قـصة ” العلمانيـة “

jawab
قـصة ” العلمانيـة “
99 – ” العلمانية ” نزعة ترى ، أو تعمل على ، مايقال له ” الفصل بين الدين والدولة ” . ولما كانت كلمة   الدين غيرذات دلالة محددة على دين معين ، بل تطلق تجريداً على كل ماهو دين ، أو كل ما أسماه اصحابه أو منكروه ديناً ، بلا تفرقة ، ولما كانت كلمة ” الدولة ” قد اختلفت دلالتها على مدى العصور فأطلقت على الأسر الحاكمة ، وأطلقت على الحكم ذاته ، ثم هي في العصر الحديث تطلق على مجموعة من العناصر المادية والمعنوية والبشرية ، تؤلف معاً واقعاً معترفاً به ( سنعني بها السلطة في هذا الجزء من الحديث إلى أن نعودإليها تفصيلاً ) ، فليس ثمة غرابة في ان تكون كلمة ” العلمانية ” من أكثر الكلمات غموضاً . ومع ذلك فهي كلمة رائجة رواجاً كبيراً في الأدب السياسي . أما على مستوى الكلام المرسل أو الدعائي فقد يكون استعمالها من لوازم الاستعراض الذي يريد به بعض المثقفين الايحاء بأنهم عالمون أو علماء ، أو أنهم ينتهجون العلم في التفكير أو التدبير أو الحركة ، أو من لوازم ” الاستعباط ” الذي يريد به بعض الهاربين من المشكلات الايحاء بأن حركة الهرب تكتيك محسوب ( الهروب من فلسطين عربية إلى فلسطين علمانية ) .
ولعل مرجع الظن بأن كلمة ” علمانية ” قادرة على الايحاء بما يرضي غرور مستعمليها أو احلامهم ما يدخل في تركيبها من حروف كلمة ” العلم ” حتى لتكاد تنبيء بأنها مشتقة منها ، أو ذات صلة وثيقة بالعلم ، وهي ليست كذلك . لاعلاقة البتًة بين ” العلمانية ” نزعة وبين ” العلم ” منهاجاً . والأصل اللاتيني للترجمة العربية ينفي مثل هذه الصلة .
أكثر من هذا غرابة ومدعاة لغموض دلالة كلمة العلمانية ما يوحي به استعمالها للتعبير عن نزعة ” الفصل بين الدين والدولة” من أنها معارضة أو مناقضة للدين . وقد ساعد على شيوع وهم التناقض بين العلمانية والدين انها كانت ثمرة التيار الفكري العقائدي الجارف الذي أخرج أوروبا من ظلمات قرونها الوسطى وعرف باسم حركة التنوير . وقادته الفكريين كانوا ملحدين : هوجو جروتيوس ( 1583 -1645 ) وتومس هوبز ( 1588 -1679)وجون لوك ( 1632 – 1704 ) وديفيد هيوم ( 1711 – 1776 ) وجان جاك روسو ( 1712 – 1778 ) وجيرمي بنتام ( 1748 – 1832 ) وستيوارت مل ( 1806 – 1873 ) وهربرت سبنسر ( 1820 – 1903 ). . . الخ .
هذا في حين أن جوهر حركة التنوير الأوروبي هو الثقة في مقدرة العقل على ادراك الحقيقة . وهو جوهر نثرت بذوره في أوروبا جماعة من الدارسين يسمونهم جملة ” المدرسة الرشيدية ” نسبة الى الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد  ( 1126 – 1198 ) الذي نقلوا عنه فعرف الأوروبيون عن طريقه الفيلسوف الاغريقي أرسطو ، وفلسفته وشرحها . ( ترجم الاسكتلندي ميخائيل سكوت ( 1175 – 1234 ) اغلب اعمال ابن رشد إلى اللاتينية في الفترة مابين ( 1217 و1230 ) . وإذا كان الأوروبيون قد شاءوا – لأسباب لاعلاقة لها بالايمان أوالكفر أو الفلسفة – أن ينكروا ابن رشد حامل مشكاة النور إلى اوروبا المظلمة فإنه من غير المنكور أن من بين فلاسفة التنوير وقادته الفكريين فلاسفة عباقرة دافعوا عن الدين بسلاح العقل وآمنوا ، ليستطيعوا أن يفهموا كما قال من قبل سان انسلم ( 1033 – 1109 ) . منهم ديكارت ( 1596 – 1650 ) وليبنز ( 1646 -1716) وجورج باركلي ( 1685 – 1753 ) وجوزيف بتلر ( 1692 – 1752 ) وكانت ( 1724 – 1804) وهيغل ( 1770 – 1831 ) وهيرمان لوتز ( 1817 – 1881 ) . . . الخ .
والواقع أن حركة التنوير ذاتها لم تكن إلا امتداداً لما يسمى في تاريخ أوروبا ثورة الاصلاح الديني التي اندلعت في أوائل القرن السادس عشر وقادها مارتن لوثر الألماني الذي بدأ دعوته عام 1520 ، وجان كالفن السويسري الذي بدأ دعوته عام 1536 . ولقد كان الاصلاح الديني ثورة ضد احتكار الكنيسة في روما تفسير الانجيل ومدّ قدسيته إلى المذهب الكاثوليكي ، ليصبح المذهب هو الدين . ولم يلبث الاصلاح الديني أن تطور ليصبح ثورة ضد تكبيل العقل بقيود الوحي كما يصوغه مذهب الكنيسة فيما سمّي بحركة التنوير ، ولم تلبث حركة التنوير أن تطورت إلى ثورة سياسية ضد استبداد الكنيسة بالسلطة ، فكانت العلمانية .
لقد كانت كلّها مراحل حركة ثورية واحدة استمرت أكثر من قرنين ضد مؤسسة تحتكر العلم والفهم والحكم دون الناس أجمعين ، وتفرض علمها وفهمها وحكمها على الناس باسم الدين . فكانت هي الدين حين يكفر الناس بالدين أو يعارضونه أو يناقضونه ، ولم يكن الدين هو المسيحية . وقد تجسّد هذا الموقف في المذهب ” الرّباني ” الذي روّج له فولتير ( 1694 – 1778 ) فراج في أوروبا وانتشر . والمذهب الرباني يؤمن بالله وينكر الوحي ويثق بالعقل . بل ان تلك الكنيسة قد كانت سبباً في شيوع الهرطقة على مدى ثلاثة قرون سابقة على الثورة الفرنسية . وإذا كان كبير الماديين الملحدين البارون دي هلباخ ( 1723 – 1789 ) قد قال ان الدين هو السبب الأساسي للتعاسة ، فإنه كان يردد ماقاله من قبله أحد كبار كهنة الكنيسة ذاتها . قال الكردينال ريجيتا لدبول في مجلس الكرادلة الذي انعقد عام 1546 ، اننا نحن المسؤولون عن التعاسة التي حلت من انتشار الهرطقة وانحدار الأخلاق المسيحية ، لأننا فشلنا في أن نزرع الحقل الذي سلم الينا ، اننا كالملح الذي فقد طعمه .
