مصر العربية

jawab

مصر العربية
184 -لو شئنا لتناولنا تاريخ الشعب العربي في كل قطر منذ أن كان أسرة ، فعشيرة ، فقبيلة ، إلى أن أصبح جزءاً من الأمة العربية . ولكن هذا يطول . نكتفي لأسباب يمليها الواقع العربي الذي نحياه بأن نضرب مثلاً من مصر كيف كانت فرعونية وكيف أصبحت عربية . وما يصدق على مصر يصدق على كل قطر ، وإن اختلفت الوقائع والأسماء . وليعرف المفتونون ” بشخصية مصر ” أن كل إنسان من مصر ذو شخصية عربية إسلامية  أعجبهم هذا أم لم يعجبهم . لا لأننا نتصور ذلك أونريده ، ولكن لأنه الواقع الموضوعي . وليعرف الشعب العربي في مصر ، وغير مصر ، لماذا نشطت حتى الضراوة ، دعوة مناهضة العروبة بالإسلام ومناهضة الاسلام بالعروبة ، في مصر ، في السنين الأخيرة .
عن الماضي الاقليمي
185 – قبل أن توجد أية دولة فيما يسمى الآن الوطن العربي ، بل قبل أن توجد الأمة العربية ، وقبل أن توجد الدول والأمم جميعاً ، كانت مصر موقعاً جغرافياً يسمى مصراييم . وكانت فيما بين الخليج والمحيط بمثابة واحة كبيرة من الأرض الخصيبة ذات المناخ المعتدل يجري فيها الجزء الشمالي من النيل بدون عوائق أو مساقط موفراً لها أكبر قدر من انتظام أسباب الري والزراعة والنقل والمواصلات . تطل على بحرين عند ملتقى قارتين ، فكانت ، مثل كثير من أودية الأنهار ، ولكن بدرجة أفضل ، موطناً نموذجياً للحياة المستقرة على يسر النماء الزراعي والبناء الحضاري والتبادل التجاري مع ما حولها من أقاليم . فكانت بهذا كله ذات قوة جذب هائلة للجماعات القبلية الجائلة فيما يليها ، شرقاً وغرباً وجنوباً ، تغزوها ، أو تحاول أن تفزوها ، لا لتنهبها ثم ترتد عنها ، شأن الغزاة في العصور القبلية بل لتستولي عليها ، وتستقر فيها .
حينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الشرق بقيادة من أطلق عليهم المصريون اسم ” الملوك الأجانب ” أو ” حقا خاسوت ” الذي حرف في اللغة الأغريقية إلى ” هكسوس ” عام 1675 ق . م استولوا عليها ، واستقروا فيها قرناً ( حتى عام 1567 ق . م ) . وكانت منهم أسرتان حاكمتان هما الأسرة الخامسة عشرة والأسرة السادسة عشرة ، وثلاثة عشر ملكاً فرعوناً ، أولهم شيش ، وآخرهم أبيبي الثالث .
حينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الغرب من نسل يوبو  واوا الليبي عام 1950 قبل الميلاد استولوا عليها واستقروا فيها قرنين ( حتى عام 1730 ق . م ) ، وكانت منهم أسرتان حاكمتان هما الأسرة الثانية والعشرون والأسرة الثالثة والعشرون ، وأربعة عشر ملكاً فرعوناً أولهم شاشانق الأول وآخرهم أوسركون الرابع .
وحينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الجنوب عام 751 قبل الميلاد استولوا عليها واستقروا فيها قرناً ( حتى عام 656 قبل الميلاد ) وكانت منهم أسرة هي الأسرة الخامسة والعشرون ، وخمسة ملوك فراعنة : يغنجى وشاباكا وشهتاكا وطهرقا وتانون اماني .
وحينما غزتها التجمعات القبلية الوافدة من فارس تحت قيادة قمبيز عام 525 ق . م استولوا عليها واستقروا فيها أكثر من قرن ( حتى عام 414 ق . م ) ، وكانت منهم أسرة حاكمة هي الأسرة السابعة والعشرون ، وخمسة ملوك فراعنة أولهم قمبيز وآخرهم دارا الثاني . وبعد أن طردتهم ثورة قادها الفرعون آمون حر لم يلبثوا أن عادوا اليها قبل يمضي نصف قرن ، فغزوها عام 341 ق . م واستولوا عليها واستقّروا فيها قرناً آخر ( حتى عام 232 ق. م ) ، وكانت منهم أسرة حاكمة هي الأسرة الحادية والثلاثون ، وثلاثة ملوك فراعنة أولهم ارتخشاشا الثالث ، وآخرهم دارا الثالث .
ثم جاء البطالمة فاستقروا فيها ثلاثة قرون ، ثم الرومان فاستقروا فيها أربعة قرون ، ثم البيزنطيون فاستقروا فيها نحو قرنين ونصف قرن ، ثم العرب عام 640 ميلادية فاستقروا فيها وتعّربت جملة ، ولم تزل .
