاجتماعي خلال التطور من الحضارة الأسرية الى الحضارة العشائرية إلى الحضارة القبلية إلى الحضارة القومية . هنا لايوجد استلاب بل حضارة تنمو ، أو روافد حضارية تتجمع ، لتكوّن حضارة اكثر نمواً . وفي المكان بالتأثير المتبادل بين الشعوب والأمم والحضارات المتعاصرة الذي أصبح ، مع اتساع نطاق ومجالات الاتصال ، يزود بكل حضارة بما يتفق وبنيتها من مصادر حضارية أخرى تأخذه وتتمثله فيسهم في نموها بدون أن تفقد خصوصياتها المميزة . وإنما يرجع وهم انقراض الحضارات الى أن كل حضارة نامية تتغير بعض مظاهرها خلال عملية النمو ذاتها ، حتى إذا ما كثرت المتغيرات وتراكمت حتى أصبحت مميزة ، اعتبر بعض الدّارسين ، لمقتضيات فنية في دراسة الظواهر ، ان تلك حضارة جديدة ، وان ماسبقها قد انقرض ، وهو غير صحيح لثلاثة أسباب : ان التواصل الحضاري ليس فعلاً إرادياً . انه يتم في مرحلة الطفولة غير المدركة كما قلنا من قبل ( فقرة 177 ) وما دام الناس يتكاثرون بالميلاد فإن الاطفال سينقلون حضارتهم إلى من بعدهم من أطفال حتى يباد أو ينقرض المتكاثرون وليس بغير هذا .السبب الثاني هو أن الحضارة هي ناتج تفاعل جماعي بين الناس وفيما بينهم وبين الظروف البيئية التي يعيشون فيها رحلاً أو مستقرين . وما دامت الجماعة قائمة فإنها تحمل وتنمي حضارتها إلى ان تنقرض الجماعة أو تباد ، وليس بغير هذا . وما تزال بعض القبائل الأفريقية تحمل حضارتها القبلية بالرغم من أن أفرادها قد أصبحوا رعايا في دول تضم قبائل أخرى ويلعب هذا التمايز الحضاري دوراً أساسياً فيما تعانيه تلك الدول حديثة النشأة من صراع وحروب داخلية وانقلابات عسكرية ومذابح بشرية . وسيبقى هذا الصراع قائماً سنين طويلة إلى أن تنشأ ثم تنمو من خلال التفاعل السلمي وغير السلمي ، حضارة وطنية من روافد الحضارات القبلية . السبب الثالث ، الذي يهمنا أكثر من أي سبب آخر ، هو أن الحضارة القومية ، ييميز عن باقي الحضارات بأن الأرض المحددة الخاصة بالشعب المعين ثابتة في الزمان وفي المكان . وبالتالي فإن دورها في بناء الحضارة القومية ، من خلال تفاعل الشعب معها تأثراً وتأثيراً ، وما يسفر عنه من خصائص حضارية يتسم بما لها من ثبات واستمرار . فتتميز الحضارة القومية بثباتها واستمرارها في أفراد الشعب ( شخصياتهم ) ، حتى الذين يهاجرون منها اختياراً أو يغادرونها اضطراراً . وستبقى الحضارات القومية ثابتة في المكان مستمرة في الزمان ، إلى أن تتخطى البشرية مرحلة التكوين القومي إلى أنماط أوسع ، تنشيء حضارات أكثر نمواً ، تكون الحضارات القومية روافدها ، وهو احتمال يقع أبعد من المستقبل المنظور أو المتصور وبالتالي لايعنينا أن ننشغل به قبل أن يقع بقرون .
محال ، إذن ، على “اللوبي” العربي الذي يحاول نقض الحضارة العربية ، ومن هم وراء ” اللوبي ” من قوى إمبريالية ، أن يفلحوا في نقض الحضارة العربية . ولنا على هذه الاستحالة دليلان من تجربتين تاريخيتين معاصرتين . أولاهما بدأت منذ نحو قرنين ، وثانيتهما بدأت منذ قرن ونصف . اخترناهما لاتصالهما بموضوع هذا الحديث عن العروبة والإسلام . فالتجربة الأولى جرت في الولايات المتحدة الأمريكية بقصد استلاب مضامين حضارية قومية مختلفة ؛ والثانية جرت في اتحاد الجمهوريات السوفياتية بقصد استلاب مضامين حضارية إسلامية . والتجربتان تجريان الأن إلى ماتستحقانه من الفشل النهائي .