يخطيء اذن الذين يظنّون أن العلمانية مذهب فكري مضاد للدين ، ويخطيء الذين يظنون أن العلمانية قد وفدت إلينا دعوة إلى الالحاد لتنتزع من قلوبنا الايمان . ولقد أضل هذا الخطأ كثيرين ، فرموها ، إذ رموها ، حيث ظنّوا موضع الخطورة فيها على الدين . نقول ” خطأ ” ونقول ” ظنا ” لأننا لانريد أن نسبق أسباب اليقين . وقد نعلم حينئذ أن ثمة عدواناً منظماً قد أراد أن يلهي ضحاياه عن دفع خطر واقعيّ يهدد حياتهم فلفتهم إلى خطر وهمي يهدد ايمانهم فأوحى إليهم بأن العلمانية نزعة إلحادية معارضة أو مناقضة للدين عامة فغاب عن الادراك العام مافي العلمانية من مناقضة ومناهضة للاسلام خاصة . ولن ندرك ماغاب بدون معرفة كاملة بحقيقة العلمانية . سنجتهد مااستطعنا في كشف حقيقتها لمن لايعرفون ، ونرجو ألاّ يندهش أحد منهم حينما يدرك أن أصل العلمانية بمعنى الفصل بين الدين والدولة التي يوحى إلينا بأنها مناقضة للدين ، مذهب ديني في المسيحية نشأ معها ، فرضاً من فروضها ، ثم استمر ركناً من أركانها ، وجزءاً من تراثها اللاهوتي . لم يدخل العقل البشري إلا بها ، إذ لم يكن معروفاً في أي دين من قبل ، ولم ينتقل منها إلى أيّ دين من بعد .
في اليهـوديـة
100 – فمن قبل كان اليهود مجتمعاً قبلياً جائلاً في الأرض ، لاأرض له، إلا مايقيم عليهاحتى ينزع عنها ، مثلهم في ذلك مثل كل المجتمعات القبلية التي كانت تجوب الأرض إلى ماقبل عصر الشعوب ثم القوميات ، وما يزال بعضها جائلاً في الأرض حتى الآن . فنرى فيما كتبه اليهود عن تاريخهم في أسفار التكوين والخروج والتثنية والملوك من كتابهم المسمى ” توراة ” أن قد كانت بدايتهم عشيرة إبراهيم عليه السلام في مدينة أور جنوبي مدينة بابل ( العراق ) . ومنها بدأت جولتهم القبلية الطويلة ، إلى حاران ، ثم كنعان ( فلسطين ) ، ثم مصر ، ثم حبرون ( فلسطين ) ، تحت قيادة ابراهيم ، ثم إلى مصر مرة أخرى بدعوة من يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ثم إلى سيناء تحت قيادة موسى عليه السلام لمدة جيلين ، ثم إلى فلسكين تحت قيادة يوشع بن نون ، ثم إلى العراق أسرى على دفعتين : دفعة ساقها ملك اشور ، ودفعة ساقها ملك بابل . وابتداء من 539 ق.م . استولى دارا ، ملك فارس ، على كل الأرض التي كانوا يجولون فيها ، ثم من بعد الفرس استولى عليها اليونانيون بقيادة الاسكندر الاكبر عام 332 ق.م . ثم استولى عليها الرومان عام 58 ق.م . طوال تلك الفترة التي بدأت بالاستيلاء الفارسي حتى نهاية الاستيلاء الروماني لم يكن لليهود ارض خاصة بهم ولو كانوا مقيمين فيها باذن من صاحبها الغالب . ثم انتهى تاريخهم عام 70 بعد الميلاد حين أبادهم الرومان جملة ، ودكّوا مواقع إقامتهم ، وأحالوا هيكلهم المقدس رماداً .
وليست الهجرة في الأرض بحثاً عن الرزق أو الأمن هي المييز الوحيد للمجتمع القبلي ، بل من مميزاته أيضاً وحدة مصدر السلطة في إدارة شؤون القبيلة . ولقد كان ذاك المصدر الوحيد في كل المجتمعات القبلية هو الدين سواء كان وثنياً أم سماوياً . وسواء كان الاله الوثني واحداً أم متعدداً . ومع أن الطريق إلى مركز القيادة في القبيلة ، أيّ قبيلة ، لم يكن دينياً دائماً ، ولا كان سلمياً في كل الحالات ، إلا أن الوصول اليه كان دائماً دليلاً مقبولاً على اختيار الآلهة من انتصر فوصل . وكثيراً ماكانت الطقوس الدينية التي تلي النصر شهادة لرئيس القبيلة الجديد بأنه الاله أو ممثل الاله . وكان الكهنة أوالسحرة هم الشهود على تلك الصلة بين السلطة ومصدرها الديني ، أي على شرعية السلطة . ولما كانت السلطة في كل قبيلة مقصورة على أفرادها الذين ينتسبون عادة إلى جدّ واحد ، حقيقي أو مزعوم ، فقد كان لكل قبيلة دينها وإلهها أو آلهتها المقصورون عليها . وكان كل ذلك  “معترفاً به ” لكل قبيلة في المجتمعات القبلية ، معترفاً به من القبيلة المعنية ومن القبائل الأخرى .
ولم يكن اليهود إلا قبيلة لها إلهها الخاص ” يهوه ” فحرّمت عليهم النصوص القبلية الموضوعة في التوراة أن يعقدوا أيّ حلف مع آلهة القبائل الأخرى . فيقولون على لسان إلههم ” يهوه ” : ” إنّي أدفع إلى أيديكم سكان الأرض فتطردهم من أمامك . لاتقطع معهم ولامع الهتهم عهداً ” ( سفر الخروج ، اصحاح 23 آية : 32 ،33 ) وهو مايعني ” الاعتراف ” القبلي بآلهة القبائل الأخرى . على أي حال فإن تاريخ اليهود نموذج يكاد أن يكون كاملاً للدين كمصدر وحيد للسلطة في كل العصور السابقة على ظهور المسيحية ، وبالتالي على غياب فكرة  “العلمانية ” عن العقل البشري في تلك العصور .
101 – فعلى مستوى القيادة القائمة بالسلطة توارث قيادتهم ابراهيم ثم اسحق ثم يعقوب ثم يوسف ثم موسى ثم مجموعة من رجال الدين يسمون ” القضاة ” آخرهم صموئيل النبي لمدة 450 عاماً . ثم من بعدهم داود ثم سليمان نحو عام 1000 قبل الميلاد . وكان كل اولئك القادة القبليون ” أنبياء ” في الوقت ذاته . وكان قادتهم القبليون في ظل السيطرة الفارسية واليونانية والرومانية ” كهنة ” يختارهم الفرس واليونانيون والرومانيون إبقاء على نسبة السلطة القبلية إلى الدين ولو كان مصدرها الواقعي لايهودياً
102 – أما على مستوى النظام القبلي الداخلي بكل علاقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقد عاش اليهود طوال تاريخهم يحكمهم نظام ” الشريعة ” . والشريعة مدونة في مرجعين . الأول ، كتاب يقدسونه اسمه التوراة ينطوي ، بجوار الوصايا العشر المعترف بها رسالة موسى عليه السلام إلى قومه ، على مجموعة كثيفة من كليات وتفاصيل أحكام العبادات ( الطقوس ) ، والمعاملات المدنية والجزائية ( الجرائم وعقوبتها ) ، والمالية  (الاملاك والعشور والنذور ) ، والاجتماعية ( إذا مات والد عن غير ولد كان لأخيه أن يتزوج أرملته على أن ينسب الابن البكر الذي ينجبه منها إلى أخيه الذي مات ( التثنية : اصحاح 25 آية : 5 -7 ) .
أما المرجع الثاني فهو التلمود وهو قسمان : ” المشنة ” أي صورة الشريعة ” والجمارة ” أي ملحق الشريعة .
