قادة الرأي العام

jawab
قادة الرأي العام
173 – ففي نطاق هذا التقدم المذهل في عالم الدعاية ، موضوعاً وأساليب ، اكتشف ثلاثة من الامريكيين هم لازار سفيلد ، وبريسلون ، وجوديت في دراستهم المشتركة ” اختبار الشعب ” ( 1940 ) اكتشفوا أعمق أساليب الدعاية أثراً في صياغة  أفكار الشعوب ، وهم من أطلقوا عليهم اسم ” قادة الرأي ” وقادة الرأي هؤلاء هم أشخاص يتمتعون في محيطهم بمراكز اجتماعية دينية أو علمية أو مالية أو عشائرية تضفي عليهم مقدرة خاصة على التأثير في صياغة آراء وتحديد اتجاهات مواطنيهم ، إمّا عن طريق التوجيه أو عن طريق التقليد ( أضاف باتلر وستوكس الانكليزيان المركز الحزبي في كتابهما عن التحول السياسي في بريطانيا ( 1969 ) ) . إنهم إن يجمعوا على أن يقودوا الناس إلى حيث يريدون ينقاد لهم الناس طائعين . وقد تأكدت صحة وخطورة هذا الاسلوب في دراسات لاحقة ، أعوام 1948 ، 1955 قام بها لازار سفيلد أيضاً ومعه آخرون . كيف يجتمع هؤلاء ؟ ولماذا يجتمعون ؟ يقول لوي بوكيت في كتابه مقدمة علم النفس الاجتماعي ( 1977 ) إنهم يجمعون فوراء كل جماعة من ” قادة الرأي ” قد تكون جماعة أقل عدداً وأقل مقدرة على التأثير في الجماهير ولكن أكثر تصميماً على اغتصاب عقولها ، تقود ” قادة الرأي ” وتؤثر فيهم بوسائل قد لاتجدي مع الجماهير ذاتها . يستأجرونهم خفية في مقابل مادي أو معنوي ليقوموا ، بالنيابة عنهم ولحسابهم ، بعملية التلقيح . على هذا الكشف تأسست تلك الجماعات المفضوحة في الولايات المتحدة الأمريكية التي يسمونها ” اللوبي ” ، ولكنها غير مقصورة على الولايات المتحدة الامريكية ، بل هي أكثر انتشاراً في مجتمعات العالم الثالث تنشط تحت أسماء غير مفضوحة وترفع شعارات قد تصل في طهارتها اللفظية حد شعار الدين أو شعار الحرية .
وهي تتبع في أداء وظيفتها عدة قوانين يمكن بمراقبة التزامها في كل دعوة معرفة ما إذا كان قادة الرأي قائمين على دعوة أم قائمين على دعاية . إنها القوانين التي أسماها الكاتب الفرنسي جان ماري دوميناش في كتابه الدعاية السياسية ( 1959 ) ” قوانين القهر الدعائي ” .
174 – فقد استطاع دوميناش أن يستقرىء من كتاب سيرجي تشاخوتين الذي أشرنا إليه من قبل ، وما كتب بعده ، خمسة قوانين للقهر الدعائي . أولها التركيز على مقولة بسيطة : مبدأ أو شعار تبثه أجهزة الدعاية وتكرر بثه ، ويدعو له قادة الرأي ويركزون عليه بدون تثبيت انتباه الجماهير إلى فرعياته أو تطبيقاته أو آثاره حتى يصبح جزءاً لصيقاً بالعقل الواعي أو بالعقل الباطن بحيث أن مجرد ذكره يضع المتأثر به في وضع نفسي وعصبي وفسيولوجي معين يجعله قابلاً للتصرف المستهدف كما اكتشف بابولوف في نظريته عن الفعل المنعكس الشرطي . أما عن الفرعيات والتطبيقات والآثار التي لابد أن تتوقع الجماهير الواعية الحديث عنها فتنصّب – طبقاً للقانون الثاني – على المبادىء أو الشعارات المضادة . فيختار القهر الدعائي ، ويجسّم ، ويبالغ في إبراز ما لابد أن يكون فيها من قصور فكري ، أو ما صادفها من فشل تطبيقي ولو كان فشلاً آنياً أو مرحلياً أو جزئياً . وهكذا يبقى ” المبدأ – الشعار ” آمناً بعيداً عن أي حوار جماهيري ، وتنصرف ملكات الجماهير في الحوار إلى ماهو ضده . ولما كان الحوار ذاته يعني أن موضوعه ما يزال محل خلاف ، وبالتالي أنه ما يزال غير يقينيّ الثبوت أو الصحة فإن عوامل الشكّ تتجمع حوله وتنحسر في الوقت ذاته عن ” الشعار – المبدأ ” الذي أراد القهر الدعائي عن طريق إبعاده عن دائرة الحوار ، تحويله إلى مقولة مسلمة . ثم يأتي القانون الثالث ليحاصر عقول الجماهير ويحصرها في ثنائية ” الشعار وضدّه ” فلا يسمح لها ، بكل وسائل الإغواء الفكري والفني ، بأن تلتفت إلى قضايا أو مبادىء أو شعارات أو مشكلات أو حتى آمال أخرى قد يؤدي الالتفات إليها إلى الإفلات من الحصر أو الحصار الثنائي . ولما كانت المبادىء أو الأفكار المراد تلقيح عقول الجماهير بها لاتقذف في فراغ بل تردّ إلى رحم حضاري مليء بتراث تاريخي متراكم من المعتقدات والتقاليد والخبرات ، فإن جهد القهر الدعائي يجب أن يتجه – طبقاً للقانون الرابع – إلى تفكيك المكونات الحضارية بالتشكيك في صحة المعتقدات وملاءمة التقاليد وصدق الخبرات التي تسد نوافذ العقول دون الطارىء الجديد . وليس أسهل من قياس الواقع الماضي على الأمل المستقبل ، ليصبح كل ما مضى مديناً . وأخيراً يأتي القانون الخامس وهو توجيه الدعاية بدون التعرض – لاسلبياً ولا إيجابياً لما قد يكون بين الأفراد والجماعات من فروق روحية أو فكرية أو مادية أو اجتماعية لإخفاء واقع التمايز والتميز بين الأفراد والجماعات ، وما قد يثيره من خلاف أو صراع . إخفاؤه في جوف كتلة هائلة من أفراد نمطيين مجرّدين من واقعهم الاجتماعي فملتقين بالضرورة عندما يتوفر في كل منهم بالتساوي وهو الحد الأدنى من الوعي ، بالاضافة إلى مايصدق على كل منهم من أنه ” إنسان ” . حينئذ تبدو محاولات طرح المشكلات الاجتماعية الواقعية خروجاً على ” الجماهير ” يستحق الردع باسم ” الجماهير ” أو تنكراً مشيّأً لمبدأ مقدس .
وهذا هو على وجه التحديد ما يفعله في الوطن العربي الذين يناهضون العروبة بالإسلام والذين يناهضون الإسلام بالعروبة .
كيف ؟
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s