نبدأ بالتجربة الامريكية :
ثورة الشباب
222 – في أيار / مايو 1968 اندلعت في جامعة باريس ( السوربون ) ماسميت بثورة الطلاب حيث استولى الطلاب على الجامعة وتولوا ادارتها بما في ذلك اختيار المواد التي تدرس فيها ومناهج تدريسها . ولم يتم إخماد تلك الثورة الطلابية إلا بعد أن اقتحمت قوات الأمن الفرنسي حرم الجامعة العتيدة بالقوة العنيفة حركة المقاومة فيها ، وفضت اعتصام الطلاب ، وقبضت على مئات منهم وفرقت الآخرين . وقد روع الرأي العام الفرنسي أن تنتهك حرمة الجامعة أكثر مما روّعته ثورة الطلاب وضحايا العنف المتبادل بينهم وبين قوات الأمن . فقد كانت حرمة الجامعات وحضارتها قد تحولت على مدى قرون طويلة الى أن تكون إحدى التقاليد الحضارية المستقرة التي يجزع الناس كافة إذ تخترق أو تضطرب . ومن خلال الالتفات المتوتر إلى خطورة خرق هذه التقاليد الحضارية التفت الرأي العام إلى ماوراء ثورة الطلاب .
كان أول ماتبين أن ثورة الطلاب في جامعة باريس هي امتداد لثورة أكثر شمولاً تجتاح الولايات المتحدة الأمريكية يسمونها ” الثورة الثقافية المضادة ” ويرمزون لها باسم ” الزهرة الطفلة ” يقوم بها الشباب عامة ، وليس الطلاب خاصة ، ضد أغلب ضوابط السلوك التقليدية في مجتمع رأسمالي صناعي متقدم تكنولوجياً . كما تبين أن احد المحركات الاساسية لتلك الثورة الشبابية الممتدة عبر القارات كتاب من تأليف مفكر اسمه هربرت ماركوز عنوانه الانسان ذو البعد الواحد ( 1964 ) .
وأفكار ماركوز هي محاولة توفيق ، أو تلفيق ، مابين مذهب سيغموند فرويد في علم النفس ، وبين مذهب كارل ماركس في علم الاجتماع . كلاهما حاول أن يحدد العوامل الأساسية التي تتحكم في اتجاهات الفرد ومواقفه وسلوكه في المجتمع . فرويد يردّها إلى المحاولة الفردية الشعورية وغير الشعورية لحل التناقض بين الغريزة الجنسية كمحرك أساسي للفرد ، وبين الضوابط الاجتماعية التي تحول دون ” حرية ” إشباع تلك الغريزة . وماركس يردّها إلى المحاولة الطبقية الواعية لحل التناقض الكامن في أسلوب الإنتاج بين قوى الإنتاج وعلاقاته في المجتمع غير الاشتراكي . فيأتي ماركوز ويلاحظ أن مجتمع الوفرة الرأسمالي الصناعي المتقدم قد أذاب التناقض في أسلوب الإنتاج فأصبح الأفراد والطبقات الذين كانوا من قبل قوى معارضة متحدي الموقف مع الطبقة الرأسمالية بدون حاجة إلى إرهاب مكشوف ، وتحولوا إلى مساهمين في تدعيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي ، فلم يعد التغيير ممكناً من خلال الصراع الطبقي ولا أصبحت الطبقة العاملة ( البروليتاريا ) أداة تغيير المجتمع الرأسمالي الصناعي المتقدم ذي الإنتاج الوفير . فالتفت ماركوز إلى مالا يزال باقياً من ضوابط الغرائز الجنسية واعتبرها قهراً وإعداماً للحرية بالقدر الكافي لبدء عملية التغيير منها لتتحول بعد ذلك إلى التغيير السياسي . فاختار الشباب كقوة مرشحة للتغيير وقادرة عليه . فدعا الشباب دعوة حارة وملحة إلى الثورة . . . وكانت الثورة . وقال : إنني أرى في معارضة الشباب بالذات لمجتمع الوفرة اهمية تفوق أهمية النتائج المباشرة لهذه المعارضة . إن معارضة الشباب – وهذه هي الأهمية – أصبحت تربط بين الثورة الغرائزية وبين الثورة السياسية في نفس الوقت ” .
وقد لخص ماركوز نظريته كلّها خلال حوار علني في ” مسرح الأفكار ” في نيويورك عام 1968 دار بينه وبين نورمان ميلر الشاعر الامريكي صاحب كتاب لماذا نحن في فييتنام ؟ وآرثر سلزنجر المؤرخ الامريكي واشترك فيه روبرت نويل الشاعر الامريكي الحاصل على جائزة بولتزر ( نشر ملخص وقائع الحوار في مجلة الهلال القاهرية في أول تشرين الأول / اكتوبر 1968 ) .