وهكذا فرضت جغرافية إقليم مصر على مصر مفهوماً مصرياً لأمن مصر ، أم وجودها وحدودها وأمن مبادلاتها ومواصلاتها . مؤداه : بما أن مصر – جغرافياً – ذات قوة جذب للغزاة من ناحية ، وبما أنها توفر لمن يغزوها أفضل أسباب الاستقرار فيها ، من ناحية ثانية ، فإن المواقع المناسبة للدفاع عن مصر تقع خارج حدودها الجغرافية في جميع الاتجاهات شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً . أو بصيغة أخرى إن خطوط الدفاع عن مصر تقع فيما يجاورها من أقاليم بعيداً عن حدودها . فيمكن القول ان جغرافية إقليم مصر وما يحيط بها من أقاليم قد فرضت على مصر أن تقوم ، فيما يحيط بها من أقاليم ، بدور دفاعي عن ذاتها .
186 -ويكاد تاريخ مصرالفرعونية أن يكون تاريخاً لهذا الدور . وأغلب ما عني ملوك مصر الفراعنة بتسجيله حفراً على جدران المعابد هو قصص خروجهم إلى جميع الاتجاهات لمواجهة التجمعات القبلية التي تجهّز نفسها لغزو مصر ، وضربها ضربات وقائية مبكرة قبل أن تقترب منها .
أما في الشمال فنقرأ على جدران معبد الكرنك بعد أن استطاع الفرعون أحمس الأول ( 1570 – 1546 ق.م )
طرد الهكسوس من مصر ، طردهم من جزيرة كريت ، وأراد أن يكرم جدته الملكة ” أعج حوتب ” للدور العظيم الذي قامت به في تعبئة الجيوش وتحريضها على القتال فيسميها ملكة كريت . ونقرأ على جدران معبد الرمسيوم في الأقصر ماأمر بحفره الفرعون رمسيس الثاني ( 1290 – 1223 ق . م ) ثبتاً للبلاد التابعة لمصر ، من بينها قبرص وكريت .
أما في الغرب ، فمنذ بداية التاريخ المكتوب تذكر الآثار أنّ فرعوناً من الأسرة الثانية اسمه خع سخم أو حورس، لايعرف أحد تاريخ حكمه ، قد خرج من مصر لمقاتلة القبائل الليبية التي تهددها . وتحكي بردية سنوهي مأساة اغتيال الفرعون العظيم أمنمحات ( 1991 – 1961 ق . م ) فنقول إن أعداءه تمكنوا منه وقتلوه ، منتهزين فرصة غياب ابنه وولي عهده وقائد جيشه سنوسرت ، إذ كان قد أرسله قائداً لحملة للقضاء على التجمعات القبلية التي تجهّز نفسها لغزو مصر في قواعدها في ليبيا . وتحكي الآثار أن امنحوتب الأول فرعون مصر ( 1546- 1526 ق. م ) قد أرسل جيشاً كبيراً بقيادة ” أحمس آباتا ” إلى ليبيا لتشتيت القبائل المتجمعة هناك تستعد للسير على مصر . وعلى جدران معبد الكرنك يسجل الفرعون سيتي الأول ( 1303 – 1290 ق . م ) قصة مثيرة عن خطر مزدوج المصدر من الشرق والغرب . فقد اجتاحت الشرق قبائل هندو – آرية فهاجرت قبائلها مطرودة بحراً ولجأت إلى شاطىء شمال أفريقيا . فلما أن تجمعوا هناك تعرّضوا لقوة جذب النماء والرخاء والاستقرار في مصر ، فاتجهوا إليها ، فخرج إليهم الفرعون سيتي الأول وطاردهم .
وتشهد بقايا الأواني الفخارية التي اكتشفت في الخرطوم وغرب السودان وفي قريتي البداري في صعيد مصر ( أسيوط ) أن علاقة مصر بالجنوب ترجع إلى العصر النيوليتي ( العصر الحجري الحديث ) أي إلى ما قبل 4000 سنة ق . م . وعلى صخور جبل الشيخ سليمان على مقربة من بوهن ، أمام وادي حلفا ، نقرأ نبأ وصول جيوش مصر بقيادة الملك الفرعون اتىالثاني من ملوك الأسرة الأولى ، لتأمين طرق التجارة مع الجنوب . ويحكي لنا الرحالة الفرعوني حرخوف في تاريخ حياته المسطور على واجهة قبره في أسوان أنه صاحب حملة قادها أبوه إلى الجنوب ، وأنه قاد هو نفسه ثلاث حملات متتالية بأمر من الفرعون بيبى الأول ( 2402 – 2377 ق . م ) . وبينما ذهبت الحملات إلى بلاد لم يعرفها أحد من قبل – كما قال – خصص قصة الحملة الثالثة التي تمت في عهد