وكلاهما تفاسير وشروح للأحكام دينية الأصل ، وإن كانت قد تكاثرت وتشعبت حتى أصبحت عند بعض اليهود هي المرجع دون التوراة ( طائفة البروشيم ) ..
وهكذا لم يعرف تاريخ اليهود مايمكن أن يقال له ” قانون وضعي ” ولو على مستوى السلوك اليومي . وكل ماوضعوه فعلاً وضعه الكهنة وردّوه إلى الدين ليكتسب قوة الالزام ، وهي قوة لامصدر لها في اليهودية غير الدين .
103 – أما على مستوى تنظيم ممارسة السلطة ، بالاضافة إلى الأنبياء القادة أو الأنبياء الملوك كان يوجد  “السنهديم ” وهو هيئة كهنوتية ذات سلطة عليا . يرأسه رئيس الكهنة وينتخب أعضاؤه من الكهنة والكتبة (علماء الشريعة ) واللاويين ( سبط لاوي بن يعقوب ) ، الذين اختارهم ” يهوه ” لخدمته ، المختصون بالوظائف الكهنوتية المالية مثل تلّقي العشور والنذور وأوائل القطاف وباكورة الأثمار وأبكار الأنعام وفدية البكر من البنين . . الخ وكان ” السنهديم ” يهيمن على حياة اليهود هيمنة كاملة شاملة ، ويقوم بممارسة السلطة بكل فروعها المعروفة اليوم : التشريعية والتنفيذية والقضائية . فقد كان هو الذي يفتش في دفاتر الشريعة عن النصوص ويقرر أنها ملزمة ، وهو الذي يضبط المخالفات والجرائم ، وهو الذي يصدر الأحكام وينفذها بالاضافة إلى رقابة السلوك اليومي لكلّ فرد للتأكد من اتفاقه مع الطقوس الدينية بدءاً من طقوس غسل الأيدي حتى الامتناع عن العمل يوم السبت . وكان هو الذي يعين فروعه وممثليه في كل موقع ليمارسوا السلطة نيابة عنه . ولقد كانت تلك الهيئة الكهنوتية تملك توقيع العقوبة ” القبلية ” : الطرد من القبيلة ، التي تعني التكفير والتهجير معاً أو مايقابل – مع بعض الفروق – عقوبة الحرمان من النظام الكنسي . ولقد كانت تلك العقوبة – كشأنها في كل المجتمعات القبلية – أداة حاسمة لاخضاع كل يهودي لسيطرة ” السنهديم ” .
104 – هكذا كانت اليهودية وكان اليهود قبل ظهور المسيحية . وكذلك كانت لكل المجتمعات القبلية . لم تكن فكرة ( ولا نقول نظاماً ) ازدواج السلطة ، في المجتمع الواحد قد خطرت للعقل البشري . لم يكن في تاريخ البشرية قبل المسيحية ما يسمح بنشوء لفظ يعبّر عما تعبّر عنه ” العلمانية ” الآن من فصل الدين عن الدولة .
ازدواج السـلطة
105 – ثم جاء السيد المسيح عليه السلام رسولاً إلى بني إسرائيل تسبقه وتمهد له وتبشر بمجيئه عشرات النبوءات الواردة في كتبهم . قالوا ، وكتبوا ، قبل مجيء المسيح ان النبي اشعياء قد قال ان المسيح سيولد من عذراء . وأن النبي ميخا قد قال بأنه سيولد في ” بيت لحم ” . وان النبي هوشع قد قال انه سيلجأ إلى مصر في طفولته . وأن النبي زكريا قد قال انه سيدخل القدس يوم الأحد السابق على عيد الفصح . وان النبي داود قد قال ان احد تلاميذ المسيح سيخونه ويسلمه الى اعدائه . .. الخ . وتواترت الاناجيل الاربعة على أن قد جاء المسيح على ماقال انبياء بني اسرائيل في كتبهم . بالرغم من ذلك لم يصدقه اليهود . ولم تفلح كل المعجزات التي وردت في الأناجيل ووقعت بين اليهود وتحت سمعهم وبصرهم من أول إحياء الموتى إلى إطعام خمسة آلاف من الجوعى من بعض سمكات ولقيمات . . .الخ ، لم تفلح في إقناع اليهود الذين عاشوا دهراً ينتظرون المسيح ، بأن المسيح هو عيسى بني مريم الناصري الذي عاش بينهم . وهو أمر تصدم غرابته قارىء الانجيل ، إذ يبدو فيه إنكار اليهود للمسيح صاحب كل تلك المعجزات المرئية والملموسة ، مجرداً من أي مبرر معقول . ولكنه في الحق لم يكن غريباً . كان وراءه سبب بسيط . وهو بعد سبب وحيد : ان عيسى بن مريم قد جاء اليهم نبياً ورسولاً ولم يأت ملكاً أو قائداً . ولم تكن اليهودية كما صاغ أحكامها الكهنة ، وما كان اليهود كما صاغهم التاريخ قبيلة ، بقادرين على فهم أو قبول فكرة ( مجرد فكرة ) الفصل بين النبوة والملك . أو كما يقال الآن فكرة الفصل بين الدين ” والدولة ” أو فكرة ” العلمانية ” .
وكان لابد من اختبار السيد المسيح لكشف موقفه من تلك الفكرة الغريبة . فأرسل اليه الفرّيسيون ، وهم طائفة الفقهاء من اليهود ، بعض الهيرودسّيين ، وهم طائفة من اليهود عملاء الامبراطورية الرومانية ، ليختبروه ” قائلين : يامعلم ، نحن نعلم انك صادق وتعلّم طريق الله بالحق ولاتبالي بأحد لأنك لاتنظر إلى وجوه الناس فقل لنا ماذا تظن . أيجوز أن تعطي الجزية لقيصر أم لا ؟ فعلم يسوع خبثهم وقال : لماذا تجربونني يامراؤون أروني معاملة الجزية . فقدموا له ديناراً . فقال لهم : لمن هذه الصورة والكتابة فقالوا له : لقيصر . فقال لهم : ” أعطوا إذاً مالقيصر لقيصر والله لله ” ( متى 21 : 17 ) .
106 – بتلك الكلمات المقدسة مسيحياً ، ولدت فكرة ازدواج السلطة في العقل البشري . وهي لم تولد فكرة مجردة ، بل صيغت أمراً ونظاماً للحياة في مجتمع حي . وهما أمر ونظام لايستمدان قوتهما الملزمة من معقوليتهما ذاتهما ، ولا من ملاءمتهما لحاجة من وضعا لهم يتبعونهما إن شاءوا ويتركونهما إن أرادوا غير آثمين . لا ، بل هما أمر ونظام يستمدان قوتهما الملزمة من مصدر الالزام في الدين كله : الايمان بالمسيح وقدسية تعاليمه . وهكذا لم يكن نظام الفصل بين الدين ” والدولة ” أو العلمانية نزعة خارج الدين او موقفاً منكراً له أو مضاداً ، بل هي – أي العلمانية – فرض ديني وركن من أركان الديانة المسيحية .