قال ماركوز وهو يتحدث عن المجتمع الامريكي : ” إنني اعتبر المجتمع سوياً – أو غير معتوه – إذا كان يستخدم موارده التكتيكية والمادية والثقافية لا لزيادة الإسراف ، والتخريب ، والاستهلاك الكاذب ، ولكن لكي يقضي على الفقر ، والغربة ، والتعاسة . ففي مجتمعنا القائم لسنا نجد الأغلبية التي تتكون على أساس الوعي الحر والرأي الحر . ولسنا نجد هذه الأغلبية التي تتكون على أساس التعليم المتساوي بالنسبة إلى الجميع . ولا على أساس إتاحة الحرية المتساوية لمعرفة جميع الوقائع . إننا أمام أغلبية مصطنعة و ” نمطية ” يصنعها تعليم مصطنع ونمطي وإعلام مصطنع نمطي . بمعنى آخر ، لااظن هذه الأغلبية حرة مع أن روح الديمقراطية ذاتها هي أن يكون الشعب سيداً وحراً . كانت هذه فكرة جان جاك روسو وفكرة ستيوارت ميل . وهذه هي الفكرة التي دافع عنها كبار المدافعين عن الديمقراطية منذ البداية . ولم يكونوا يقصدون الشعب كمجموعة ، ولكن الشعب ” كأفراد ” حقاً يستطيعون التفكير لأنفسهم ، ويحسّون لأنفسهم ، ويكونون أفكارهم الخاصة دون أن يخضعوا للضغوط المرعية التي تمارسها القوى الخاصة والأحزاب السياسية وكل الأطر القائمة الآن ” .
223 – ويقول فيكتور بالدريدج عالم الاجتماع الأمريكي في كتابه ” علم الاجتماع ” إن ثورة الشباب التي بدأت في الستينات في الولايات المتحدة الأمريكية قد انتشرت وانتصرت ، وأصبح كثير من الأمريكيين يتطلعون الى التغيير ويحاولونه على هدي مبادئها . وتبدو دلالة هذا الانتصار من تغير معايير الانتماء التي كانت سائدة من قبل . فمنذ سنين طويلة كان ثمة اعتقاد سائد في الولايات المتحدة الامريكية على أن كل فرد أن يلتزم قيماً ومعتقدات اجتماعية واحدة . ولما كان الشعب الامريكي يتكون من مهاجرين وافدين إليها من أمم أخرى يحملون في ذواتهم القيم والمعتقدات واللغات والتقاليد الخاصة بالأمم المهاجرين منها ، فقد سادت فكرة أن وضع كل أولئك البشر في ” بوتقة صهر ” تهيمن عليها وتحركها الطبقة الوسطى البيضاء البروتستانتية السائدة ، كفيل بأن تطرح كل فئة قيمها الخاصة وتذوب في تلك الطبقة الوسطى وتتمثل قيمها ومعتقداتها وتقاليدها . وكانت الطبقة الوسطى البيضاء البروتستانتية تعول تعويلاً حاسماً على برامج التعليم ووسائل الإعلام حيث تعرض خصائصها كمثل أعلى .
غير أنه ابتداء من الستينات رفضت كثير من الجماعات هذه النظرية وطالبت بأن تحتفظ بمميزاتها الحضارية وأن تكون تلك المميزات محلّ حماية واحترام . وبأن يسمح لكل جماعة أن تعيش حياتها الخاصة طبقاً لقيمها الحضارية الخاصّة ، وأن تتكلم لغتها ، وأن تكون لها مدارسها الخاصة ، وأن تتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى مجتمع من جماعات متميزة ومتعددة حضارياً ومتعايشة بدون قهر ، وقد أدى هذا إلى أن حلت فكرة قبول التمايز محل فكرة المجتمع المتجانس .
