لماذا المنافقون ؟

rissala

الـمـنـافــقــون  ؟
لماذا المنافقون ؟
 
92 – المنافقون ، في لغة القرآن ، هم الذين يخادعون الله والناس ويتظاهرون بالاسلام . قال تعالى في كتابه الكريم : ( ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلا . مذبذبين بين ذلك لاإلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ){ النساء : 142 ، 143 } . وقال ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) { المنافقون : 1 } . في هذه الآية الأخيرة يعلمنا القرآن أن النفاق ليس متوقفاً على صدق أو كذب الاخبار عن الغير بل هو كذب الاخبار عن النفس . فلقد شهد المنافقون أن محمداً رسول الله ، وهو صدق ، ولكنهم كذبوا فيما اخبرت به شهادتهم عن أنفسهم إذ لم يكونوا مصدقين ، وبه شهد الله تعالى . وفي الآية الأولى يعلمنا القرآن أن مطلق الكذب في الاخبار عن النفس ليس نفاقاً ، وإنما يصبح نفاقاً حين يقصد به خداع الناس وتضليلهم . وتخصص الآية فتضيف إلى كذب الاخبار عن النفس بقصد خداع الناس أن يكون الخداع المقصود منصّباً على موقف صاحبه من قضية يهم الناس معرفة حقيقة موقفه منها . بناء على هذا الذي يعلمنا القرآن إياه نستطيع أن نقول ان المنافقين عامة هم اولئك الذين يجهرون بما يرضي الناس يبغون مرضاتهم وهم يخفون غير ما يجهرون به ، يبغون خداع الناس بإخفاء مواقفهم من قضية للناس مصلحة في معرفة مواقفهم منها ، فيبقون مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .
جمع الله المنافقين والكافرين في حكم الدين فقال تعالى : ( إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا)  { النساء : 140 } . ومع ذلك ، لو تصورنا الجحيم هاوية من طبقات ، كل منها أسفل الأخرى وأشد سعيراً لكان مصير اعداء الله من الكافرين إلى الطابق ” قبل الأسفل ” من الهاوية . أما الطابق الأخير ، الأسفل ، الأشد سعيراً ، فإليه مصير أعداء الناس من المنافقين . قال الله تعالى في محكم آياته : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) { النساء : 145 } .
كيف يكون النفاق أشد من الكفر ؟ .. لذات الحكمة التي كانت بها الفتنة أشد من القتل ( البقرة : 191 ) . وهي حكمة متصلة بصلاح الأفراد للحياة وصلاح الحياة في المجتمعات . ذلك لأن الله قد قال : ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) { ابراهيم : 8 } . وقال ( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ) { العنكبوت : 6 } . وقال ( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فإنما يضلّ عليها ) { يونس : 108 } وقال : ( من عمل صالحاً فلنفسه ، ومن أساء فعليها ، ثم إلى ربكم ترجعون ) { الجاثية : 15 } . وقال : ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) { الاسراء : 7 }  مع كل هذا ، ومثله كثير في القرآن ، لايبقى مجال لالتماس حكم الاحكام إلا فيما تصلح به حياة البشر فرادى ومجتمعين .
ولقد تختلف مصالح البشر من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ولكن تبقى للبشر في كل زمان ومكان مصلحة ثابتة لاتتبدل : مقدرتهم على أن يعرفوا معرفة صحيحة مصالحهم ليستطيعوا أن يعملوا  صالحاً .من هنا نستطيع أن نتبين ، كما نرجو ، فارق الجسامة بين الجرم يصيب مصلحة في زمانها ومكانها فيتلفها وبين الجرم يصيب مقدرة الناس على معرفة مصالحهم معرفة صحيحة فيعوقها أو يعطلها . وطبيعي أن إعاقة مقدرة الناس على معرفة مصالحهم معرفة صحيحة أو تعطيلها سيؤدي إلى إعاقة وإتلاف مصالح كثيرة غيرقابلة للتقدير أو التعيين . وبالتالي ، فإن الجرم الذي يعوق أو يعطل مقدرة الناس أشد جسامة بما يؤدي إليه من إعاقة وإتلاف مصالح كثيرة وإن لم تكن متعينة أو مقدرة لأنه يشملها ويزيد . فالفتنة تؤدي إلى القتل وغيره من المفاسد .