بيبى الثاني لنبأ عثوره على قزم حي وإبلاغه فرعون النبأ ، ويورد رسالة الفرعون إليه أن ” تعال إلى الشمال . تعال سريعاً إلى القصر ، واحضر معك هذا القزم الذي جئت به من أرض الأرواح حياً سالماً وفي صحة جيدة ليرقص للإله ” . ولم يكن ذاك غريباً ، فقد كان بيبي الثاني طفلاً . ولكن الفرعون الطفل قد أصبح فرعوناً شاباً فأدرك أن دور مصر في الجنوب ليس لهواً ولعباً بالأقزام ، بل مسألة حياة أو موت ، فمنه يجري شريان مصر ( النيل ) . فأرسل إلى الجنوب قائده بيبي لنخت ليؤدي دوراً آخر ذكره القائد في سجل تاريخ حياته المحفور فقال : ” أرسلني جلالة مولاي لأؤدب بلاد أرثت فقمت بما جعل مولاي يثني عليّ ، وقتلت منهم عدداً كبيراً ، من بينهم أبناء الزعماء ورؤساء المحاربين واحضرت منهم أسؤى إلى القصر . كان عددهم عظيماً لأني كنت شجاعاً ومعي جيش كبير من الجنود الأشداء ” . وحيث توجد كرمة في السودان أسس امنمحات الأول ( 1991 – 1961 ق. م ) مركزاً للتجارة تحرسه قوة مرابطة في حصن شيّده في سمنه جنوبي الشلال الثاني . ثم توالت الحصون فأصبحت سبعة عشر حصناً ، ترابط فيها قوات تحرس النيل وتدافع عن مصر عند خطوط على بعد مئات الكيلومترات من حدودها . ومع ذلك فليست العبرة بالسّن دائماً ، فما أن تتعرض حصون مصر وخطوط تجارتها في الجنوب لخطر ناشىء حتى يخرج إلى حيث موقع الخطر الفرعون الصغير أمنحوتب الأول ( 1546 – 1526 ق . م ) ويعيد الأمن إلى مصر بمعارك ناجحة في السودان . أما الفرعون تحوتمس الأول ( 1525 – 1495 ق. م ) فقد مد حدود حكمه إلى السودان وعين حاكماً له فرعوناً أسماه ” الأبن الملكي لكوش ” ، وأصبح محرماً على من هم جنوب تلك الحدود عبورها إلى الشمال . وحينما حاول أمراء قبائل كوش تحدي تلك الحدود هزموا ، واستقبل تحوتمس قادة جيوشه المنتصرة وكرّمهم في أسوان . ثم تحوتمس الثالث ( 1490 – 1436 ق . م ) ، الذي قاد بنفسه حملة إلى السودان وبقي هناك سبعة أشهر يقاتل القبائل التي تهدد مصر وتجارتها ، ولم يعهد بذلك إلى أحد قواده ، بالرغم من أنه كان قد قارب السبعين من عمره . أما الفرعون امنحوتب الثالث ( 1436 – 1411 ق . م ) فإن تمثاله في قرية النجعة ، على مقربة من شندي شمال الخرطوم شاهد على اين كان يدافع عن مصر و . . إلى آخر . .
أما عن الشرق فقد خرج إلى الشرق قائداً منتصراً وعائداً الملك الفرعون ساحورع من الأسرة الخامسة ( 2553 -2539 ق . م ) وبيبي الأول من الأسرة السادسة ( 2402 – 2277 ق . م ) الذي طاردت قواته بقيادة البطل العسكري ” ونى ” التجمعات القبلية ثم دحرتها عند جبال الكرمل . وامنمحات الأول ( 1991 – 1961 ق . م ) من الأسرة الثانية عشرة الذي أراد أن يحصن حدود مصر الشرقية نهائياً ، فبنى على طول الحدود سوراً فرعونياً عظيماً لم يصمد طويلاً فاضطر أحد خلفائه سنوسرت الثالث ( 1879 – 1841 ق . م ) إلى أن يطهّر كل شرقي البحر الأبيض المتوسط ، وأن يترك هناك فصائل تجوب الشواطىء وتراقب الطرقات وتنذر مبكراً بأي مشروعات غزو لمصر . وأحمس ( 1570 – 1546 ق. م ) يطرد الهكسوس من مصر ، ويتعلم من الجغرافيا ، فيعلم أنهم لن يكونوا قد خرجوا من مصر إلاّ إذا خرجوا من فلسطين ، فيخرجهم منها .
فتعلم الجغرافية فراعنة مصر أن هذا البعد لايكفي فيأتي تحوتمس الثالث ( 1490 – 1436 ق . م ) وما ان يصل إليه نبأ وصول قوات قادش مدينة مجدّو في سورية ، حتى يعتبر ذلك اعتداء على حدود أمن مصر فيخرج إليهم ويقاتلهم ويدمرهم في مدينة نوخاخش الجاورة لمكان حلب الحالية .