لقد أخطأ ماركوز خطأ جسيماً فيما نسبه إلى جان جاك روسو . ولكن هذا لايهم بالنسبة إلى موضوع حديثنا . المهم أن ماركوز قد كشف في الفقرة الأخيرة من حديثه أنه الابن الشرعي لذات الحضارة الفردية التي يحرض الشباب على الثورة ضد مراحل نضجها وإثمارها . فهو معني بالفرد وغرائزه وحريته وتفكيره وثورته ضد الضوابط الاجتماعية . فلنقل ضد المجتمع . انه يرى الانسان الفرد الحر اللامنتمي إلا لذاته ، ويتصور أن المجتمع الرأسمالي الصناعي المتقدم تكنولوجياً ذا الوفرة ، الذي يتحول الناس فيه إلى حيوانات استهلاكية غريبة أو مغتربة ، طارئاً على مجرى تطور الحضارة الفردية ، في حين أنها أقصى ماوصل إليه تطورها . . انه يراها تنهار فيحرض الشباب على الثورة ليبقيها قائمة . لقد فضحه مفهومه عن الاغتراب ، انه عنده الاغتراب عن ” الذات ” ، فالأصل عنده والبداية ان الانسان ينتمي لنفسه ، لغرائزه ، لمصلحته ، لقيمه ، لما يريد أن يحققه ووراء هذا المفهوم الخاطىء خطأ أكثر جسامة وهو اعتقاده أن الانتماء اختبار إرادي فهو يدعو إلى شحذ الإرادة لإلغائه أو استبداله .
فما الذي أسفرت عنه ثورة الشباب ؟ انتهت إلى لاشيء في فرنسا حيث الحضارة القومية تقاوم منذ قرون الاغتراب الفردي . أما في الولايات المتحدة ، حيث اجتمعت أخلاط من الجماعات الحضارية ” الإثنية ” المهاجرة فقد انتهت ثورة الشباب إلى الانتصار على محاولة تغريبها وصهرها في بوتقة الجماعة البروتستنتية سكسونية الأصل . وفشلت محاولة قرنين من التغريب . وأظهر حتى أطفال الذين استجلبوا بالقوة من افريقيا منذ قرنين ، أنهم ما يزالون يحملون في شخصياتهم بقايا من حطام الهياكل الحضارية التي حملها أجداد أجداد أجدادهم .
اسطورة الامام شامل
224 – التجربة التاريخية في الاتحاد السوفياتي أكثر ثراء من التجربة الامريكية بخبرة فشل محاولة انتزاع الانسان من حضارته أو انتزاع حضارته منه أو إحلال هيكل حضاري في شخصيته بدلاً من هيكل شخصيته الحضاري . كما أنها قاطعة الدلالة على عبث الدعوة العلمانية في مجتمع ذي حضارة إسلامية . ذلك لأن التجربة التاريخية لبعض شعوب الاتحاد السوفياتي تقدم نموذجاً فذاً لكيفية تحول الإسلام إلى حضارة ثم بقائه هيكلاً أساسياً لشخصية الإنسان ، ومقاومته كل محاولات الاستلاب أو الاغتراب بدعوى التقدم العلمي والاقتصادي والاجتماعي الذي لاشك فيه ، حتى بعد انحساره عقيدة ، واندثاره نظاماً . ففي الاتحاد السوفياتي، وعلى مدى قرن ، قبل أن يصبح اتحاداً سوفياتياً ، تغيرت ” الدولة ” من دوقية روسية إلى امبراطورية قيصرية إلى اتحاد جمهوريات سوفياتية ، وتغير أسلوب الانتاج من الزراعة إلى التجارة إلى الصناعة ، وتغيرت علاقاته من الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الاشتراكية ، وتغيّرت العقائد من وثنية إلى دينية إلى ماركسية ، وتوالت الأجيال ما بين أدنى مستويات التخلف إلى أرقى مستويات التقدم حتى انتهت إلى جيل سوفياتي العقيدة والانتماء والنظام ، ومع ذلك ، وعلى مدى الزمان الذي مضى ، لم تستطع الدولة ، ولا استطاع نظامها ، ولا استطاع رعاياها ، أن ينتزعوا من الإنسان في عديد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي الهيكل الحضاري الإسلامي لشخصيته . لانعني – طبعا – الإنسان السوفياتي المؤمن المسلم الذي يؤم المساجد ويؤدي المناسك على واحد من المذاهب السائدة هناك ( الحنفي والشافعي من المذاهب السنية ، والإمامي الاثني عشري والإسماعيلي من المذاهب الشيعية ) ، بل نعني على وجه التحديد الإنسان السوفياتي الملحد الماركسي الشيوعي العضو القيادي أو العضو القائد في الحزب الشيوعي نفسه . لأن الأول ليس حجة على صحة مانقول ، والأخير حجّة لا ترد .
ولقد كانت اسطورة الإمام شامل ، وأساطير وملاحم أخرى محكاً لتمايز الحضارات في شخصية الإنسان السوفياتي وميداناً لصراع لايمت بصلة قريبة للصراع الطبقي وعلاقات الإنتاج ووسائله بالرغم مما أهدرت خلاله من دماء المتصارعين .