والنفاق يشجع على الكفر وغيره من الكبائر . وبينما يكون المجني عليه في القتل فردا معينا ، ويكون المجني عليه في الكفر هو الكافرنفسه ، تكون الفتنة والنفاق جنايتين على كل الناس ، على المجتمع ، لايعرف أحد مقدّما من وكم من الناس سيكونون ضحاياها ، وهل سيكون الضحايا من الأبرياء أو ممن يستحقون ما أصابهم لهذا يقول الله تعالى : ( واتقوا فتنة لاتصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة ) { الأنفال : 25 } .
على أي وجه يكون النفاق جناية على المجتمع ؟ وإلى أي مدى ؟
93 -على مدى أكثر من ربع قرن كنّا نجتهد في الكشف عن قوانين تطور المجتمعات . ونضرب لها الأمثال فنصيب أو نخطيء ، ولكنّا – في الحالتين – كنا نحاول أن نضع بين أيدي ابناء هذه الأمة مانعتقد أنه يفيدهم في أن يأخذوا أمرهم بأيديهم وألا يتركوا مصير أمتهم للصدفة . صدفة الانتصار أو صدفة الهزيمة ؛ أو على الأقل مايوفر عليهم مايهدر من وقت وجهد في محاولات التجريب ، وما يصاحب التجريب في حياة البشر من عذاب وتعذيب . وكان من بين ماطرحناه وكررنا طرحه مانعود إليه لنؤكده :
إن المجتمع ، أي مجتمع ، هو مجموعة من الناس مختلفوا الأعمار والذكاء والمعرفة والمقدرة على العمل ، يعيشون معاً في ظروف خاصة بهم ، مشتركة فيما بينهم . ( إن يكن مجتمع دولة فوطنه قاصرعليه ، مشترك فيما بين افراده ، وهي الصورة المعاصرة الغالبة ) . وأن بكلّ من أولئك الناس حاجات إلى مايحفظ النفس من مأكل ومشرب ومسكن وعلاج ، وماينميّ موهبته من علم ومهارة ، ومايكمل به حياته ويجملها من روابط وعواطف وقيم روحية وفنية . وأن الناس في كل هذا مختلفون ايضا . وأن المجتمع ، أي مجتمع ، لايملك ، بدون عدوان على مجتمع غيره ، مصدراً لاشباع حاجات الناس فيه إلا موارده المتاحة للناس فيه . موارده المادية وموارده البشرية . الأولى يسمونها الثروات الطبيعية . والثانية يسمونها قوة العمل . من ناتج التفاعل بينهما ، وبقدر هذا الناتج ، تتاح للناس فرص حقيقية لاشباع حاجاتهم . ولما كانت تلك الحاجات متجددة دائماً ما أن تشبع حاجة حتى تقوم حاجة أخرى ، بالاضافة إلى الحاجة الدائمة إلى مايحفظ النفس من مأكل ومشرب ومسكن ، فإن حاجات الناس في المجتمع ، أي مجتمع ، تزيد على ماهو متاح لاشباعها في زمان معين . وهو مايعني أن الاشباع الكامل والنهائي لحاجات الناس في المجتمع ، أي مجتمع ، مستحيل . فلا يكون للناس في أي مجتمع سبيل إلى اطّراد اشباع حاجاتهم المتجددة أبداً إلا اطّراد زيادة انتاجهم بالعمل الذي لايتوقف أبداً . وهذا هو التطور الاجتماعي ، أو مايقال له التقدم . التقدم من الفقر إلى الغنى . من عبودية الحاجة إلى حرية الاشباع . من الارادة غير متحققة المضمون إلى الارادة متحققة في مضمونها .
مصير كل مجتمع إذن متوقف على مقدرته على التطور . ولكن التطور الاجتماعي لايتم اعتباطا . ولايأتي ثمرة لكل جهد مبذول بل يأتي ويطرد بقدر مايتفق الجهد البشري مع قانونه . نعني قانون التطور الاجتماعي وقانونه ثلاثي الحركة :
أولا : إدراك المشكلات الاجتماعية ( احتياجات الناس ) كما هي بدون إخفاء أو تزييف كما يحسها الناس أنفسهم ، ثانيا : معرفة حل تلك المشكلات حلا صحيحا ، وذلك بمشاركة كلّ فرد في طرح رأيه فيما يعتبره حلاً صحيحا والأخذ برأي الأغلبية . ثالثا : مساهمة كل فرد قادر ، بالعمل في تنفيذ هذا الحل ، لانتاج مايشبع حاجات الناس من الموارد المتاحة . المشكل فالحل فالعمل . هذا هو القانون . أما شروط فاعليته في المجتمع فهو صدق إخبار كل فرد عن مشكلته صدق رأي كل فرد في كيفية حلها . عمل كل فرد في حل كل المشكلات الاجتماعية .