وهو ركن لايقوم على مجرد القول : ” أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله ” بل يقوم على هذا المبدأ وعلى تطبيقاته المتكررة في آيات الانجيل . ذلك أن الفصل بين ما لقيصر وما لله ، قد تم فصلاً مابين الدين والدنيا ، ووضع السيد المسيح المؤمنين به في موقف خيار حاسم بين ملكوت السماء وبين زينة الحياة الدنيا من المال والبنين . قال عن المال : ” لايقدر أحد أن يخدم سيدين . لانّه إما أن يبغض واحداً ويحب الآخر وإما أن يلازم واحداً ويحتقر الآخر . لاتقدرون أن تخدموا الله والمال ” ( متى : اصحاح 6 آية 24 ) وقال عن البنين : ” لاتظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض . ماجئت لألقي سلاماً بل سيفاً . فإني جئت لأفرق الانسان ضدّ أبيه والأبنة ضد أمها والكنّة ضد حماتها . وأعداء الانسان أهل بيته . من أحب أباً أو أماً اكثر مني فلا يستحقني ومن أحب ابناً أو ابنةً اكثر مني فلا يستحقني ومن لايأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني ” ( متى : 10 آية 34 – 37 ) . واضح من هذين النصين فصل العلاقات الدنيوية الأسرية والاقتصادية عن العلاقة الدينية بعد أن كان نص من قبلهما قد فصل بينهما وبين العلاقات السياسية . وهو فصل للتناقض وليس فصلاً للتمييز بما يعني منع الجمع بين الدين وبين كل تلك العلاقات . وصيغة القول : ” لايقدر أحد أن يخدم سيدين ” واضحة الدلالة في تقرير الاستحالة المسيحية للجمع بين الدين والدنيا .
ومن تطبيقات المبدأ ذاته أسلوب اختيار السيد المسيح لتلاميذه أو أسلوب اتّباعهم له . فهو اسلوب قاطع الدلالة على منع الجمع بين الدين والدنيا . كانت صيغته في كل مرة الترك من أجل الأخذ . ترك شواغل الدنيا لأخذ المركز الديني . قص الانجيل انه ” وإذ كان يسوع ماشياً عند بحر الجليل رأى أخوين سمعان الذي يقال له بطرس واندراوس أخاه يلقيان شبكة في البحر فإنهما كانا صيادين . فقال لهما : هلمّ ورائي فاجعلكما صيّادي الناس . فللوقت تركا شباكهما وتبعاه . ثم اجتاز من هناك فرأى اخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في السفينة مع زبدي ابيهما يصلحان شباكهما فدعاهما فللوقت تركا السفينة وأباهما وتبعاه ” ( متى 4 : 18 – 22 ) ” وفيما يسوع مجتاز من هناك رأي إنساناً جالساً عند مكان الجباية اسمه متّى فقال له : اتبعني . فقام وتبعه ”  ( متى 9 : 9 ) . إن العناية بإبراز الاستجابة الفورية للأمر المقترن بالتّرك الفوري للعمل هو إبراز لحدّية الفصل بين الدّين والدنيا ومنع أيّ شك في أنه لايمكن الجمع بينهما ولو لفترة زمانية قد يقتضيها الانتقال من موقع العمل الدنيوي إلى موقع العمل الديني . ولولا قدسية المبدأ لما كان ثمة مايحول دون أن يكون بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا ومتّى تلاميذ للسيد المسيح وعاملين بالصيد أو بغيره .
107 – قام الفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية إذن على مستوى العقيدة ولم يبق إلاّ تجسيد هذا الفصل في ممارستها . أما سلطة قيصر فقد كان يمارسها قيصر وأعوانه ، فمن ذا الذي يمارس السلطة الدينية ؟ إنهم تلامذة السيد المسيح الذين اختارهم ليتبعوه . لم يخترهم ليعلمهم أو ليخصّهم بالعلم دون العامة من الناس ، فقد كان عليه السلام يعلّم الكافة ويسعى إليهم حيث يكونون بدون تخصيص . ولكنه اختارهم ليمنحهم ، وحدهم دون الباقين ، ماكان يتمتع به هو من قوة روحية ، وليخولهم سلطة الدين ، وليجعل منهم رسلاً ، ولتكون لهم وحدهم الكلمات الأخيرة في كل شؤون الدين ، ولتكون طاعتهم عنوان الايمان به . يقص الانجيل أن السيد المسيح قد ” دعا تلاميذه الاثنى عشر وأعطاهم سلطاناً على أرواح نجسة حتى يطردوها ويشفوا كل مرض وكل ضعف “( متى 10 : 1 ) ثم أعلن لهم وللكافة : ” من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي ارسلني ” ( متى 10 : 40 ). ” وأنا أقول لك انت يابطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها . وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات . فكل ماتربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات ، وكل ما تحلّه على الأرض يكون محلولاً في السماوات ” ( متى 16 : 18 – 20 ) .
108 – لم يكن تلاميذ المسيح ( وخلفاؤهم ) اذن مجرد مسيحيين بل كانوا ” رجال الدين ” . ويستحق هذا التعبير الأخير انتباها خاصا . ذلك لأنه يطلق في مرسل الحديث في مجتمعنا العربي المسلم على الذين ينسب اليهم أو ينسبون إلى انفسهم معرفة أوسع أو أعمق أو أكثر تخصصا بعلوم العبادات والفقه والمعاملات في الشريعة الاسلامية . وهم يحظون على هذا الوجه بقدر من التوقير الذي يستحقه العلماء المتخصصون ، وبقدر من الثقة التي يوحي بها كل من اشتهر بأنه عالم فيما أحاط به علماً ، أو تخصص فيه . ثم إنهم قد استحقوا احترام التاريخ كلما تولوا الدفاع عن الاسلام بالحجة ضد مناهضيه خاصة في مراحل تاريخية سادها الجهل والانحطاط ففتحا في جدار الحصانة الدينية ثغرات تسربت منها الدعوات المناهضة . ولقد كان الأزهر قلعة ذاك الدفاع على مدى قرون ، فأصبح لقب ” رجل دين ” ، يطلق على المتخرجين من ذلك المعهد العظيم أو المنتسبين إليه . ولقد يطلق العامة لقب ” رجل دين ” مجاملة ، على الذين يجودون قراءة القرآن أو الذين مايزالون محتفظين لأنفسهم بذلك الزي الذي كان يلبسه الكافة ( الجبة والعمامة ) لأنه الزي الغالب لطلبة وخريجي الجامعات التي كانت للكافة ، ثم أصبحت مقصورة على العلوم الدينية . ولكن ” رجال الدين ” أولئك ، كما نسميهم في مجتمعنا العربي المسلم ، لايستمدون من علمهم أو تاريخهم أو زيهم سلطات أو حقوقا أو امتيازات على غيرهم من المسلمين ، لا في شؤون الدين ولافي شؤون الدنيا . وليس ثمة أكثر بلاغة في التعبير عن هذا مما قاله الامام محمد عبده حين قال : ” ليس في الاسلام سلطة دينية سوى الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر . وهي سلطة خوّلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف اعلاهم كما خولّها لأعلاهم يتناول بها أدناهم ” .