225 -وليس الإمام شامل من خلق الأساطير ، بل هو محمد عبد القادر شامل إمام المسلمين في داغستان  (القوقاز ) وخليفة الإمام غازي محمد الكمراوي في الإمامة وفي قيادة ثورة التحرر الوطني ضد الاحتلال الروسي على مدى أكثر من ربع قرن ( 1832 – 1859 ) ، وزائر مصر عام 1863 ( بور سعيد ) ، المتوفى بالمدينة المنورة عام 1871 . أما الاسطورة فتحكي في ملحمة شعرية غنائية مثيرة وقائع وبطولات شعب القوقاز في حربه ضد الروس منذ أن بدأ القتال تحت قيادة الإمام منصور ( 1785 ) حتى قيادة الإمام شامل التي حقق فيها من الانتصارات ما تعتبره الملحمة معجزات لاتتحقق لبشر . لقد كان الإمام شامل بطلاً وطنياً وقائداً عسكرياً مقتدراً بكل المعايير ، ولكن شامل الأسطورة هو البطل القومي المسلم الذي تسند اليه الملحمة أفعالاً وصفات تحوله إلى” الرمز ” المجسّد لكل قيم وآمال شعبه . فهو المثل الأعلى والحلم الذي يتطلع إليه ويحلم به شعب مقهور . وهو حضارة هذا الشعب في حالة انتصاره ، وعزاؤه في حالة الهزيمة . ولم تكن أسطورة شامل كما هي مصوغة في الملحمة الشعرية إلا واحدة من عديد من الملاحم التي تلعب الدور الحضاري ذاته في الشعوب المسلمة الأخرى التي احتلتها روسيا القيصرية وضمتها إلى روسيا أرضاً وبشراً ، وانتزعت الخصيب من أراضيها ووزعتها على بطانة القياصرة من النبلاء والفرسان ( كان اكثر التوزيع اسرافاً ما وزعته الامبراطورة كاترين الثانية على عشّاقها العديدين ) .
ودارت الأيام على القيصرية والقيصر واندلعت ثورة تشرين الأول / اكتوبر 1917 الشيوعية فوجه لينين ، قائد الثورة ، نداء إلى الشعوب المسلمة المقهورة في 24 تشرين الثاني / نوفمبر 1917 يقول ” يامسلمي روسيا . . ياأيها الذين هدمت مساجدكم ، ومعابدكم ، وكانت معتقداتكم وتقاليدكم موضع سخرية القياصرة والمستبدين الروس ، إن معتقداتكم وتقاليدكم ومؤسساتكم القومية والثقافية ستتحرر ولن تمسّ بعد اليوم . مارسوا حياتكم القومية ونظموها بحرية وبدون عقبات . إن هذا حقكم . ولتعلموا أن حقوقكم مثل حقوق كل شعوب روسيا ، محصنة بقوة الثورة وقواها . . . هيا اذن وساعدوا الثورة . . . أيدوا الثورة “
226 – فانضمت إلى الثورة وقاتلت خلال الحرب الأهلية ، جنباً إلى جنب الجيش الأحمر أغلب القوى الشعبية المنظمة من الشعوب المسلمة المقهورة ( حزب المساواة بقيادة أحمد أمين رسول زاده ” 1884 – 1954 ”  الذي تولى رئاسة جمهورية أذربيجان السوفياتية بعد النصر ، اتحاد نقابات العمال المسلمين في كازان ، والقوى الوطنية في القوقاز الوسطى ، قادمين من صحراء تورجو التي طاردهم اليها القياصرة منضمين الى الجيش الأحمر بقيادة جانح الدين ، ومنظمة ” الأوش جاز ” من طشقند ، ومقاتلوا الطرقة الفيظية بقيادة عنان فيظي الذي قتل دفاعاً عن الثورة في شباط / فبراير 1918 ، وحزب الوحدة بقيادة عبد الله أباناي ، وحزب ” مللي شورو ” بقيادة محمد عياد اسحق أحد قادة حركة الاصلاح الديني ، واللجان الإسلامية ، ولجان الاشتراكية الاسلامية بقيادة نورباهي في حوض الفولجا ، والجماعات الاشتراكية الإسلامية بقيادة أمين محيي الدين ، وابراهيم فولي ، وشهاد جاد الدين ، وغالي مينولا ، وشاهد أحمد . . . الخ ) و . . .