ويواصل حملاته دفاعاً عن أمن مصر التي بلغت ست عشرة حملة مطاردة أوصلته إلى الفرات . ويفكر ذلك الفرعون العبقري فيما سيصنعه التاريخ بعده بعشرات القرون . إن التآخي وليس القهر هو الذي يحفظ أمن مصر . فيجمع أبناء ملوك القبائل التي قهرها وأولياء العهود فيها ويحملهم إلى مصر ويحشدهم مع أبنائه في قصوره ويؤاخي بينهم ليتعلموا جميعاً أن أمن مصر هو أمن جيرانها وأنها لاتغزوهم إلا مضطرة فإن تحالفوا على التعاون لردّ المخاطر عنهم جميعاً فهذا يكفي مصر أمناً . وقد كان : عاد أولياء العهود أخوة وأصبحوا ملوكاً وقادة ، وحالوا دون أن تكون مواطنهم مراكز تجمعات تهدّد مصر ، فنعمت مصر بفترة طويلة نسبياً من الأمن والهدوء والرخاء والتقدم الحضاري الذي تجاوز أمور الدنيا إلى أمور الدين ، فأنجبت امنحوتب الرابع ( 1370 – 1349 ق . م ) الذي أنهى عبادة امون وأشاد بعبادة آتون ( الشمس ) وحمل لقب أخناتون فكان أول الموحدين من فراعنة مصر . وفي عهده اكتمل مفهوم أمن مصر : فهو إدراك لمواطن الخطر عليها في مواقعه وليس عداءً لمواطني تلك المواقع .
فحين تجمع على حدود مصر الشرقية جلّ مواطني سورية وفلسطين يريدون دخولها ، وتبين القائد الفرعوني حورمحب أن جيوش ملكة خيتا قد غزت ديارهم وطردتهم وطاردتهم حتى حدود مصر ، فتح لهم الحدود ، وآوتهم مصر وعقدت معهم ما يمكن أن يسمى ” معاهدة دفاع مشترك ” فكونوا جيشاً مشتركاً خرج إلى حيث مواقع الخطر المشترك وقضى على جيوش خيتا . فلما تحررت سورية وفلسطين أمنت مصر . وكانت تجربة علمت الجميع ما يمكن أن نسميه المصير المشترك مدخرين تعبير وحدة المصير إلى مرحلة تاريخية لاحقة .كذلك حين عادت جيوش ملكة خيتا إلى الاستعداد لغزو مصر وجمعت له من استوردهم قائدهم المسمى موتللي من جند المرتزقة من سكان بحر ايجه ( اليونان ) وإمارات آسيا الصغرى ( تركيا ) ، وخرج إليهم رمسيس الثاني ( 1290 – 1223 ق. م ) كادت الدائرة تدور على جيش فرعون المصري وفرّ كثير من جنده ، وباتت الهزيمة وشيكة وأصبح مصير مصر ذاتها معلقاً على نجدة من الحلفاء ، فتقدم لنجدتها الوف من شباب فلسسطين مكونين تشكيلاً عسكرياً يطلق عليه في الآثار اسم ” ثبارونا ” ويعني ” فرقة الشبيبة ” ، وناصروا رمسيس الثاني فانتصر ، وأنقذت مصر وفلسطين وسورية معاً . وحينما بدأ الخطر الآشوري يدق أبواب سورية كرر المصريون والفلسطينيون التجربة الناجحة فشكلوا جيشاً مشتركاً بقيادة الفرعون المصري تفت نخت ( 730 – 720 ق . م ) وخرجوا معاً في هذه المرة للدفاع عن سورية ، دفاعاً عن فلسطين ومصر . . . وحين انهزموا استولى الأشوريون على سورية وفلسطين ومصر أيضاً .
187 – نستطيع ، بدون خسارة كبيرة ، أن نسقط من حديثنا قرون الحكم البطلمي والروماني والبيزنطي جميعاً فخلالها جميعاً أصبحت مصر مجرد أداة تؤدي الدور الذي يختاره لها من لهم السيطرة والحكم ، وقطعت هذه السيطرة نموها الحضاري مرة أخرى ، فأبقت سكان مصر شعباً لم يتطور أمة . وسيبقى كذلك إلى أن نصل إلى الفتح العربي عام 640 ميلادية .
188 – لم يكن غريباً أن يتم الفتح العربي لمصر بسهولة . ذلك لأن البيزنطيين لم يتعلموا من الجغرافية ما تعلمه الفراعنة . فقد تم الفتح العربي لسوريا عام 636 ميلادية . وهو الإنذار الذي ماكان أي فرعون مصري يسمعه حتى يعبىء قواته ويخرج من مصر إلى حيث تتجمع النذر لتؤدي مصر دور الدفاع عن ذاتها في المواقع التي حددتها الجغرافية . لم يفعل البيزنطيون هذا ، بل تحصنوا في بابليون جنوبي القاهرة ، وهم يسمعون نبأ دخول عمرو بن العاص على رأس أربعة آلاف مقاتل لاغير ، من العريش حتى الفرما (شرق بور سعيد حاليا) حتى بلبس ؛ لتدور أول معركة بينهم في عين شمس ضاحية القاهرة . . فطلب عمرو بن العاص مدداً . وبينما عاد البيزنطيون إلى حصن بابليون اجتاح عمرو بن العاص على مرأى ومسمع منهم الدلتا واخترقها ، واستولى على الفيوم ، ثم عاد شرقاً ، فعبر النيل ليلتقي بالمدد الذي جاء وحاصر البيزنطيين في حصنهم ، واستولى عليه بعد سبعة أشهر قبل أن يتوجه إلى الاسكندرية ، العاصمة . فيعود البيزنطيون إلى الخطأ ذاته . خطأ تصور إمكان الدفاع عن مصر من داخل مصر ، أو ردّ الذين يتمكنون من دخولها فعلاً ، فيتحصنون في الاسكندرية فيتركهم عمرو بن العاص محاصرين ويوجه قواته إلى صعيد مصر فيفتحه . مات الامبراطور الغبي هرقل عام 641 م والاسكندرية محاصرة . وخلفه كونستانز الثاني ، الذي تبين أن قد تم الفتح العربي لمصر منذ أن تم الفتح العربي لسورية ، وسبق السيف العزل ، فطلب الصلح ، فأبرم معه عمرو بن العاص اتفاقاً منحه به فرصة عام للانسحاب من الاسكندرية . ولقد انسحب البيزنطيون في نهاية العام ( أيلول / سبتمبر 642م ) بعد أن حملوا معهم مابقي ، بعد الذي أخرجوه في سنة الهدنة ، ودخلها العرب بدون قتال . مهلة العام هذه تكذب تكذيباً قاطعاً ما قيل من أن العرب قد حرقوا مكتبة الاسكندرية . فالذين يحرقون عادة هم المنسحبون منها وليس المتقدمون اليها .