ليس هكذا دلالة تعبير ” رجال الدين ” في المسيحية . انهم خلفاء الرسل المتفرغون لأداء وظائف الرسالة ، الذين ينتمون إلى مجتمع خاص بهم ، مغلق عليهم ، لايقبل فيه أيّ فرد إلا على درجات من الطقوس والاختبارات تنتهي بقبوله . ولاينتسب إليه من خارجه أحد ولو كان عبقري العلم بالدين المسيحي . وتتدرج علاقاته الرئاسية طبقات فوق طبقات فوقهم قمم من الرجال قد يبلغ بعضهم مراتب ” القديسين ” . ثم إن لهم على الناس سلطاناً لاتستقيم حياة الناس بغير طاعته . فلا يصبح المسيحي مسيحياً بمولده ، ولايكفي ايمانه ، بل ينتمي إلى دينه على أيديهم ” بالتعميد ” . ولاينعقد زواج بين مسيحيين إلا إذا عقدوه هم . ولاينفصل زوجان إلا بقرار منهم . ثم إن لهم – أو كانت لهم – سلطة التشريع للناس كافة في أوروبا حتى القرن السادس عشر ، أي قبل عودة أوروبا إلى القانون الروماني . وكانت لهم سلطة القضاء لأنهم هم الأولياء على تفسير وتطبيق ومراقبة تنفيذ أحكام الدين . ولقد كانت ” محاكم التفتيش ” التي ذهبت مثلاً في تاريخ التعذيب المجنون ، وبلغت شأو شراستها على عهد البابا إنوسنت الثالث ( 1160 – 1216 ) محاكم رجال الدين التي تحكم بما يفتون وهم فيها المحققون والمدعون والقضاة . وكان لرجال الدين حق التربية والتعليم بحكم انهم كانوا القلة المتعلمة الذين تدخل في وظائفهم مهمة هداية الجهلة والاميين في عصور لم تكن التربية أو التعليم مما يستحق اهتمام الاباطرة والملوك والأمراء . باختصار ، رجال الدين في المسيحية نفر لهم على الناس سلطان . السلطان الذي صاغه السيد المسيح في قوله لبطرس الرسول : ” فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات وكل ماتحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات ” . فهم المرجع فيما هو مباح للناس وماهو محرم عليهم في حياتهم .
109 – كل هذا سواء كان ” رجال الدين ” أعلم الناس بالديانة المسيحية وأكثر ورعاً أم لم يكونوا ” المفترض ” ألايكون من ” رجال الدين ” إلا عالم بالدين أو على قدر متميز من العلم به . ألا يفترض في كل ذي مهنة العلم بمهنته ؟ ولكن هذا الافتراض لم يكن متحققا في مراحل تاريخية طويلة . فعلى مدى تاريخ الامبراطورية البيزنطية ، ومنذ أن دخلتها المسيحية على يد الامبراطور قسطنطين الأكبر ثم أصبحت دينها ” الرسمي ” في أواخر القرن الرابع ، كان الأباطرة هم الذين يختارون البطاركة ( رؤساء الكنيسة الشرقية ) ، وهم الذين يدعون رجال الدين إلى الاجتماعات ، ويرأسون مجالسهم ، ويشتركون في المناقشات ، ويدلون بأصواتهم ، ويكون رأي الامبراطور مرجحاً عند تساوي الأصوات ، حتى لو كان موضوع المناقشة موضوعا لاهوتيا صرفا . في عام 638 م خطر للامبراطور هرقل أن يحسم الخلاف القائم بين رجال الدين حول طبيعة السيد المسيح فألف ونشر رسالة بعنوان ” تقرير عن الايمان ” أثارت فتنة مروّعة عمت الامبراطورية ، ولم تنج منها الا الكنيسة القبطية مما حمل الامبراطور كونستانس على اصدار أمر بالكف عن المناقشة في الموضوع ( عام 648 ) . المهم أن اختيار الامبراطور لرجال الدين وتعيينهم وقراراته في الشؤون الدينية لم تكن بعيدة دائما عن أهواء الأباطرة واهدافهم السياسية التي لم تكن تتفق ، في كثير من الحالات ، مع مايفترض في رجال الدين من علم وتقوى واستقامة . ولم يكن الأمر في الامبراطورية الرومانية الغربية ( الكاثوليكية ) أفضل من هذا . ففي عهد شارلمان ( عام 800 م ) ثم بعده على مدى قرون كان الامبراطور هو الذي يعيّن رجال الدين ويراقبهم ويتخذ من بينهم مستشارين تابعين له تبعية مباشرة فكان ممكنا في ظل تلك التبعية أن يتولى رجال محدودو الثقافة الدينية – والمدنية ايضا – مراكز دينية رئاسية من خلال علاقاتهم السياسية بالامبراطور وبطانته . ولما شاع ذلك ، ضعف الايمان الديني وانحطت القيم الخلقية لدى رجال الدين ، مما أدى بالبابا غيغوري السابع إلى الاحتجاج حتى الثورة على هنري الرابع . وهي ثورة انتهت بنفي البابا الذي أراد ” لرجال الدين ” أن يكونوا رجالاً على دين ، بعيدين عما يشك في علمهم ولا يتفق مع روح المسيحية ، ولا مع سلطانهم على أرواح المسيحيين .
اذن فلقب ” رجال الدين ” في المسيحية لايعني – بالضرورة – أن حامله اكثر علما بالدين من غيره ، أو اكثر التزاما بأحكام الدين من الآخرين ، وإن كان كل ذلك مفترضا. وهذا يعني أن علمهم لم يكن هو مصدر قوة سلطانهم ، بل كان لسلطانهم مصدر قوة آخر سنعرفه .
110 – وقد يكون مفيداً ، لاكمال فكرتنا عن دلالة ” رجال الدين ” في المسيحية ، أن نتحرر من القياس على ” الراهب ” العابد الزاهد المنعزل عن الدنيا وما فيها من مغريات مادية وغير مادية . لم يكن ” رجال الدين ” الذين نتحدث عنهم رهبانا ولا مترهبين بل كانوا موظفين ، وفي مقابل أجور أيضا . ولقد كانوا يأكلون ويشربون ويلبسون ويسكنون أفضل مما كان متاحا للعامة من الناس ، وكانوا يقيمون الكنائس الشامخة ويستأجرون لتزيينها أعظم الفنانين . وكانوا يعقدون الاجتماعات وينتقلون بين المدن والممالك ويكتبون وينشرون ثم – في مرحلة تاريخية طويلة – يجندون الجند ويعدّون الجيوش ويدفعون اثمان عتادها وخيلها وسفنها ورواتب جندها الكثيف . وكان لابد لكل ذلك من مصادر تمويل كافية ومستقرة الكفاية . وبدأت المصادر بتبرعات المؤمنين . ومن المؤمنين ملوك وأمراء ونبلاء واقطاعيون أسخياء في التبرع لمن يملك حق الاباحة والتحريم ويزدادون سخاء لو كانوا منافقين . ثم امتدت المصادر تبعا لما قرره رجال الدين من انهم اصحاب حق في أن يحصلوا من الأموال والعقارات على ما يقدّرونه لازماً وكافياً لأداء خدماتهم ” الروحية ” وحماية الدين من الهرطقة ، واستطاعوا فعلاً أن يكونوا أوسع الناس ملكية للأراضي وأغناهم أموالا وأن يحصنوا أملاكهم ورعاياهم ضد أية ضرائب أو مكوس مما تتقاضاه السلطة المدنية ، بل وأن يمتلكوا الممالك ذاتها ثم يردوها إلى الملوك اقطاعيات من عندهم مقابل إتاوات باهظة ، كما فعلوا مع فريدريك الثاني ملك ايطاليا ، ومع بدرو الثاني ملك أراغون ، ومع ملك انكلترا الذي استحق لقب ” جان عديم الارض ” بعد أن أجبره رجال الدين على التنازل عن ارض انكلترا كلها للبابا .
