مشكلات الحياة

jawab
مشكلات الحياة
196 -نحن نتحدث عن الشخصية السوية وسنعرف فيما بعد ماأصاب هذه الشخصية السوية من خلل وأسباب تلك المصائب . ذلك لأننا لانستطيع أن نعرف المنحرف إلا قياساً على المستقيم . يكفينا الآن أن نعرف أن كل إنسان عربي سوي قد تشكلت شخصيته على أساس حضاري عربي إسلامي معاً ، رويداً رويداً ، منذ ولادته بدون وعي منه . وإذا كان المثل يقول ” إن السمكة لاتعرف الماء ” – تعبيراً عن أنها إذ تعيش فيه ولاتعيش بغيره تفتقد تمييزه من غيره – فإن الإنسان العربي لايدرك شخصيته الحضارية إلا إذا صادف ما يتميز عنها من شخصيات حضارية . ويعرف كلّ منا من تجربته الخاصة أنه لايشعر بأنه عربي الانتماء إلا إذا غادر الوطن العربي فأحس بالغرب والحنين ، أو إذا رأى الحضارة الغربية تعرض على وعيه من خلال وسائط الثقافة والإعلام والدعاية ، أي إلا إذا رغب في المقارنة أو فرضت عليه . حينئذ يشعر بأنه مختلف عن ” الغير”  من حيث هو عربي والآخر ” غير عربي ” . فيما عدا تلك المناسبات العابرة في حياته فإن الإنسان العربي مشغول بأن يختار دوراً يلعبه في مجتمعه . وهو لن يختار – بدون اضطرار – إلا الدور الذي ” يرتاح إليه ” ، أي الدور الذي يؤديه مستجيباً تلقائياً لميوله بدون افتعال أو اضطراب . وسيكون ذاك هو الدور الذي لايتعارض مع ” شخصيته ” . ستصادفه خلال ادائه ، كل يوم أو كل ساعة أو كل لحظة ، مشكلات الحياة السوية : العمل على إشباع حاجاته المادية والفكرية والروحية المتجددة أبداً بما هو ممكن في ظروف الزمان والمكان الذي يعيش فيه ، ولكنه سيكون قادراً دائماً على حل تلك المشكلات لأن كل طاقاته المادية والفكرية والروحية أيضاً ستكون موجهة إلى حلّها بدون تشتت أو إحباط أو تردد . ولايكون الحل إلا تحقيقاً لذاته .
لن يدهشه أن يدرك أن أمته العربية ، مجتمعة ، أمة نامية ولكنها متخلفة . ان النمو هو النقيض الواقعي لحصيلة الماضي ، أما التخلف فالنقيض المتصور من خلال مقارنة مستقبل أمته بما حققته بعض المجتمعات المعاصرة . فلن يلبث – مادام سوياً – أن يدرك الحل الصحيح لهذه المشكلة : مضاعفة ما هو ممكن ، وليس القفز من فوق القرون اختزالاً غير واقعي للفرق بين ماهو واقع وما هو متصور . حينئذ يتعلم الإنسان العربي من تلك المجتمعات أساليب مضاعفة عائد الواقع المادي والبشري والفكري والروحي ، ويقتني أدوات هذه الأساليب إبداعاً أو صنعاً أو شراء ، ويتدرب على إتقان استعمالها ، ويستخدمها في مضاعفة عائد ما هو متاح له في مجتمعه من أسباب التنمية ، فيتضاعف ما هو ممكن ، وتزداد سرعة نمو أمته .
قد تصاحب عملية التنمية هذه إضافات من النظم أو العادات أو التقاليد أو القيم مثل إعادة تقويم العمل الاجتماعي أو الهجرة من الريف إلى المدن ، أو ازدحام المدن بالشباب الوافدين إليها بحثاً عن فرص عمل أفضل ، أو إبدال الأسرة الممتدة بأسرة صغيرة ، أو ارتفاع القيمة الاجتماعية للعمل على حساب قيمة الاستغناء عنه بالثروة ، أو استقلال الشباب مبكراً عن أسرهم . . . الخ . . وقد يتعب أو يفشل أو يضيق بعض الناس بهذه المستحدثات على حياتهم ولكنهم على مدى حياتهم ، وقبل أن تنقضي ، سيكتسبون تلك الخبرة بالحياة التي سبقهم إليها من كانوا من قبل قد صادفوا التعب والفشل والضيق ثم تجاوزوها أكثر نمواً ونضجاً . إنّ كل هذه لاتعتبر مشكلات إلاّ حين تنسب إلى جدل الحياة ، إلى التفاعل المحتوم بين الناس والطبيعة ومجتمعهم ، إلى قانون التطور ، حيث لايتم التطور إلا من خلال حل تلك المشكلات . . وليس من خلال أي شيء آخر .
كل هذه المشكلات ومتاعب حلها تهون أمام حهد الإنسان العربي علماً وفكراً وعملاً . وهي – بعد – مشكلات الحياة ومتاعب تطويرها كما يحياها كل الناس في كل زمان ومكان وان اختلفت مضامينها وأساليب حلها زماناً ومكاناً . وحين يواجهها الإنسان كما هو سويّ الشخصية لن تلبث حضارة أمته التي يحملها في ذاته دون أن يدري إلا أجيالاً معدودة حتى تهضم وتتمثل ، بدون أن تدري الأجيال ، مالا يناقض بنيتها وإن كان طارئاً عليها من مستحدثات وأساليب حل مشكلات الحياة علماً وفكراً وعملاً ، فتنمو به وتتطور ويصبح جزءاً منها مصوغاً صيغتها تعبر عنه بلغتها علماً وفكراً ومذاهب وتقاليد . . الخ . فلا يجد دارسوا تاريخ الحضارات عسراً في معرفة مصدر أي عنصر من عناصر تكوين الحضارة ومتى اتصل بها ، ومتى التحم ، ومتى تمثلته فأصبح جزءاً منها ، وما اصابه خلال ذلك من تطوير وصياغة ( المثال القريب منا اتصال بعض مقولات الفلسفة اليونانية بالحضارة الاسلامية ، وانتقاء ثم هضم وتمثيل ما لا يناقض الاسلام منها ثم صياغته فإذا هو جزء من الفلسفة العربية ) .
هكذا نشأت وتطورت كل الحضارات ذلك التطوير البطيء الذي لاتلحظه الأجيال . وهكذا نشأت وتطورت الآراء والمذاهب والنظم والتقاليد والآداب والفنون . . . إلى آخر مكونات الحضارة العربية الإسلامية . وهكذا نشأت وتطورت شخصية الإنسان الاعرابي ، والفرعوني ، والاشوري . . الخ حتى أصبحت شخصيته عربية ، ولم تزل قابلة للنمو والتطور الحضاري بما تضيفه الأجيال اليها ، قائماً على هيكلها الاساسي : العروبة والإسلام . وهكذا لم يكن هناك سبب من الحضارة العربية الإسلامية يعجز الإنسان العربي أو يعوقه عن التقدم العلمي والفكري والعملي لو كان الإنسان العربي قد ترك يمارس حياته بدون قهر خارجي وتخريب داخلي ، مهما كانت حدة المشكلات التي تواجهه على طريق التقدم ، ومهما كانت متاعب حلولها ، ما دام سويّ الشخصية .
ولكن الأمور لم تجر ، ولا تجري ، في الوطن العربي على هذا الاستواء
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s