كان دورهم في انتصار الثورة غير منكور إلى درجة أن أحد قادتهم وهو سلطان غالي ( غالييف ) الاستاذ في جامعة شعوب الشرق ، وكان ذراع ستالين اليمنى ، وعضواً معه في اللجنة المصغرة في وزارة الشعوب والقوميات وصاحب نظرية  “وحدة المقهورين ” التي أنشأهامن واقع خبرته داخل ” مطبخ القوميات الستاليني ” عام 1918 التي أدان فيها محاولة صهر الحضارات القومية في البوتقة الروسية ، وقال فيها ” إننا نرى أن استبدال ديكتاتورية طبقة أوروبية ( بورجوازية ) بديكتاتورية طبقة ضدها ( عمالية ) تحمل حضارة المجتمع الأوروبي ، ليس إجراء تقدمياً بالنسبة إلى الشعوب المستعمرة المقهورة ، وحتى إذا كان هذا تغييراً فإنه تغيير إلى الأسوأ وليس إلى الأفضل . . . ” فقبض عليه ستالين عام 1923 ، ثم اعاد القبض عليه عام 1928 . . . كما قبض على ، وصفىّ أغلب حاملي الأسماء التي ذكرناها من رفاق السلاح المنتصرين للثورة في عهد ستالين وإن كان قد رد إليهم اعتبارهم بعد وفاته . . .
تلك على أي حال كانت ” الستالينية ” التي يدينها الجميع .
فلنصل إلى ماهو قريب منا تاريخياً ، وبعيداً عن تاريخ ستالين ، لنضرب أمثلة لما نريد أن نقول .
227 – كان المسلمون في ظل الاحتلال الروسي يمارسون حياتهم طبقاً لقواعد مايمكن أن نسميه ” الإسلام التطبيقي ” لايعرفون اللغة العربية إلاقليلاً ، فغير قادرين على استنباط قواعده ، يمارسونه طبقاً لمذاهبه الفقهية التي ذكرناها من قبل ، وهي مذاهب لم تحط بواقعهم القبلي والشعوبي ولا بتراثهم الحضاري ، فأكملوا مالم يجدوه فيها بقواعد وطرق وتقاليد وآداب ” سلوك ” يومي تتفق مع روح الإسلام وقواعد مذاهبه ولكنها أكثر تفصيلاً وواقعية وأسهل إدراكاً ، يتبعها من ” يريد ” أن يتبعها كطريقة للتعامل مع غيره . فكانت الطريقة النقشبندية نسبة إلى أول واضع لمسالكها محمد بهاء الدين النقشبندي ، فانتشرت وأصبح لها مريدون من أغلبية الشعوب المسلمة التي احتلتها روسيا . وأدّى اطراد الحياة على مسالكها طبقاً لقيمها وصيغة آدابها إلى أن تكون لتلك الشعوب حضارة مشتركة إسلامية المضمون نقشبندية التقاليد والآداب ، قبل أن يداهمها الاحتلال الروسي فلمّا لم يصمد القادة من الخانات والأمراء وفرّوا أو استسلموا ، تولى أئمة المسلمين قيادة المريدين في حرب التحرير ، وكان من بينهم الإمام شامل الذي تحول إلى أسطورة تقصّها ملحمة شعرية غنائية . وبما ان شامل لم يكن البطل الإسلامي الوحيد ، فقد تعددت الملاحم الشعرية الغنائية التي تحكي قصص الحروب التي استمرت قروناً ضد البوذيين في الشرق وضد الروس المسيحيين في الغرب . ولما كانت الملاحم ذات شكل إسلامي ، فقد عمرت بالحديث عن وقائع قتال ” المسلمين ” ضد ” الكفار ” في الشرق والغرب ، وتمجيد الإسلام ، وقوة الإيمان ، وبطولات الأئمة الذين يأتون بما يشبه المعجزات بتوفيق الله الذي وعد المؤمنين بالنصر . . إلى آخر مانجده مردداً في كل الملاحم الشعرية ، السجلات الأولى ، لتاريخ كل الشعوب والأمم في جميع أنحاء الأرض ، والتي ماتزال تتردد أغاني ، وطقوساً ، وأمثلة شعبية ، وذكريات مروية ، وروايات مسرحية ، وفنوناً . . . الخ في كل شعب . . .
نكمل حديثنا عن التجربة التاريخية مما أورده بننجسن ولميرسيية كلكيجاي ، الاستاذان في معهد الدراسات العليا في جامعة السوربون ( باريس ) في كتابهما ” الموضوعي ” عن الاسلام في الاتحاد السوفياتي ( 1968 ) أفضل ماوقعنا عليه من بين كتب دعائية ودعائية مضادة كثيرة .