على أي حال ، من بداية الفتح العربي ، وعلى مدى ثلاثين عاماً فقط ، تؤدي مصر دور نقطة الانطلاق إلى شمال أفريقيا . أي حتى بنى عقبة بن نافع مدينة القيروان لتصبح هي مركز التجمع وقاعدة الانطلاق إلى ما يليها غرباً .
الانتماء القومي
189 -هنا يبدأ دور مصر في التطور ، فيتغير نوعياً ابتداء من الفتح العربي : فبعد ستين سنة فقط تصبح اللغة العربية هي لغة مصر . ابتداء من عام 706 م على وجه التحديد . ويدخل الناس في دين الله افواجاً . ويعفي التاريخ مصر مما فرضته الجغرافية فلن تدافع عن ذاتها بعد ذلك . لقد أصبحت جزءاً في موقع القلب من الامبراطورية العربية الاسلامية . تحيط بها أقطار بعدها أقطار ، تباعد بينها وبين مسارح المعارك الضارية التي لم تنقطع على حدود الامبراطورية شرقاً وشمالاً وغرباً . وطالما كانت القيادة المركزية في دمشق أو في بغداد قادرة على الدفاع عن حدود الامبراطورية التي انتقلت إليها حدود مصر ، كانت مصر تؤدي دور الشريك في الدفاع عن الدولة المشتركة . وقد بدأت في اداء هذا الدور منذ وقت مبكر في أول معركة حربية خاضها أسطول عربي ضد البيزنطي ، في عهد الخليفة عثمان بن عفان عام 655 م بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي السرح ، المعروفة بمعركة ذات الصواري البحرية . إلا أنها قامت أساساً ، وعلى مدى قرون بدور الميتقر الآمن الذي يجذب إليه بناة الحضارة من الفقهاء والعلماء والصناع ، ودور القاعدة الآمنة التي تعبأ فيها الجيوش وتبنى فيها الأساطيل ، وتخزن فيها الإمدادات ، المؤهلة بهذا كله لتصبح عاصمة آمنة للدولة العربية الإسلامية وهو ما فطن إليه الفاطميون حين انطلقوا من أقصى الغرب يريدون الخلافة ، فما ان بلغوا مصر حتى شيّدوا القاهرة واتخذوها عاصمة ، وما اضطر إليه الخلفاء العباسيون بعد سقوط بغداد عام 1258 م ، فاتخذوا من مصر مقراً للرمز الباقي لوحدة الدولة .
أما حين تضعف السلطة المركزية فقد كانت مصر تعود إلى دورها الدفاعي ولكن بصيغة صنعتها الجغرافية والتاريخ معاً . فهي لم تقم بالدفاع عن ذاتها منفردة أبداً ، بل موحدة القوة مع أكثر من قطر عربي آخر ، ومع سورية على الدوام . وقد بدأ هذا الدور حينما غلب الترك الخلافة العباسية على أمرها .
استشعر أحمد بن طولون حاكم مصر الخطر ، فتجاهل الخليفة المعتمد ، ووحد مصر وسورية عام 877 م . وحين تسقط الأسرة الطولونية ستعود مصر وسورية إلى سلطة الخلافة ، ولكن موحدتين عام 905 م . وفيما عدا سنوات معدودات من الانفصال ، نتيجة انتقال الولاية من حاكم إلى حاكم ، ستبقى مصر وسورية موحدتين نحو ستة قرون ونصف قرن ، أي من عام 877 م حتى الغزو العثماني عام 1517 م . وستنضم الحجاز واليمن إلى هذه الوحدة تحت قيادة محمد بن طغج الإخشيد من عام 925 حتى عام 969 م . ثم سينضم المغرب العربي إلى مصر والشام والحجاز واليمن حين تصبح القاهرة عاصمة الخلافة الفاطمية لتبدأ من عام 969 م حتى عام 1171 أي لمدة قرنين . ويسقط حكم الأسرة الفاطمية وتعود الأسرة العباسية إلى ولاية الخلافة على كل تلك الأقطار موحدة ابتداء من حكم صلاح الدين ومن بعده ما يستحق الانتباه .