لهذا قلنا ، ونعيد لنؤكد ، ان اشتراك الناس في معرفة المشكلات الاجتماعية بدون حدود ، واشتراكهم بالرأي في حل تلك المشكلات بدون قيود ، واستراكهم بالعمل حلا لتلك المشكلات بدون قعود ، هي ثلاث حركات لقانون واحد اسميناه قانون ” الجدل الاجتماعي ” . وأن أي عائق لهذا القانون جملة ، أو لحلركة من حركاته ، سيعوق تطور المجتمع ذاته ويبقي على مشكلات الحياة فيه بدون حل بكل مايصاحب المشكلات من ألم وصراع ومعاناة . وإنه لمما يعوق فعالية هذا القانون ، قانون التطور الاجتماعي ، إخفاء الحقائق وكبت الآراء والبطالة من العمل . وضربنا أمثلة من اشغال الناس بمشكلات مصطنعة ، أو استنفاذ جهودهم في العمل على تحقق حلول خاطئة ، أو شيوع التواكل والسلبية والهروب والبطالة فلا تجد حتى الحلول الصحيحة كاقة العمل الذي يحولها إلى واقع .
وهذا على وجه التحديد ما يفعله المنافقون في كل مجتمع .
94 – أنهم يزيفون الواقع الاجتماعي ومشكلاته بما يكذبون في الاخبار عن معرفتهم ، ويزورون الحلول الممكنة لتلك المشكلات بما يكذبون في الاخبار عن آرائهم ؛ ويربكون العمل الاجتماعي بما يكذبون في الاخبار عن مقدرتهم على العمل الذي يحسنونه . وما أن يبدأ البناء الاجتماعي على أسس داخلتها أكاذيبهم حتى يتصدع أو ينهار ، مهدراً معه جهود الصادقين ، ليبدأ المجتمع تطوره من نقطة متخلفة كان قد ظن أنه تجاوزها إلى التقدم .هذا هو مايفعله المنافقون . وهذه هي جرثومة النفاق التي يدسونها في نسيج المجتمع الحي فلا تلبث أن تهلكه . وهكذا يعوق المنافقون تطور المجتمع بقدر مايزيفون الواقع ، ويزورون الآراء ، ويهربون من العمل الاجتماعي المفيد ، فيصيبون مقدرة المجتمع على التطور في الصميم . ومن أراد أن يلتمس مثلا ، أو أمثلة ، فلينظر إلى حيث يشيع النفاق في المجتمعات التي يحكمها الطغاة والمستبدون . ذلك لأن دولة الاستبداد هي النموذج الكامل لدولة المنافقين . فهناك حيث لايستمع المستبدّ إلا إلى مايرضيه ، وحيث يشلّ الخوف مقدرة الناس على الجهر بالصدق خشية البطش ، يفشو النفاق ويتصدّر المنافقون . فترى أغلب موارد الدولة من ثروات وقوة عمل مهدرة في تنفيذ ما صاغه المنافقون نظريات وأفكاراً وبرامج وسياسات على مايهوى سادتهم . يزعمون أنها حلول علمية مدروسة لمشكلات هم أدرى بها من أصحابها . وما يزالون سادرين إلى أن يفيقوا على واحدة من الكوارث التي لابد أن تصيب دولة المنافقين . فإذا بطاقة المجتمع قد استنفدت ، أو كادت ، في تنفيذ حلول خاطئة لمشكلات مصطنعة ، وأن مشكلات الناس لم تزل باقية كما كانت أو أشد حدّة . ولعلهم – بعد ذلك – أن يعقدوا مؤتمراً لدراسة ظاهرة النفاق يكون المجال فيه متاحاً إمّا للنكران وإما للاتقان . وإن كانت مؤتمرات الدنيا كلها لن تعفي حياة الناس من أعباء البداية من جديد .