111 – في اطار العناصر السابقة مجتمعة ( الناس والأرض والسلطة ) نستطيع أن نعرف أنّ ” رجال الدين ” في المسيحية لم يكونوا إلا العنصر البشري من مؤسسة هائلة ذات سلطة ومال تشملهم وتوظفهم في مباشرة سلطات دينية وتشريعية وقضائية وادارية ومالية وعسكرية ، وتحفظ بهم لنفسها وتستثمر مناطق جغرافية شاسعة وأموالاً منقولة وعقارات ثابتة تمتلكها ملكية خاصة . كل ذلك تحت قيادة مركزية واحدة تتبعها أجهزة مختلفة الوظائف يؤديها رجال الدين . تلك المؤسسة هي ” الكنيسة ” . وكما أن الكنيسة بهذا المعنى ليست هي مكان العبادة المعروف ، بل هي المؤسسة التي يتبعها ” رجال الدين ” فإن ” رجال الدين ” ليسوا هم العلماء بالدين المعروفين ، بل هم رجال الكنيسة المؤسسة التي يستمدون من قوة سلطانها قوة سلطانهم . هكذا تجسد في الواقع الاجتماعي مبدأ : ” اعطوا مالقيصر لقيصر وما لله لله ” الذي أوصى به السيد المسيح عليه السلام فهو ” اعطوا ماللدولة للدولة وماللكنيسة للكنيسة ” . اي الفصل بين نشاط الكنيسة وبين نشاط ” الدولة ” وهو المدلول الصحيح لمبدأ ” العلمانية ” .
الصراع
112 – إن تاريخ المبدأ ” العلماني ” ( الفصل بين الكنيسة والدولة ) في أوروبا المسيحية حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تاريخ الصراع بين الكنيسة ” والدولة ” وهو صراع لم يهدأ إلا في الفترات التي سيطرت فيها احدى المؤسستين على الأخرى ، أي فترات هزيمة المبدأ ذاته في الواقع بالرغم من بقائه على المستوى النظري كلمات ذات قدسية غير منكورة .
فلقد بدأ نشاط الكنيسة التي اسسها السيد المسيح عليه السلام على ايدي الرسل من تلاميذه في ظل سيادة دولة طاغية هي الامبراطورية الرومانية ، يحكمها أباطرة طغاة من امثال كليجولا وكلوديوس ونيرون . ولما كان الفصل بين الكنيسة والدولة يفرض على رجال الدين أن يتركوا ما لقيصر لقيصر فقد اتجهت تعاليمهم إلى احترام وطاعة السلطة الحاكمة حتى حينما يكون الحكم جائرا . كذلك قال بولس ان من يقاوم السلطة يقاوم ارادة الله ويستحق إدانة الكنيسة . وحينما سجنه الامبراطور سيزاريا لم يدافع عن نفسه إلا بقوله : ” إلهي فلتكن مشيئتك ” . إن هذا الموقف سيتغير فيما بعد . لا لأن المسيحيين سيغيرون عقيدتهم ولكن لأن موازين القوى ستتغير . ولقد كان المسيحيون على عهد الرسل مجردين من أية قوة تحميهم من بطش الاباطرة الطغاة فذهبت أجيال منهم ضحايا السجون والتعذيب الوحشي والقتل الجماعي . لقد أعطوا ما لقيصر التزاما بموقفهم الديني في الفصل بين الكنيسة والدولة ؛ ولكن ” الفصل ” أو ” الاستقلال ” علاقة ذات طرفين لايتوقف نفاذه على إرادة طرف واحد . وإذا كان المسيحيون الاوائل قد التزموه واعطوا مالقيصر لقيصر فإن القياصرة قد نقضوه فلم يعطوا ما لله لله بل أبادوا كلّ من استطاعوا أن يبيدوه من الدعاة للدين المؤمنين بالله . فانهزم المبدأ وأصبح الخيار الوحيد المتاح للمسيحيين الاوائل ليس بين الكنيسة والدولة ولكن بين الكفر والايمان . فاختاروا الايمان واستشهدوا في سبيله وشهد لهم التاريخ ، واشاد ببطولاتهم في مواجهة الموت . وكان حقاً ما قاله الاب المسيحي لويجي تاباريللي: ” اننا نؤكد أن المسيحيين في ظل القياصرة كانوا يموتون لأنه كان واجبا دينيا عليهم أن يموتوا ” .
113 – نقول تغيرت المواقف بعد ذلك حين أصبحت المسيحية هي دين الامبراطورية في عصر البابوات
( رؤساء الكنيسة الكاثوليكية ) . تغيرت ولكن مع الابقاء – على المستوى النظري – على المبدأ ( العلماني ): فصل الكنيسة عن الدولة . وتبادلت المؤسستان ، من خلال الصراع بينهما ، موقع الصدارة والسيطرة وإن كان الاتجاه العام لنمّو القوة في صالح الكنيسة حتى القرن السادس عشر . ولقد أشرنا من قبل إلى فترات تاريخية طويلة كان ميزان القوة لصالح الاباطرة في الامبراطورية البيزنطية والرومانية كلتيهما ( فقرة 109 ) وإلى فترات أخرى كان البابوات فيها اصحاب الغلبة على الملوك والممالك ( فقرة 110 ) .
وانعكس ذلك الصراع على التيار الفكري الذي صاحبه وغذّاه .
114 – ففي القرن الخامس بدأ البابا جيلاسيوس الأول بتذكير الامبراطور بأن ثمة سلطتين تحكمان العالم : السلطة المدنية والسلطة الدينية ، وأن السلطة الدينية تتحمل مسؤولية أثقل ، إذ انها تعنى بالجانب الخالد من الانسان وهو الروح . والخلود مصير الانسان . وما الحياة الدنيا إلا مرحلة اختيار وتحضير للحياة الآخرة . وبالتالي فان القانون الالهي أسمى من أي قرار أو أمر يصدره إنسان . وأبدعت الكنيسة تفسيراً لحقها في السيطرة النظرية المعروفة باسم ” نظرية الحق الالهي ” . أو( مذهب آباء الكنيسة ) . مؤداها أن الحكم لله وحده وأنه يختار لادائه في الارض من يشاء ، فيصبح حاكماً بأمر الله . والمميز لها أن الاختيار يتم مباشرة لشخص بعينه على وجه يجعله قريباً من معنى ” الانتقاء ” . ومن هنا جاءت كلمة ” سيادة ” في اللغات ذات الاصل اللاتيني إذ أنها تعني في أصلها ” المختار من الله ” لم تدخل هذه الكلمة لغة القانون إلا في القرن السادس عشر .
وقد قيض لهذه النظرية رجل عبقري حاول أن يصوغها على وجه يوفق بين مضمونها اللاهوتي ووظيفتها في مساندة السلطة البابوية . ذلك هو القديس توما الاكويني الذي كان مستشاراً فكرياً للبابا .
يقسم توما الاكويني مصدر السلطة الى ثلاثة أنواع : النوع الاول ، هو الارادة الالهية المحيطة بكل شيء ، والنوع الثاني ، هو القانون الطبيعي الذي أودعته الارادة الالهية في ضمائر البشر فيجعلهم يميزون بين الطيب والخبيث ، وأخيرا ، النوع الوضعي أو البشري ، وهو تلك القواعد التي يضعها الناس في المجالات الخاصة . بالبناء على هذا التقويم يعود توما الاكويني فيفرق بين ثلاثة أوجه للسلطة : أولها ، الجوهر أو المبدأ ، وهو ارادة الله وتؤديه الكنيسة ؛ والثاني الشكل أو الاسلوب ( ملكية أو ارستقراطية أو ديوقراطية ) ، وهذه يميز بينها ويختارها الحكام ؛ والثالث الممارسة أو التنفيذ ، وهذه يؤديها البشر . هكذا أراد توما الاكويني أن يلائم بين الحق الالهي – مصدر سلطة الكنيسة – وبين صور ممارسة السلطة وأشكال الحكم ، مع الاحتفاظ بمصدر الحق في الحكم وسند شرعيته ، أو جوهر السلطة ومبدئها ، للارادة الالهية ، لتبقى اليد العليا للكنيسة . بعد توما الاكويني يأتي جيل الروماني الذي كان تلميذاً له في جامعة باريس ، واستحق من بعده لقب ” أكثر المفكرين عمقا ” ( 1245 – 1316 ) ليكون اكثر صراحة فينطلق من أن الله موجود في كل شيء بما في ذلك عقل الانسان وحواسه لينتهي إلى القول بأن للبابا – ممثل الله في الأرض – حق السلطة على كل واحد وكل شيء في الأرض .