إننا نحن العرب نحب أن نتذكر صلاح الدين البطل العربي ويجدر بنا أن نعرف لماذا انتصر ولماذا هزم ، وما دور مصر في الحالتين . ونحن نعرف أن سورية قد انفصلت عن مصر على أثر وفاة السلطان نور الدين محمود . ولقد حاول صلاح الدين حاكم مصر ، بمصر وحدها ، أن يتحدى الصليبيين مرتين فانهزم في المرتين الأولى عام 1171 م والثانية 1173 م . هزمه أقل ملوك الصليبيين شأناً ، حاكم إمارة مونتريال الصليبية . وقد أدرك صلاح الدين أسباب الهزيمة فأدرك أسباب النصر ، فظلّ يجهز للنصر أسبابه أربع عشرة سنة . انطلق أولاً إلى دمشق ، وهناك هزم الملك الصالح بالقرب من حماة يوم 13 نيسان / ابريل 1175 وصفّى قلاع الحشاشين الطائفية المتناثرة في سورية وأعادها إلى الوحدة . بعد هذا ، وليس قبله ، استطاع أن يتحدى الصليبيين في معركة حطين بجيش عربي شاركت فيه مصر وقاده حاكمها صلاح الدين ، وليس بجيش مصري ولو كان بقيادة صلاح الدين ، فحرر القدس يوم 2 تشرين الثاني / اكتوبر 1187 م . ومن بعد صلاح الدين ، سيقود قطز ، حاكم مصر ، جيشاً عربياً يهزم المغول في معركة عين جالوت في أيلول / سبتمبر 1261 م . وتصبح القاهرة ابتداء من العام التالي ، ولمدة ثلاثة قرون ، مقر الخلافة وعاصمة الدولة بعد أن سقطت بغداد عام 1258 م . وتؤدي مصر بكفاءة دور القاعدة والقائدة في تحرير الوطن العربي من بقايا الإمارات الصليبية فيحرر الجيش العربي بقيادة الظاهر بيبرس الكرك وقيسارية وأرسوف وصفد ويافا وأنطاكيا ، ويحرر الجيش العربي بقيادة قلاوون عكا وصور وحيفا وبيروت . فينتهي الاغتصاب الصليبي عام 1291 م .
190 – كل هذا يستحق الانتباه لأنه مؤشر إلى ما كان التاريخ يصنعه بمصر منذ الفتح العربي . لقد دخلت مصر بالفتح العربي طوراً جديداً من تاريخها الطويل ، فخلقت من جديد . بدأ هذا الخلق التاريخي العظيم جنيناً في مجتمع المدينة بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام . وفي مجتمع المدينة نبتت بذرة الأمة العربية . تحولت القبائل إلى شعب . وتحول الأعراب إلى عرب . واختصّوا دون غيرهم بمدينتهم فأصبحت لهم وطناً ؛ وانشأوا فيها دولتهم . أول حاكم لها محمد بن عبد الله وأول دستور لها ” الصحيفة ” التي أقامت نظاماً عاماً للعلاقات الداخلية والخارجية ملزماً لكل المواطنين فيها ، مسلمين وغير مسلمين ، على أساس وحدة الدفاع عن الوطن الواحد .
ثم انطلق العرب بالإسلام إلى ما يجاورهم فالتقوا واختلطوا بمجتمعات كانت قد تجاوزت الطورالقبلي واستقرت شعوباً متجاورة ، ولكن السيطرة الفارسية والرومانية عليها جميعاً ، قروناً عدة كانت قد أوقفت نموها فلم تتحول إلى أمم متجاورة . الحميريون في جنوب الجزيرة العربية تحت السيطرة الحبشية أم الفارسية منذ عام 575 م حتى ظهور الإسلام . الغساسنة في الجزء الشمالي الغربي وما يحيط بتدمر في سورية تحت السيطرة البيزنطية منذ القرن الثالث الميلادي حتى ظهور الإسلام . القبائل العربية من بني لخم في الجزء الشمالي الشرقي من الجزيرة فيما كان يعرف باسم ” العراق العربي ” تحت السيطرة الفارسية . كلّ الشعوب فيما بقي من سورية وفلسطين ثم مصر غرباً ، حتى شاطىء المحيط الأطلسي مستقرة متجاورة على الأرض ، عبيداً فيها ، بمعنى الكلمة ، للرومان منذ قرون عديدة . . . .