95 – وإن من المنافقين من أبناء أمتنا العربية من يناهضون الاسلام باسم العروبة فيستفزون الشعب العربي المسلم إلى درجة يصبح معها في حاجة إلى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام . وإنهم لمنافقون لأنهم إذ يصدقون في الاخبار عن غيرهم حينما يشهدون جهاراً أن الشعب العربي شعب مسلم يبغون مرضاته ، ربما ليقبلهم في مواقع القيادة منه ، يكذبون في الاخبار عن أنفسهم إذ يخفون مواقفهم من الاسلام تحت ستار من الشعارات والآراء .ز والأفكار التي تنتهي جميعا إلى استبعاد الاسلام من حياة الشعب العربي حتى لو بقي مناسك وعبادات .
96 – ولسنا قادرين ، في حديث محدود ، على تتبع كل صور النفاق الذي يخفي مناهضة الاسلام بالعروبة . وإن من أشكاله ماهو ظاهر السذاجة بحيث لايستحق أن نتتبعه . من ذلك – مثلاً – الاستعلاء على الاسلام بالعروبة ، والاستعلاء انفصال يمهد للاستغناء . يفاخر بعض العرب بأن قد كان الرسول منهم ، وكان القرآن بلغتهم ، وبأن في ذلك آيتين على أن الاسلام دين العرب ، وفضلهم على الناس كافة ، وأنهم قد استحقوا أن توضع فيهم الرسالة فوضعت . انهم ينافقون الشعب العربي يبغون مرضاته ربما ليقبلهم في موقع القيادة منه ، ولكنهم يجعلون من الاسلام ثمرة من ثمار حضارة ينسبونها إلى أمة عربية لم توجد قط . كأن العروبة هي الأصل ، وما كان الاسلام إلا فرعا . ونشهد أننا لم نقرأ ولم نسمع شيئا اكثر جهالة من هذا الذي اختاره بعض العرب أسلوبا لمناهضة الاسلام باسم العروبة .
وذلك لأن الأمر عندنا عكس مايتوهّمون . إن الله يعلم حيث يجعل رسالته . هذا حق . ومن الحق أيضا أن الله قد أرسل الرسول إلى حيث كان الناس في أشد الحاجة إليه . نقول إلى أكثر الجماعات تخلّفا . وحتى الذين يعدّونه منهم بطلا تاريخيا عربيا يعرفون أن الأبطال يظهرون حيث يكون الناس في أشد الحاجة إليهم . نظرة واحدة تعود بنا إلى الخيطة البشرية في زمان اللرسالة تكشف لنا أن كل المجتمعات القبلية حول الجزيرة العربية وفي أطرافها كانت قد ارتقت نسبيا إلى مايجاوز العلاقات القبلية المتخلفة لتندمج القبائل في شعوب مستقرة أو شبه مستقرة . والشعوب أكثر تحضرا من القبائل . كان الناس في مصر ومايليها غربا جاوزوا المرحلة القبلية وأصبحوا شعوبا مستقرين على أرض ينظمون العلاقات فيما بينهم على وجه جماعي لاتكاد تظهر على سطحه نتوءات العلاقات القبلية المتحللة . كذلك كان الأمر في الشمال حيث كانت الامبراطورية الرومانية قد قضت علىالتمرد القبلي وفرضت على الناس ” التعايش ” في ظل سيادتها لينتقلوا بذلك من الطور القبلي إلى الطور الشعوبي .
وكانت الامبراطورية الفارسية قد فعلت الشيء ذاته فيما يلي الجزيرة شرقا . بل أن المجتمعات القبلية في أطراف الجزيرة المجاورة للحبشة وفارس في الجنوب ، والمجاورة للفرس في الشرق ، وللرومان في الشمال ، كانت قد سرت إليها العدوى الحضارية من خلال التعامل ، فاستقرت ودخلت مرحلة التطور من القبلية إلى الشعوبية . وقد سبق أن تحدثنا في هذا تفصيلا .