115 – على الجبهة الأخرى من الميدان الفكري الذي يعكس ويغذي الصراع بين الكنيسة ” والدولة ” يبدع أنصار الملوك نظرية ” العناية الالهية ” ( او نظرية الملكية المقدسة ) التي تبقي على السماء مصدراً للسلطة ، ولكنها تنكر احتكار البابا للقيام على إرادة الله في الأرض لتفسح مكاناً للملوك . فتذهب نظرية العناية الالهية إلى أن إرادة الله توجه شؤون الناس وعقولهم وإرادتهم على وجه غير مباشر إلى أن تصبح السلطة في يد واحد منهم. فهو لايكسبها بجهده ولايستحقها لأمر خاص به ، ولايتلقاها من أحد من الناس ، ولا من الله ايضا ، ولكن عناية الله هي التي وضعته في موضعه . مادام الملك ملكاً فليس من حق أحد أن يحد من سلطته لأن ذلك سيكون تحديا لارادة السماء حتى لو لم يعرف أحد كيف أدت عناية السماء إلى هذه النتيجة . وفي هذا يقول جان دي باري في كتابه السلطة الملكية والسلطة البابوية ( 1302 ) ان الحياة تنقسم إلى قسمين متميزين ومنفصلين ، قسم مادي وقسم روحي ، وإن اله يختار لكل منهما من يتولاه ، فاختار الكنيسة للحكم الدنيوي ، فالملك قد تلقى سلطته بدون وساطة من الكنيسة .
116 – فلما جاءت مرحلة الاصلاح الديني الذي بدأ دعوته الالماني مارتن لوثر عام 1520 والسويسري جان كالفن عام 1536 كان تمرداً على احتكار البابا السلطة الدينية ووضع أحكامها ، وانتصاراً لحرية الكنائس ” الوطنية ” في الاجتهاد . وكان طبيعيا أن تكتسب ” الدولة ” في البلاد الكاثوليكية والبروتستنتية جميعا من القوة النسبية بقدر ما أضعفت حركة الاصلاح من السلطة البابوية نسبيا . غير أن الصراع بين الكنيسة  “الوطنية ” ” والدولة ” لم ينته ،أولم يهدأ ، إلا بسيطرة إحداهما على الأخرى . لقد كان مارتن لوثر وجان كالفن ، كلاهما ، من أشد القائلين بالطاعة المطلقة للحكام المدنيين ( الملوك والأمراء ) حتى ولو كانوا طغاة . ولكن كل منهما عالج العلاقة بين الكنيسة والدولة علاجاً مختلفاً . أما مارتن لوثر فقد أثمرت دعوته تبعية الكنيسة ” للدولة ” . وفي ظل سيادة مذهبه ( البروتستنتية ) في انكلترا استطاع هنري الثامن أن يقطع علاقة الكنيسة الانكليزية مع البابا ، وأن يعلن نفسه ، وهو ملك ، رأساً للكنيسة ( 1534) . وأما جان كالفن فقد اثمرت دعوته تبعية ” الدولة” للكنيسة ، حتى قيل إنه لم يحدث أن وصل أيّ بابا في القرون الوسطى ، لانظريا ولاعمليا ، إلى تأكيد سيادة الكنيسة كما فعل كالفن .
117 -وقد استمر ذلك الصراع وانتقل إلى أمريكا ، حيث دار هناك بين كنائس المهاجرين وبين الدولة الناشئة . وهناك – في أمريكا – سيتضح بجلاء أن الصراع لم يكن يدور حول المبدأ المسيحي العلماني : الفصل بين نشاط الكنيسة ونشاط ” الدولة ” ولكن بين أطماع المؤسستين كل منهما يريد أن تسود الأخرى متجاوزة بذلك حدودها . فقد كان المذهب البروتستنتي سائداً في انكلترا كما ذكرنا ، وكان من شأن ذلك أن يسيطر الملوك على الكنيسة . وقد حدث في عهد الملكة اليزابيت الأولى – وهي رأس الكنيسة في انكلترا – أن فرضت على رعاياها البروتستنت فروضاً دينية اعتبرها الجميع بدّعاً لاأساس لها من الدين ( عام 1558 ) ، فرضي من رضي ، وتمرد القادرون الذين نصّبوا من أنفسهم دعاة لتطهير الدين من البدع فعرفوا باسم المتطهرين ( البيورتان ) وأشهروا في وجه ” الدولة ” المبدأ : فصل الكنيسة عن ” الدولة ” . وما زالوا يحرّضون الناس على تبنّي موقفهم حتى كاد يعقد لهم النصر . فلما أن ظنوا أنهم منتصرون بدأوا في ” تناسي ” مبدأهم والتدبير للاستيلاء على    “الدولة” ووضعها موضع التبعية للكنيسة فلما لم يفلح تدبيرهم استحقوا اضطهاد الدولة ” الأقوى ” مما دفع بجموع منهم إلى الهجرة إلى أمريكا خلال القرن السابع عشر حيث استقروا في نيوانجلند . وهناك كانوا قوة غالبة بالنسبة إلى السلطة المدنية ففرضوا مذهبهم ” بالقوة ” وسيطرت كنيستهم على كل سلطة في بليموث وخليج ماساشوستس وفي كل المستعمرات ماعدا رود ايلند وبنسلفانيا .
وظل الأمر كذلك إلى أن جاء عام 1840 يحمل إلى أمريكا أفواجا كثيفة من المهاجرين ” الكاثوليك ” الفارّين – بدورهم – من الاضطهاد في القارة الاوروبية . فخاف رؤساء الكنيسة البروتستنتية من أن تشاركهم الكنيسة الكاثوليكية امتيازاتهم وسلطاتهم في مواجهة الدولة ، فعادوا إلى مبدأ الفصل بين الكنيسة ” والدولة ” يرفعون راياته – هذه المرة – في مواجهة المنافسين الجدد الكاثوليك تساندهم مجموعة من المفكرين مازالوا يعملون جميعاحتى أدخلوا مبدأ الفصل بين الكنيسة ” والدولة ” في صلب الدستور الأمريكي . ولكن أي فصل ؟ …إنه الفصل الذي يحرم على ” الدولة ” أن تتدخل في شؤون الدين . فلما قويت شوكة ” الدولة ” في القرن العشرين أخذت بيدها زمام تطبيق المبدأ على الوجه الذي يتفق مع موازين القوة الجديدة ، يحرم على الكنيسة أن تتدخل في شؤون الدولة . وبناء عليه حرم القضاء الامريكي التعليم الديني في المدارس الخاصة والعامة معا . وما يزال الكاثوليك والبروتستنت جميعا يعتقدون أن هذا التأويل للنص الدستوري مقصود به الكيد للدين عامة لمصلحة تيارات لادينية نامية في الولايات المتحدة الأمريكية . ذلك لأن التعديل الدستوري الرابع عشر – كما يقولون  – كان مقصوداً به حماية الدين من الدولة وليس حماية الدولة من الدين . وهو صحيح .