228 – يمهد المؤلفان لما سنلخصه عنهما بقولهما إنه لاشك في أن الأغلبية العظمى من المثقفين المسلمين في الاتحاد السوفياتي اليوم يعتبرون أنفسهم ، بصدق وإخلاص ، ماركسيين واوروبيين . يحتقرون الماضي القريب لبلادهم ، ويقفون بحزم ضد العودة إلى النظم الاقطاعية والرأسمالية السلبقة على ثورة 1917 . فيبدون كما لو كانوا قد انسلخوا عن الماضي . وهو مايبدو مبرراً لآمال الحكومة السوفياتية في أن ترى أولئك المثقفين الذين شكلت شخصياتهم يقودون الجماهير المسلمة على طريق الاشتراكية . ولكن حقيقة الواقع أكثر تعقيداً من هذا . وقبل القطع بماإذا كان المثقفون المسلمون في الاتحاد السوفياتي قد قطعوا علاقاتهم بماضيهم ، لابد من اختبار مواقفهم من حضارة شعوبهم وتاريخها .
مثال نموذجي للاختبار ، سلوك القوميين من المثقفين المسلمين وردود أفعالهم الحادة فيما يتعلق بالدفاع عن تراثهم الحضاري ، قدمته الأزمة الطويلة التي واجه فيها المسلمون الهجوم الروسي على الملاحم القومية ، واستمرت من عام 1951 حتى عام 1954 . فقد شنت الحكومة السوفياتية حملة تطهير من التقاليد الموروثة لدى الشعوب المسلمة في كل عناصرها التي اعتبرتها غير متفقة مع العالم الاشتراكي الجديد . بدأت الحملة بهجوم شامل على الملاحم القومية التي تعرضت لنقد قاس ثم منعت باعتبارها عوائق في سبيل بناء الاشتراكية . ولما كانت تلك الملاحم هي صيغ لمضامين حضارية ، فإن دلالة الحملة لم تخف على المثقفين القوميين . إن الهدف الحقيقي من الحملة لم يكن إلا تدمير الحضارة القومية ليقوم بدلاً منها ما يسمّيه الكتّاب الروس الحضارة السوفياتية وهي في حقيقتها الحضارة الروسية في شكل اشتراكي . وقد جرى الهجوم طبقاً لخطة واحدة . تبدأ أولاً إحدى صحف موسكو : برافدا أو ليتراتورنايا جازيتا . ثم تتناوله اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الجمهورية المعنية ، ثم كل الأجهزة والمنظمات واللجان المحلية للحزب ، وتنتهي بإدانة الملاحم والمفكرين والكتاب المسلمين الذين أشادوا بتلك الأعمال غير المشروعة .
بدأت الحملة في 17 تموز / يوليو 1950 . كان باجيدوف سكرتير أول اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأذربيجان يلقي محاضرة على بعض المثقفين ، هاجم فيها الإسلام بشكل عام هجوماً عنيفاً ، وأدان بقسوة كل حركات مقاومة الروس في القرون الماضية ، واتخذ موضوعا للإدانة وسببا ملحمة ” يدقرقوط ” وهي سجل أسطوري شعري لتاريخ أسلاف الأتراك السّلجوق ، وقد وصف الملحمة بأنها عنصرية ، ومضادة للشعوب . ثم أدان بالقسوة نفسها ملحمة ” شامل ” وأعادت نشرها مجلة ” البلشفيك ” في موسكو ( العدد 9 ، تموز / يوليو 1950 ) ومجلة باكينسكي رابوتشي في باكو ( أذربيجان ) في ليوم التالي تحت عنوان : ” طبيعة حركة المريدين وشامل ” . وتلتها مقالة بقلم دانيالوف ، السكرتير الأول للجنة الإقليمية للحزب الشيوعي الداغستاني نشرتها مجلة فويروسي استوري في موسكو ( العدد 9 سنة 1950 ) ، ومقال فادييف في المجلة ذاتها ، وكتيّب من وضع سمير فوف بعنوان الطبيعة الرجعية لحركة المريدين وشامل في القوقاز نشر في موسكو . وامتدت الحملة إلى ملحمة ” المانا ” ، أجمل الملاحم الشعرية التي تسجل تاريخ حروب المسلمين ضد المنغول في القرنين السابع عشر والثامن عشر . . ثم ملحمة ” قرقوط عطا ” التركمانية ، ثم ملحمة ” الباميش ” التي تحكي نضال القبائل المسلمة ضد البوذيين ، ثم ملحمة ” ايرسين ” وملحمة ” شوراباتيل ” . .. الخ . وكانت أسباب الادانة المتكررة لجميع الملاحم أنها ذات جوهر إقطاعي وايديولوجية رجعية وتعصب إسلامي وتمجيد للحروب العدوانية ، فهي عقبات في سبيل الصداقة بين الشعوب . .