المهم أنه من بين كل البشر المعروفين الذين عاشوا عصر ماقبل البعثة لم يكن قد بقي متخلفا عند الطور القبلي بكل علاقاته الوثنية ( تعدد الآلهه رمزا لتعدد القبائل ) والعرقية والعصبية إلا في الحجاز ومايليه ويحيط به من البدو ( الأعراب ) . فاستحقوا بحاجتهم إلى التطور أن يكون منهم وفيهم الرسول الذي لم يلبث أن حرر المؤمنين من التخلف القبلي وارتقى بهم إلى أن يكونوا في المدينة شعبا سيصنع منه التاريخ أمة .
وآتاه الله كتابا عربيا . ( انا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) { يوسف : 2 } . فيقولون لأن أولئك الأعراب كانوا فرسان البلاغة . وإنا لنقول غير مايقولون . لقد كان اولئك الأعراب يعرفون حروف لغتهم وكلماتها ويغترّون بما ظنوا أنهم فيه متفوقون . فجاء القرآن بلغتهم يتحداهم : ( قل فأتوا بسورة  مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) { يونس : 38 } . فكانت المعجزة التي كشفت عجزهم عما يمكن أن تؤديه الحروف ذاتها ، الكلمات ذاتها ، من صيغ بلاغية لم تخطر لهم على بال . فجرّدهم من السبب الوحيد لغرورهم الجاهلي . وما أصابوا من بعد ، مما لايزالون يفاخرون به من حضارة قومية اسهموا بها في تقدم الناس كافة ، إلا بعد أن أمدهم الاسلام باسباب التقدم الحضاري . وما كانوا أمة عربية إلا به بعد أن كانوا أعرابا . إن الاستعلاء على الاسلام بالعروبة مناهضة ” وأركسة ” والأركسة من أركس أي قلب إدراكه . ثلاثية ركسه يركسه أي ردّه مقلوبا وقلب اوله على آخره فارتكس . وصدق الله العظيم حين قال في المنافقين : ( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ، أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) { النساء : 88 } .
97 -ومن أشكال مناهضة الاسلام بالعروبة ، نفاقا ، تفضيل بعضهم ” الاسلام المستنير ” والاشادة به والدعوة إليه . كأن ثمة إسلامين أحدهما مستنير يشهرونه والآخر مظلم لايشيرون إليه . أما مصدر الضوء الذي وقع في ظنهم أن قد وقع على ” إسلام ” فاستنار واحتجب عن ” إسلام ” فأظلم ، فهو أفكارهم وما يشتهون . فخلاصة موقفهم من الاسلام أن تحل أفكارهم محله في حياة الأمة العربية . ولو أنصفوا أنفسهم لتحدثوا عن الاستنارة والاظلام في المذاهب والآراء واجتنبوا الاسناد إلى الاسلام . وأن يكونوا مسلمين على مذهب يرونه مستنيراً فعليهم أن يقدموه مذهبا على مسؤوليتهم في الصواب والخطأ ، ولا يقدموه على أنه الاسلام المستنير بما يترك مجالا للظن بأن ثمة إسلاما غير مستنير . إلا أن يكونوا من المنافقين الذين يفضّلون أن يبقوا مذبذبين في ذلك لاإلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .
98 – غير أن من أشكال النفاق الذي يناهض الاسلام بالعروبة ماهو أكثر إتقانا ، وبالتالي اكثر خطورة . هو أكثر إتقانا لأنه مصوغ في قوالب فكرية جادة ، أو تبدو جادة ، في البحث عن حلول صحيحة امشكلات الحياة الواقعية في أمتنا العربية والجدية الفكرية تستدعي الاحترام . وهي تقدّم إلى الناس في وطننا العربي ما يغريهم طريقا إلى مستقبل أفضل ، والمستقبل الأفضل يستدعي القبول . وهي لاتعرض للاسلام إنكارا أو قبولا ، وهو ماقد يرضي عامة المسلمين الذين لايرضيهم الجدل حول مااستقروا عليه من عقيدة . إنها أشكال واضحة العطف على العروبة غامضة الموقف من الاسلام . وهنا في هذا الغموض ، قد يكون عش النفاق : إذ مادامت علاقة الاسلام بالحياة الافضل مطروحة للحديث ، فإن ترشيح طرق أفضل للحياة ، ثم الصمت عن الاسلام هو – في نهاية المطاف – ايهام الشعب العربي بالثقة في إمكان تحقيق مستقبل أفضل بدون حاجة إلى الاسلام .
اخطر تلك الاشكال ، واكثرها اتقانا ، مايقال له ” العلمانية ” .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s