النهـايـة
118 – لم يكن من الممكن أن ينتهي الصراع الذي ثار حول الحدود بين سلطة الكنيسة وسلطة ” الدولة ” الا بتجريد كل من السلطتين  – الكنيسة والدولة – من المقدرة على تجاوز المبدأ ذاته . أي إلا بتأكيد المبدأ ذاته في مواجهة الطرفين وهذا ما أنجزته الثورة الفرنسية ، الطرف الثالث المتدخل بالعنف الثوري في مجرى تاريخ الصراع .
119 – اما عن الكنيسة فقد كان الصراع بينها وبين ” الدولة ” على مدى القرنين السابقين على الثورة يدور في واقع تاريخي تجاوزت فيه الكنيسة حدود ” مالله ” وأصبحت فاعلاً مؤثرا وشريكاً في ممارسة ما ” لقيصر ” من السلطة . كان رجال الدين قوة مستقلة وموازية لقوة النبلاء في برلمانات انكلترا إلى أن انعقد البرلمان ” النموذجي ” ( هكذا اسمه في التاريخ ) عام 1295 حيث أضيف إلى القوتين ممثلون عن البرجوازية الصاعدة .
وكانوا كذلك في الجمعية الوطنية الفرنسية التي توقفت جلستها عام 1614 – كانت الجمعية مكونة من ممثلي ثلاث طوائف مستقلة ومنفصلة : رجال الدين والنبلاء والعامة . مستقلة الرأي لكل منها صوت . ومنفصلة في مكان الاجتماع . ومتساوية العدد لكل منها 300 مندوب . كان ممثلو الكنيسة 300 بينما كان رجال الدين في فرنسا كلهم لايتجاوزون 160000 ، وكان ممثلو العامة ( أو الطائفة الثالثة كما كانوا يسمونها ) 300 أيضاً ، بينما كان عدد من يمثلونهم نحو 26 مليونا . وكان الفرق بين عدد القواعد يعكس الفرق بين قوة القمم . ولقد زيد ممثلوا العامة فأصبحوا 600 عام 1788 قبل أن تدعى الجمعية إلى الانعقاد بناء على طلب الملك لويس السادس عشر في كانون الثاني / يناير 1789 . فأصر ممثلو العامة على ضرورة الانعقاد في مكان واحد ، وأن يكون لكل مندوب صوت وتكون القرارت بأغلبية الحاضرين . وكانت تلك هي إرهاصة الثورة الأولى التي تحولت بها الجمعية الوطنية إلى جمعية تأسيسية أخذت على عاتقها وضع دستور لفرنسا بالاضافة إلى علاج الأزمة الاقتصادية التي دعيت أصلا لمناقشتها .
وقد كان البحث عن حل للأزمة الاقتصادية مدخلاً مناسباً إلى حل الأزمة الدستورية . وكان حل الأزمة الدستورية مدخلاً مناسباً لحسم الصراع التاريخي بين الكنيسة والدولة لمصلحة مبدأ الفصل بين الكنيسة   “والدولة” ليبقى مالقيصر لقيصر وما لله لله .
كان الوزير الفرنسي الشهير نيكر قد جرّب كل الأساليب لتفادي إفلاس فرنسا ، بما فيها القروض ذات الفوائد الباهظة . فلما أن تصدرت الجمعية للأزمة لم يكن قد بقي إلاّ حل واحد وكان ذلك الحل يضرب عصفورين بحجر صائب . يحلّ أو يخفف الأزمة الاقتصادية من ناحية ، ويجرد الكنيسة من قوتها التي مكنتها من التدخلفي شؤون “الدولة ” من ناحية أخرى . فلم تتردد الجمعية في اتخاذه تحت شعار رفعته : ” الكنيسة داخل الدولة وليست الدولة داخل الكنيسة ” . وهكذا أصدرت يوم 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1789 مرسوما بأن ” تؤول كل ممتلكات الكنيسة إلى الأمة ” . وتتولى خزانة الدولة دفع مرتبات لرجال الدين . كما تنتقل إلى الدولة كل أنواع النشاط غير الديني الذي كانت الكنيسة تقوم به ، ومؤسساته ، مثل المدارس والمستشفيات . وفي 12 تموز / يوليو 1790 أصدرت الجمعية ما عرف في تاريخ فرنسا باسم ” الدستور المدني لرجال الدين ” . تلك التسمية التي تفصح عن مصدر القوة التي أصدرته . كان أهم ماجاء في ذلك الدستور ، بالاضافة إلى تأكيد مبادىء مرسوم 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1789 أن يكون تولّي المناصب الدينية بالانتخاب ، كما هو الحال بالنسبة إلى القضاة ، ثم تحريم النشاط السياسي على الكنيسة ؛ وأخيرا أن على رجال الدين أن يقسموا يمين الولاء لهذا الدستور . ولقد أيد صغار رجال الدين الفقراء تلك الاجراءات . والواقع أنهم كانوا قد طالبوا بأن يتحولوا إلى موظفين ذوي رواتب ثابتة حتى قبل أن يصدر مرسوم 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1789 ( في 4 آب / اغسطس 1789 ) . اما كبار رجال الدين ، الا قلة من بينهم ، فقد ترددوا في القسم إلى أن يفتي البابا في شأن الدستور والقسم كليهما . وقد جاءت فتوى البابا بيوس السادس متأخرة ( 10 آذار / مارس 1791 ) برفض الدستور وتحريم القسم على الولاء له . أما الذين استمعوا إلى البابا فقد جردوا من سلطتهم وما يملكون ، وأما الذين أقسموا على طاعة الدستور فقد بقوا ” رجال الدين ” في كنيسة مختلفة السلطة عن الكنيسة السابقة . هكذا ردّت الثورة الكنيسة إلى حدها من المبدأ العلماني : مالله لله . بقي أن تردّ الدولة إلى حدها من المبدأ ذاته : مالقيصر لقيصر . وإذا كانت الثورة لم تجد عناءً كبيراً في ردّ الكنيسة إلى حدها فإن الأمر لم يكن بمثل تلك السهولة مع “الدولة” . لقد سفكت في سبيله دماء غزيرة ، وطارت رقاب كثيرة ، واشتعلت حروب ضارية امتدّت إلى أطراف أوروبا وغيّرت وجه الحياة فيها ثم في العالم أجمع . ذلك لأن الثورة الفرنسية قد أبدعت ” الدولة ” كما نعرفها اليوم إبداعاً وأقامتها على أنقاض كل ” أنواع ” الدولة بالمعنى الذي كان لها من قبل . ولمّا كانت  “الدولة” – كما ابدعتها الثورة الفرنسية – هي التي تعتبر طرفاً في أية علاقة مع الدين مما يدور حوله الحديث في عصرنا هذا ، فانها تستحق – هاهنا – أن نعرف من خصائصها ما يهمنا . وما كان يهمنا أن نعرف تلك الخصائص قبل أن نلتقي بالثورة الفرنسية ، فاكتفينا فيما سبق من حديث بالتعبير ” بالدولة ” عن السلطة ، كانت ولكنها لم تصبح . فلنعرف كيف أصبحت .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s