وقد مرت الحملة بدون مقاومة ظاهرة في كل الجمهوريات إلا في جمهورية ” القرغيز ” الصغيرة . ذات الحضارة المدوّنة شعراً في ملحمة ” المانا ” الجميلة ، وآخر جمهورية وصلتها حملة التطهير . فما أن نشرت في موسكو أول مقالة – المقالة التمهيدية – ضد ” المانا ” وما تضمنته عن تمجيد جهاد المسلمين ضد الكفار حتى أثارت فوراً عاصفة مقاومة حقيقية في صحافة ” قرغيز ” ، شارك فيها المثقفون وأساتذة الجامعات والكتاب ؛ وقادها ، وهنا موضع الدلالة ، الحزب الشيوعي المحلي أو ” الملحدون الماركسيون ، أعضاء وقيادة الحزب الشيوعي الذين لايمتّون إلى الإسلام إلا برابطة حضارية ” . ولما كانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي يصدر صحيفتين إحداهما ” سوفيتسكايا ” يكتب فيها الأعضاء الروس باللغة الروسية ، والثانية ” ديكزيل ” يكتب فيها الأعضاء الوطنيون باللغة القومية ، فقد انتقلت المعركة إلى الصحيفتين : الأولى تتّهم  “امانا”  بما تتهم به بقية الملاحم ، وتتهم المثقفين الوطنيين بالانحراف القومي والبورجوازية ، والثانية تدافع عن التراث القومي ، وتشنّ هجوماً مضاداً صاخباً تتهم فيه الروس باحتقار الاستقلال الحضاري لشعب قرغيز . . . وانهزم الوطنيون إلى حين . . إلى حين أن مات ستالين . فبدأ المسلمون هجوماً مضاداً في كل الجمهوريات شاركت فيها وقادت بعضها الأحزاب الشيوعية للإفراج عن التراث القومي ، واحترام التمايز الحضاري ، والكف عن السلوك العدمي المعادي للقومية ، وعن عبادة الأشخاص . وانهزمت الحملة ، وعادت الملاحم يردد الشعب اغانيها ويفخر بالانتماء إلى ابطالها ويطلق اسماء اولئك الابطال على المواليد الجدد . . . .
وفي عام 1956 ، اعدم باجيدوف الذي بدأ الحملة ، وانعقد المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي الذي أعاد الاعتبار إلى كل الذين اعدمهم ستالين بتهمة الانحراف القومي والرجعية الإسلامية . فدعت المجلة نفسها التي بدأت الحملة ” فوبروسي ارستوري ” إلى مؤتمر حضره اكثر من 600 من المفكرين ، لوضع ” منهج “جديد”  للدراسات التاريخية ، وفيه عرض دانيالوف دراسة بعنوان ” حركة الجبلين تحت قيادة شامل ” أشاد فيها اشادة هائلة ببطولة شامل وكل حركات مقاومة المسلمين للغزو الروسي القيصري . فحركة المريدين القائمة على أساس الشريعة الإسلامية لم تكن حركة متعصبة ولكنها كانت ردّ الفعل الطبيعي ضد الاحتلال الروسي . أما شامل فقد كان رجل دولة مرموقاً ، وبطلاً قومياً ، وكل ماوجه إليه من اتهامات في مرحلة عبادة الأشخاص من أتصال بتركيا أو بانكلترا لاأساس له من الصحة . . الخ . إنه الدانيالوف نفسه الذي نشر في عام 1950 ، في المجلة ” فوبروسي استوري ” ذاتها ( العدد 9 ) يتهم فيها حركات مقاومة المسلمين للغزو الروسي بأنها حركات ” قومية بورجوازية ” . . . وفشلت محاولة تاريخية أخرى في انتزاع الحضارة من الإنسان ، أو انتزاع اإنسان من حضارته لإذابته في بوتقة حضارة غريبة . .
إذن ، لن يفلح ” اللوبي ” العربي فيما فشل فيه السكسون الأمريكيون والسوفيات الروس .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s