فجاء الفتح العربي الإسلامي ليحررهم جميعاً ، ويرفع عنهم قيود العبودية أولاً ، ثم يلغي الحدود فيما بينهم ثانياً ثم يقدم لهم لغة مشتركة ثالثاً ثم يعرض عليهم عقيدة أرقى من عقائدهم ، رابعاً . ثم ينظم حياتهم جميعاً طبقاً لقواعد عامة واحدة ( الشريعة الإسلامية ) ، خامساً ؛ ثم يتركهم قروناً في حماية دولته ضد أي تهديد خارجي ، فيتفاعلون تفاعلاً حرّاً فيما بينهم ، ومع الأرض المشتركة قروناً متصلةً بدون حدود أو سدود أو قيود على حرية الانتقال والمتاجرة والعمل والتعليم والتعلم ، سادساً . ثم يشركهم معاً في الدفاع عن حدود الدولة المشتركة ، وفي الجهاد من أجل العقيدة المشتركة ، حتى إذا ما اشتركت أربعة أجيال متعاقبة منهم في الدفاع ضد الغزو الصليبي الذي استمر قرابة خمسة قرون من الحياة المشتركة ، كان الشعب قد أصبح واحداً ، وأصبح الوطن واحداً وارتفع بناء الحضارة الواحدة ، وتاهت الأنساب ، واندثرت المواطن الأولى وانتشر البشر على اتساع الوطن الواحد ، فأصبحوا جميعاً أمة عربية واحدة ؛ ولم تعد مصر جارة للعالم العربي ، ولا حليفاً في الدفاع ضد الخطر المشترك ، ولا شريكاً في مصلحة عابرة ، بل أصبحت جزءاً من الأمة العربية التي صنعها التاريخ ولم يصنعها أحد على عينه ( راجع فقرة 22 وما بعدها ) .
191 – الأمة العربية وجود موضوعي غير متوقف وجوداً أو عدماً على إرادة أحد . فمصر جزء من الأمة العربية بدون توقف على إرادة أحد من مصر أو من غير مصر . كما أن العربي عربي ولو كره ذلك . هكذا تعلمنا من أساتذتنا الرواد . ثم أضفنا أن مجرد هذا الوجود القومي دليل موضوعي غير قابل للنقض ، على أن ثمة روابط وأسباباً موضوعية ، قد نعرفها ، وقد لانعرفها ، توحد مصير الأمة ، بحيث يكون من العبث الفاشل أن يحاول أي عربيّ ، أو جماعة عربية ، أو قطر عربيّ ، أن يفلت بمصيره الخاص من مصير أمته . سيفشل حتماً ولو في المدى الطويل . روابط وأسباب موضوعية قد نعرفها إذا درسنا تاريخنا وواقعنا لنكشفها لالنختلقها فإذا لم ندرس فإننا نكتسفها – بسهولة – في خلاصتها الحضارية . في ذلك الشعور بالانتماء القومي إلى الأمة العربية الذي ما يزال يحدد مواقف عشرات الملايين من العرب البسطاء ، الذين لم تتح لهم فرص التعليم والدراسة . ثم اننا نكتشفها كل يوم من مواقف غيرنا منّا . فنحن عندهم عرب بصرف النظر عن أقطارنا ، سواء كانوا أعداء لنا أم حلفاء وأصدقاء ، وسواء أعجب هذا الانتماء أحداً منا أم لم يعجبه .
192 – في قلب هذا الوجود القومي يعيش ثلث الشعب العربي في مصر ، وتختزن فيها أنضج عناصر الحضارة العربية الإسلامية من العلوم والآداب والفنون والخبرة المتراكمة اقتصادياً وسياسياً ، وتتمتع بأكبر قدر من التجانس الاجتماعي بفضل احتضان الأمة العربية لها وحمايتها من آثار التخريب العشائري والطائفي الذي أحدثته الاعتداءات الشعوبية على أطراف الأمة العربية . فهي القاعدة لأية تعبئة قومية . وهي القائدة لأية  مسيرة قومية . وهي الرائدة لأية نهضة قومية . وهي كما وصفها بحق الأديب المؤرخ الفرنسي بنوا ميشان في كتابه الازدهار العربي بأنها ” مخّ العرب ” الذي يتلقى من كل أعضاء الجسم ما تحسه وتعانيه ، فيدرك ، ويوجّه اعضاء الجسم فيستجيب . اعجبني هذا التشبيه لأن المخّ بدون أعضاء في جسم واحد قطعة من اللحم الرخو سريع التلف . كما أن الأعضاء في جسم واحد تختل حركاتها وتطيش ، وقد تهلك ، إذا ما فقد المخ ملكة الإدراك السليم أو ” غسله ” أحد من تراثه وحشاه فكراً غريباً عن تكوين الأطراف .
193 – هكذا سيكون دور مصر في الوطن العربي منذ صلاح الدين حتى أواخر القرن التاسع عشر ، لن تتأثر كثيراً بتنازع الأسر على تولّي الخلافة . فقد بقيت تؤدي دورها كجزء من الأمة العربية ، وولاية الخلافةللأسرة الفاطمية ثم العباسية ، ثم العثمانية . انتهت ولاية الخلفاء الفاطميين في مصر ظهر يوم جمعة . سمع المصلون خطباء المساجد يدعون للخليفة العباسي بدلاً من الخليفة الفاطمي بأمر من صلاح الدين فأنتهى الأمر . وحين تولت الأسرة العثمانية الخلافة بعد هزيمة الجيش العربي في معركة برج دابق يوم 12 آب / اغسطس 1516  م ودخول مصر في كانون الثاني / يناير 1517 ، وعزل الخليفة العباسي لم يتغير شيء من مصر . اكتفى العثمانيون بأن يحصلوا على ربع حصيلة الضرائب ، وبأن يولوا الولاة لجبايتها . وبعد أربعة قرون لم يتركوا بها أثراً سوى مسجدين مفرطين في تواضع العمارة أحدهما مسجد السنانية في بولاق الذي بناه سنان باشا عام 1571 م والآخر مسجد ” أبو الدهب ” الذي انشىء عام 1774 م . ثم انهم فصلوا إدارة سورية عن إدارة مصر لأول مرة بعد ستة قرون ونصف قرن . ولكنهم لم يستطيعوا أن يعزلوا مصر عن الأمة العربية ، ولم يقبل الشعب العربي في مصر حتى الفواصل الإدارية . فما ان يتولى الأمر حاكم قادر حتى يلغي تلك الفواصل وينزع نزوعاً يكاد يكون غريزياً إلى الوحدة العربية . وما هي إلا استجابة لروابط موضوعية تشد أجزاء الأمة الواحدة بعضها إلى بعض . هكذا حاول أن يفعل محمد علي ابتداء من 1815 ، وهكذا ستكون مصر مأوى العرب الأحرار الهاربين إليها من القهر الطوراني حينما يستولي الترك على الدولة فيحولونها من دولة مشتركة ( امبراطورية ) إلى دولة مسيطرة ( استعمارية ) ، فيأتي رد الفعل العربي متدرجاً من طلب المساواة ، إلى طلب اللامركزية ، إلى طلب الانفصال ، إلى الوحدة العربية .
لقد كنا نقول هذا ونردده ونبشر به وندافع عنه على مدى ربع قرن في كتب منشورة ابتداء من عام 1965 . وما كان يجرؤ على إنكاره الا القليل يوم أن كانت مصر تؤدي دورها المنتصر كقاعدة ورائدة تحت راية عبد الناصر . ومن فوق قمة النصر في شباط / فبراير 1958 لم ينسب عبد الناصر النصر إلى مصر ، بل إلى الأمة العربية . سئل عما يتوقع أن يحدث للعرب لو أنه مات فقال لسائله : ” هل تظن أنني أنا الذي خلقت القومية العربية ؟ . . أبداً . ان القومية العربية هي التي خلقتني . لست أنا الذي أثيرها بل هي التي تحملني . إنها قوة هائلة ولست أنا الا أداتها . ولو لم أكن موجوداً لأوجدت واحداً ، عشرة ، الفاً غيري ، يحلّون محلي . ان القومية العربية لايمثلها رجل واحد أو مجموعة من الرجال ، انها لاتتوقف على جمال عبد الناصر ولا على الذين يعملون معه . إنها قوة كامنة في ملايين العرب الذين يحمل كل منهم شعلة القومية . إنها تيار جارف ، ولاتستطيع أية قوة في العالم ، ولن تستطيع ، تحطيمها طالما احتفظت بالثقة في ذاتها ” .
نعم . ” طالما احتفظت بالثقة في ذاتها ” . هكذا قال عبد الناصر رحمه الله .
ولكن كثيرين كانوا لايثقون في القومية العربية بالرغم مما كان يقول أكثر حكام العرب في التاريخ تجربة وأغناهم خبرة بدور مصر في الوطن العربي . بل كانوا يرجعون الالتقاء تحت الراية المنتصرة إلى جاذبية النصر ذاته بدون أن يتوقفوا للرد على السؤال : ولماذا لايلتقي العرب تحت راية منتصرة إلاّ أن تكون راية عربية ، ومن حولهم أمم كثيرة انتصرت فلم يلتقوا تحت رايتها ؟  على أي حال لقد قدم التاريخ الدليل الحاسم على وحدة المصير من الردة فالقطيعة فالعزلة فالعداء بين مصر السادات والوطن العربي فما الذي جرى ؟ . لاأحد ينكر الآن ما جرى لا في مصر ولا في باقي الوطن العربي .
حينما تكف مصر عن دور الجزء من الأمة العربية تتقلص إلى حد الشلل مقدرة بقية الأجزاء عن أداء دورها ، فتتقلص إلى حد الشلل مقدرة مصر ذاتها على أن تؤدي الدور الذي اختارته ، فتكاد تنهار كل القوى في الوطن العربي بما فيها مصر . المسألة – إذن – ليست مسألة قيادة فذّة وقيادة شاذّة ، ولا مسألة انتصار أو انكسار ، بل هناك تحت جلد الوطن العربي شبكة من الروابط الموضوعية التاريخية التي تقاوم تجزئة الأمة الواحدة ، وتحافظ على وحدتها ، وتوحد مصيرها ، وتعلّم من لايريد أن يتعلّم أن غاية شرود الجزء من الكلّ الفشل والشلل للأجزاء جميعاً .
هذا من التاريخ ، فماذا من البحث العلمي ؟
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s